كتاب جواهر القرآن أبو حامد الغزالي مكتبة العلوم الشاملة /مكتبة العلوم الشاملة /https://sluntt.blogspot.com/

ادخل موقعك التعليمي أسماء صلاح

الاثنين، 12 أبريل 2021

أصول السرخسي / فصل فِي بَيَان الْحَقِيقَة وَالْمجَاز حتي فصل فِي تَقْسِيم الْعلَّة ص 2/326)


[ فهرس الكتاب - فهرس المحتويات ]
أصول السرخسي / فصل فِي بَيَان الْحَقِيقَة وَالْمجَاز
الْحَقِيقَة اسْم لكل لفظ هُوَ مَوْضُوع فِي الأَصْل لشَيْء مَعْلُوم مَأْخُوذ من قَوْلك حق يحِق فَهُوَ حق وحاق وحقيق وَلِهَذَا يُسمى أصلا أَيْضا لِأَنَّهُ أصل فِيمَا هُوَ مَوْضُوع لَهُ
وَالْمجَاز اسْم لكل لفظ هُوَ مستعار لشَيْء غير مَا وضع لَهُ مفعل من جَازَ يجوز سمي مجَازًا لتعديه عَن الْموضع الَّذِي وضع فِي الأَصْل لَهُ إِلَى غَيره وَمِنْه قَول الرجل لغيره حبك إيَّايَ مجَاز أَي هُوَ بِاللِّسَانِ دون الْقلب الَّذِي هُوَ مَوضِع الْحبّ فِي الأَصْل وَهَذَا الْوَعْد مِنْك مجَاز أَي الْقَصْد مِنْهُ الترويج دون التَّحْقِيق على مَا عَلَيْهِ وضع الْوَعْد فِي الأَصْل وَلِهَذَا يُسمى مستعارا لِأَن الْمُتَكَلّم بِهِ استعاره وبالاستعمال فِيمَا هُوَ مُرَاده بِمَنْزِلَة من اسْتعَار ثوبا للبس ولبسه وكل وَاحِد من النَّوْعَيْنِ مَوْجُود فِي كَلَام الله تَعَالَى وَكَلَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَلَام النَّاس فِي الْخطب والأشعار وَغير ذَلِك
(1/170)


حَتَّى كَاد الْمجَاز يغلب الْحَقِيقَة لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وَبِه اتَّسع اللِّسَان وَحسن مخاطبات النَّاس بَينهم
وَحكم الْحَقِيقَة وجود مَا وضع لَهُ أمرا كَانَ أَو نهيا خَاصّا كَانَ أَو عَاما وَحكم الْمجَاز وجود مَا استعير لأَجله كَمَا هُوَ حكم الْحَقِيقَة خَاصّا كَانَ أَو عَاما
وَمن أَصْحَاب الشَّافِعِي رَحمَه الله من قَالَ لَا عُمُوم للمجاز وَلِهَذَا قَالُوا إِن قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تَبِيعُوا الطَّعَام بِالطَّعَامِ إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء لَا يُعَارضهُ حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا لَا تَبِيعُوا الدِّرْهَم بِالدِّرْهَمَيْنِ وَلَا الصَّاع بالصاعين فَإِن المُرَاد بالصاع مَا يُكَال بِهِ وَهُوَ مجَاز لَا عُمُوم لَهُ وبالإجماع المطعوم مُرَاد بِهِ فَيخرج مَا سواهُ من أَن يكون مرَادا ويترجح قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لَا تَبِيعُوا الطَّعَام بِالطَّعَامِ لِأَنَّهُ حَقِيقَة فِي مَوْضِعه فَيثبت الحكم بِهِ عَاما وَاسْتَدَلُّوا لإِثْبَات هَذِه الْقَاعِدَة بِأَن الْمصير إِلَى الْمجَاز لأجل الْحَاجة والضرورة فَأَما الأَصْل هُوَ الْحَقِيقَة فِي كل لفظ لِأَنَّهُ مَوْضُوع لَهُ فِي الأَصْل وَلِهَذَا لَا يُعَارض الْمجَاز الْحَقِيقَة بالِاتِّفَاقِ حَتَّى لَا يصير اللَّفْظ فِي المتردد بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي حكم الْمُشْتَرك وَهَذِه الضَّرُورَة ترْتَفع بِدُونِ إِثْبَات حكم الْعُمُوم للمجاز فَكَانَ الْمجَاز فِي هَذَا الْمَعْنى بِمَنْزِلَة مَا ثَبت بطرِيق الِاقْتِضَاء فَكَمَا لَا تثبت هُنَاكَ صفة الْعُمُوم لِأَن الضَّرُورَة ترْتَفع بِدُونِهِ فَكَذَلِك هَا هُنَا
وَلَكنَّا نقُول الْمجَاز أحد نَوْعي الْكَلَام فَيكون بِمَنْزِلَة نوع آخر فِي احْتِمَال الْعُمُوم وَالْخُصُوص لِأَن الْعُمُوم للْحَقِيقَة لَيْسَ بِاعْتِبَار معنى الْحَقِيقَة بل بِاعْتِبَار دَلِيل آخر دلّ عَلَيْهِ فَإِن قَوْلنَا رجل اسْم لخاص فَإِذا قرن بِهِ الْألف وَاللَّام وَلَيْسَ هُنَاكَ مَعْهُود ينْصَرف إِلَيْهِ بِعَيْنِه كَانَ للْجِنْس فَيكون عَاما بِهَذَا الدَّلِيل وَكَذَا كل نكرَة إِذا قرن بهَا الْألف وَاللَّام فِيمَا لَا مَعْهُود فِيهِ يكون عَاما بِهَذَا الدَّلِيل وَقد وجد هَذَا الدَّلِيل فِي الْمجَاز وَالْمحل الَّذِي اسْتعْمل فِيهِ الْمجَاز قَابل للْعُمُوم فَتثبت بِهِ صفة الْعُمُوم بدليله كَمَا ثَبت فِي الْحَقِيقَة وَلِهَذَا جعلنَا قَوْله (وَلَا الصَّاع بالصاعين) عَاما لِأَن الصَّاع نكرَة قرن بهَا الْألف وَاللَّام وَمَا يحويه الصَّاع مَحل لصفة الْعُمُوم وَهَذَا
(1/171)


لِأَن الْمجَاز مستعار ليَكُون قَائِما مقَام الْحَقِيقَة عَاملا عمله وَلَا يتَحَقَّق ذَلِك إِلَّا بِإِثْبَات صفة الْعُمُوم فِيهِ أَلا ترى أَن الثَّوْب الملبوس بطرِيق الْعَارِية يعْمل عمل الملبوس بطرِيق الْملك فِيمَا هُوَ الْمَقْصُود وَهُوَ دفع الْحر وَالْبرد وَلَو لم يَجْعَل كَذَلِك لَكَانَ الْمُتَكَلّم بالمجاز عَن اخْتِيَار مخلا بالغرض فَيكون مقصرا وَذَلِكَ غير مستحسن فِي الأَصْل وَقد ظهر اسْتِحْسَان النَّاس للمجازات والاستعارات فَوق استحسانهم للفظ الَّذِي هُوَ حَقِيقَة عرفنَا أَنه لَيْسَ فِي هَذِه الِاسْتِعَارَة تَقْصِير فِيمَا هُوَ الْمَقْصُود وَأَن للمجاز من الْعَمَل مَا للْحَقِيقَة وَقَوْلهمْ إِن الْمجَاز يكون للضَّرُورَة بَاطِل فَإِن الْمجَاز مَوْجُود فِي كتاب الله تَعَالَى وَالله تَعَالَى يتعالى عَن أَن يلْحقهُ الْعَجز أَو الضَّرُورَة إِلَّا أَن التَّفَاوُت بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي اللُّزُوم والدوام من حَيْثُ إِن الْحَقِيقَة لَا تحْتَمل النَّفْي عَن موضعهَا وَالْمجَاز يحْتَمل ذَلِك وَهُوَ الْعَلامَة فِي معرفَة الْفرق بَينهمَا فَإِن اسْم الْأَب حَقِيقَة للْأَب الْأَدْنَى فَلَا يجوز نَفْيه عَنهُ بِحَال وَهُوَ مجَاز للْجدّ حَتَّى يجوز نَفْيه عَنهُ بِأَن يُقَال إِنَّه جد وَلَيْسَ بأب وَلِهَذَا تترجح الْحَقِيقَة عِنْد التَّعَارُض لِأَنَّهَا ألزم وأدوم وَالْمَطْلُوب بِكُل كلمة عِنْد الْإِطْلَاق مَا هِيَ مَوْضُوعَة لَهُ فِي الأَصْل فيترجح ذَلِك حَتَّى يقوم دَلِيل الْمجَاز بِمَنْزِلَة الملبوس يتَرَجَّح جِهَة الْملك للابس فِيهِ حَتَّى يقوم دَلِيل الْعَارِية إِلَّا إِذا كَانَت الْحَقِيقَة مهجورة فَحِينَئِذٍ يتَعَيَّن الْمجَاز لمعْرِفَة الْقَصْد إِلَى تَصْحِيح الْكَلَام وَينزل ذَلِك منزلَة دَلِيل الِاسْتِثْنَاء وَلِهَذَا قُلْنَا لَو حلف أَن لَا يَأْكُل من هَذِه الشَّجَرَة أَو من هَذَا الْقدر لَا ينْصَرف يَمِينه إِلَى عينهَا وَإِنَّمَا ينْصَرف إِلَى ثَمَرَة الشَّجَرَة وَمَا يطْبخ فِي الْقدر لِأَن الْحَقِيقَة مهجورة فَيتَعَيَّن الْمجَاز
وَلَو حلف لَا يَأْكُل من هَذِه الشَّاة ينْصَرف يَمِينه إِلَى لَحمهَا لَا إِلَى لَبنهَا وسمنها لِأَن الْحَقِيقَة هُنَا غير مهجورة فَإِن عين الشَّاة تُؤْكَل فتترجح الْحَقِيقَة على الْمجَاز عِنْد إِطْلَاق اللَّفْظ
وَلَو حلف لَا يَأْكُل من هَذَا الدَّقِيق فقد قَالَ بعض مَشَايِخنَا يَحْنَث إِذا أكل الدَّقِيق بِعَيْنِه لِأَنَّهُ مَأْكُول وَالأَصَح أَنه لَا يَحْنَث لِأَن أكل عين الدَّقِيق مهجور فَيَنْصَرِف يَمِينه إِلَى الْمجَاز وَهُوَ مَا يتَّخذ مِنْهُ الْخبز وَصَارَ دَلِيل الِاسْتِثْنَاء بِهَذَا الدَّلِيل نَحْو دَلِيل الِاسْتِثْنَاء فِيمَن حلف أَن لَا يسكن هَذِه الدَّار وَهُوَ ساكنها فَأخذ فِي النقلَة فِي الْحَال فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث وَيصير
(1/172)


ذَلِك الْقدر من السُّكْنَى مُسْتَثْنى لمعْرِفَة مَقْصُوده وَهُوَ أَن يمْنَع نَفسه بِيَمِينِهِ عَمَّا فِي وَسعه دون مَا لَيْسَ فِي وَسعه وعَلى هَذَا لَو حلف لَا يُطلق وَقد كَانَ علق الطَّلَاق بِشَرْط قبل هَذِه الْيَمين فَوجدَ الشَّرْط لم يَحْنَث أَو كَانَ حلف بعد الْجرْح أَن لَا يقتل فَمَاتَ الْمَجْرُوح لم يَحْنَث وَيجْعَل ذَلِك بِمَنْزِلَة دَلِيل الِاسْتِثْنَاء بِمَعْرِِفَة مَقْصُوده
وَمن أَحْكَام الْحَقِيقَة وَالْمجَاز أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي لفظ وَاحِد فِي حَالَة وَاحِدَة على أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا مرَادا بِحَال لِأَن الْحَقِيقَة أصل وَالْمجَاز مستعار وَلَا تصور لكَون اللَّفْظ الْوَاحِد مُسْتَعْملا فِي مَوْضُوعه مستعارا فِي مَوضِع آخر سوى مَوْضُوعه فِي حَالَة وَاحِدَة كَمَا لَا تصور لكَون الثَّوْب الْوَاحِد على اللابس ملكا وعارية فِي وَقت وَاحِد وَلِهَذَا قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى {أَو لامستم النِّسَاء} المُرَاد الْجِمَاع دون اللَّمْس بِالْيَدِ لِأَن الْجِمَاع مُرَاد بالِاتِّفَاقِ حَتَّى يجوز التَّيَمُّم للْجنب بِهَذَا النَّص وَلَا تَجْتَمِع الْحَقِيقَة وَالْمجَاز مرَادا بِاللَّفْظِ فَإِذا كَانَ الْمجَاز مرَادا تتنحى الْحَقِيقَة وَلِهَذَا قُلْنَا النَّص الْوَارِد فِي تَحْرِيم الْخمر وَإِيجَاب الْحَد بشربه بِعَيْنِه لَا يتَنَاوَل سَائِر الْأَشْرِبَة المسكرة حَتَّى لَا يجب الْحَد بهَا مَا لم تسكر لِأَن الِاسْم للنيء من مَاء الْعِنَب المشتد حَقِيقَة ولسائر الْأَشْرِبَة المسكرة مجَازًا فَإِذا كَانَت الْحَقِيقَة مرَادا يتَنَحَّى الْمجَاز وعَلى هَذَا الأَصْل قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله فِيمَن أوصى لبني فلَان أَو لأَوْلَاد فلَان وَله بنُون لصلبه وَأَوْلَاد الْبَنِينَ فَإِن أَوْلَاد الْبَنِينَ لَا يسْتَحقُّونَ شَيْئا لِأَن الْحَقِيقَة مُرَادة فيتنحى الْمجَاز
وَقَالَ فِي السّير إِذا استأمنوا على آبَائِهِم لَا يدْخل أجدادهم فِي ذَلِك وَإِذا استأمنوا على أمهاتهم لَا تدخل الْجدَّات فِي ذَلِك لِأَن الْحَقِيقَة مُرَادة فيتنحى الْمجَاز وعَلى هَذَا قَالَ فِي الْجَامِع لَو أَن عَرَبيا لَا وَلَاء عَلَيْهِ أوصى لمواليه وَله معتقون ومعتق المعتقين فَإِن الْوَصِيَّة لمعتقه وَلَيْسَ لمعتق الْمُعْتق شَيْء لِأَن الِاسْم للمعتقين حَقِيقَة بِاعْتِبَار أَنه بَاشر سَبَب إحيائهم بإحداث قُوَّة الْمَالِكِيَّة فيهم بِالْإِعْتَاقِ لِأَن الْحُرِّيَّة حَيَاة وَالرّق تلف حكما فَكَانُوا منسوبين
(1/173)


إِلَيْهِ بِالْوَلَاءِ حَقِيقَة كنسبة الْوَلَد إِلَى أَبِيه وَأما مُعتق الْمُعْتق يُسمى مولى لَهُ مجَازًا لِأَنَّهُ بِالْإِعْتَاقِ الأول جعله بِحَيْثُ يملك اكْتِسَاب سَبَب الْوَلَاء وَهُوَ الْإِعْتَاق فَيكون متسببا فِي الْوَلَاء الثَّانِي من هَذَا الْوَجْه وَيُسمى مولى لَهُ مجَازًا بطرِيق الِاتِّصَال من حَيْثُ السَّبَبِيَّة فَإِذا صَارَت الْحَقِيقَة مرَادا يتَنَحَّى الْمجَاز حَتَّى لَو لم يكن لَهُ معتقون فَالْوَصِيَّة لموَالِي الموَالِي لِأَن الْحَقِيقَة هُنَا غير مُرَادة فَيتَعَيَّن الْمجَاز وَلَو كَانَ لَهُ مُعتق وَاحِد وَالْوَصِيَّة بِلَفْظ الْجَمَاعَة فَاسْتحقَّ هُوَ نصف الثُّلُث كَانَ الْبَاقِي مردودا على الْوَرَثَة وَلَا يكون لموَالِي الموَالِي من ذَلِك شَيْء لِأَن الْحَقِيقَة هُنَا مُرَادة وَلَو كَانَ للْمُوصي موَالٍ أَعلَى وأسفل لم تصح الْوَصِيَّة لِأَن الِاسْم مُشْتَرك وكل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ يحْتَمل أَن يكون مرَادا إِلَّا أَنه لَا وَجه للْجمع بَينهمَا وَإِثْبَات الْعُمُوم لاخْتِلَاف الْمَعْنى وَالْمَقْصُود فَيبْطل أصل الْوَصِيَّة وَمَعْلُوم أَن التغاير بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز بِاعْتِبَار أصل الْوَضع وَفِي الِاسْم الْمُشْتَرك لَا تغاير بِاعْتِبَار أصل الْوَضع ثمَّ لم يجز هُنَاكَ أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا مرَادا بِاللَّفْظِ فِي حَالَة وَاحِدَة فَلِأَن لَا يجوز ذَلِك فِي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز أولى
فَإِن قيل هَذَا الأَصْل لَا يسْتَمر فِي الْمسَائِل فَإِن من حلف أَن لَا يضع قدمه فِي دَار فلَان يَحْنَث إِذا دَخلهَا مَاشِيا كَانَ أَو رَاكِبًا حافيا كَانَ أَو منتعلا وَحَقِيقَة وضع الْقدَم فِيهَا إِذا كَانَ حافيا
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ يَوْم يقدم فلَان فامرأته كَذَا فَقدم لَيْلًا أَو نَهَارا يَقع الطَّلَاق وَالِاسْم للنهار حَقِيقَة ولليل مجَاز
وَلَو حلف لَا يدْخل دَار فلَان فَدخل دَارا يسكنهَا فلَان عَارِية أَو بِأَجْر يَحْنَث كَمَا لَو دخل دَارا مَمْلُوكَة لَهُ
وَفِي السّير قَالَ لَو استأمن على بنيه يدْخل بنوه وَبَنُو بنيه وَلَو استأمن على موَالِيه وَهُوَ مِمَّن لَا وَلَاء عَلَيْهِ يدْخل فِي الْأمان موَالِيه وموالي موَالِيه فقد جمعتم بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي هَذِه الْفُصُول
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد إِذا قَالَ لله عَليّ أَن أَصوم رَجَب وَنوى بِهِ الْيَمين كَانَ نذرا ويمينا وَاللَّفْظ للنذر حَقِيقَة ولليمين مجَاز
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله إِذا حلف أَن لَا يشرب من الْفُرَات فَأخذ المَاء من الْفُرَات فِي كوز فشربه يَحْنَث كَمَا لَو كرع فِي الْفُرَات وَلَو حلف
(1/174)


لَا يَأْكُل من هَذِه الْحِنْطَة فَأكل من خبزها يَحْنَث كَمَا لَو أكل عينهَا وَفِي هَذَا جمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي اللَّفْظ فِي حَالَة وَاحِدَة
قُلْنَا جَمِيع هَذِه الْمسَائِل تخرج مُسْتَقِيمًا على مَا ذكرنَا من الأَصْل عِنْد التَّأَمُّل فقد ذكرنَا أَن الْمَقْصُود مُعْتَبر وَأَنه ينزل ذَلِك منزلَة دَلِيل الِاسْتِثْنَاء
فَفِي مَسْأَلَة وضع الْقدَم مَقْصُود الْحَالِف الِامْتِنَاع من الدُّخُول فَيصير بِاعْتِبَار مَقْصُوده كَأَنَّهُ حلف لَا يدْخل وَالدُّخُول قد يكون حافيا وَقد يكون منتعلا وَقد يكون رَاكِبًا فَعِنْدَ الدُّخُول حافيا يَحْنَث لَا بِاعْتِبَار حَقِيقَة وضع الْقدَم بل بِاعْتِبَار الدُّخُول الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود فَعرفنَا أَنه إِنَّمَا يَحْنَث فِي الْمَوَاضِع كلهَا لعُمُوم الْمجَاز لَا لعُمُوم الْحَقِيقَة
وَكَذَلِكَ قَوْله يَوْم يقدم فلَان فالمقصود بِذكر الْيَوْم هُنَا الْوَقْت لِأَنَّهُ قرن بِهِ مَا هُوَ غير ممتد وَلَا يخْتَص ببياض النَّهَار وَالْيَوْم إِنَّمَا يكون عبارَة عَن بَيَاض النَّهَار إِذا قرن بِمَا يَمْتَد ليصير معيارا لَهُ حَتَّى إِذا قَالَ أَمرك بِيَدِك يَوْم يقدم فلَان فَقدم لَيْلًا لَا يصير الْأَمر بِيَدِهَا وَكَذَلِكَ إِذا قرن بِمَا يخْتَص بِالنَّهَارِ كَقَوْلِه لله عَليّ أَن أَصوم الْيَوْم الَّذِي يقدم فِيهِ فلَان فَأَما إِذا قرن بِمَا لَا يَمْتَد وَلَا يخْتَص بِأحد الْوَقْتَيْنِ يكون عبارَة عَن الْوَقْت كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره} وَاسم الْوَقْت يعم اللَّيْل وَالنَّهَار فلعموم الْمجَاز قُلْنَا بِأَنَّهَا تطلق فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا حَتَّى إِذا قَالَ لَيْلَة يقدم فلَان فَقدم نَهَارا لم تطلق لِأَن الْحَقِيقَة هُنَا مُرَادة فيتنحى الْمجَاز
وَفِي مَسْأَلَة دُخُول دَار فلَان الْمَقْصُود إِضَافَة السُّكْنَى وَذَلِكَ يعم السُّكْنَى بطرِيق الْملك وَالْعَارِية وَإِذا دخل دَارا يسكنهَا فلَان بِالْملكِ إِنَّمَا يَحْنَث لعُمُوم الْمجَاز لَا للْملك حَتَّى لَو كَانَ السَّاكِن فِيهَا غير فلَان لم يَحْنَث وَإِن كَانَت مَمْلُوكَة لفُلَان
وَفِي مَسْأَلَتي السّير قِيَاس واستحسان فِي الْقيَاس يتَنَحَّى الْمجَاز فِي الْأمان كَمَا فِي الْوَصِيَّة وَفِي الِاسْتِحْسَان قَالَ الْمَقْصُود من الْأمان حقن الدَّم وَهُوَ مَبْنِيّ على التَّوَسُّع وَاسم الْأَبْنَاء والموالي من حَيْثُ الظَّاهِر يتَنَاوَل الْفُرُوع إِلَّا أَن الْحَقِيقَة تتقدم على الْمجَاز فِي كَونه مرَادا وَلَكِن مُجَرّد الصُّورَة تبقى شبهته فِي حقن الدَّم كَمَا ثَبت الْأمان بِمُجَرَّد الْإِشَارَة من الْفَارِس إِذا دَعَا الْكَافِر بهَا إِلَى نَفسه لصورة المسالمة وَإِن لم يكن ذَلِك حَقِيقَة
فَإِن قيل لماذا لم تعْتَبر هَذِه الصُّورَة فِي إِثْبَات الْأمان للأجداد والجدات عِنْد
(1/175)


الاستئمان على الْآبَاء والأمهات قُلْنَا لِأَن الْحَقِيقَة إِذا صَارَت مرَادا فاعتبار هَذِه الصُّورَة لثُبُوت الحكم فِي مَحل آخر يكون بطرِيق التّبعِيَّة لَا محَالة وَبَنُو الْبَنِينَ وموالي الموَالِي تلِيق صفة التّبعِيَّة بحالهم فَأَما الأجداد والجدات لَا يكونُونَ تبعا للآباء والأمهات وهم الْأُصُول فَلهَذَا ترك اعْتِبَار الصُّورَة هُنَاكَ فِي إِثْبَات الْأمان لَهُم فَأَما مَسْأَلَة النّذر فقد قيل معنى النّذر هُنَاكَ يثبت بِلَفْظ وَمعنى الْيَمين بِلَفْظ آخر فَإِن قَوْله لله عِنْد إِرَادَة الْيَمين كَقَوْلِه بِاللَّه إِذْ الْبَاء وَاللَّام تتعاقبان قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا دخل آدم الْجنَّة فَللَّه مَا غربت الشَّمْس حَتَّى خرج وَقَوله عَليّ نذر وَنحن إِنَّمَا أَنْكَرْنَا اجْتِمَاع الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي لفظ وَاحِد مَعَ أَن تِلْكَ الْكَلِمَة نذر بصيغتها يَمِين بموجبها إِذا أَرَادَ الْيَمين لِأَن مُوجبهَا وجوب الْمَنْذُور بِهِ وَإِيجَاب الْمُبَاح يَمِين كتحريم الْحَلَال الْمُبَاح وَهُوَ نَظِير شِرَاء الْقَرِيب تملك بصيغته وإعتاق بِمُوجبِه
وَأما مَسْأَلَة الشّرْب من الْفُرَات فالحنث عِنْدهَا بِاعْتِبَار عُمُوم الْمجَاز لِأَن الْمَقْصُود شرب مَاء الْفُرَات وَلَا تَنْقَطِع هَذِه النِّسْبَة بِجعْل المَاء فِي الْإِنَاء وَعند الكرع إِنَّمَا يَحْنَث لِأَنَّهُ شرب مَاء الْفُرَات حَتَّى لَو تحول من الْفُرَات إِلَى نهر آخر لم يَحْنَث إِن شرب مِنْهُ لِأَن النِّسْبَة قد انْقَطَعت عَن الْفُرَات بالتحول إِلَى نهر آخر
وَأَبُو حنيفَة رَحمَه الله اعْتبر الْحَقِيقَة قَالَ الشّرْب من الْفُرَات حَقِيقَة مُعْتَادَة غير مهجورة وَإِنَّمَا يتَنَاوَل هَذَا اللَّفْظ المَاء بطرِيق الْمجَاز عَن قَوْلهم جرى النَّهر أَي المَاء فِيهَا وَإِذا صَارَت الْحَقِيقَة مرَادا يتَنَحَّى الْمجَاز وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَة الْحِنْطَة أَبُو حنيفَة اعْتبر الظَّاهِر فَقَالَ عين الْحِنْطَة مَأْكُول وَهُوَ مُرَاد مَقْصُود فيتنحى الْمجَاز وهما جعلا ذكر الْحِنْطَة عبارَة عَمَّا فِي بَاطِنهَا مجَازًا للْعُرْف فَإِنَّهُ يُقَال أهل بَلْدَة كَذَا يَأْكُلُون الْحِنْطَة وَالْمرَاد مَا فِيهَا من عين الْحِنْطَة وَإِنَّمَا يَحْنَث لعُمُوم الْمجَاز وَهُوَ أَنه تنَاول مَا فِيهَا وَهَذَا مَوْجُود فِيمَا إِذا أكل من خبزها فَخرجت الْمسَائِل على هَذَا الْحَرْف وَهُوَ اعْتِبَار عُمُوم الْمجَاز بِمَعْرِِفَة الْمَقْصُود لَا بِاعْتِبَار الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز
(1/176)


قَالَ رَضِي الله عَنهُ وَقد رَأَيْت بعض الْعِرَاقِيّين من أَصْحَابنَا رَحِمهم الله قَالُوا إِن الْحَقِيقَة وَالْمجَاز لَا يَجْتَمِعَانِ فِي لفظ وَاحِد فِي مَحل وَاحِد وَلَكِن فِي محلين مُخْتَلفين يجوز أَن يجتمعا وَهَذَا قريب بِشَرْط أَن لَا يكون الْمجَاز مزاحما للْحَقِيقَة مدخلًا للْجِنْس على صَاحب الْحَقِيقَة فَإِن الثَّوْب الْوَاحِد على اللابس يجوز أَن يكون نصفه ملكا وَنصفه عَارِية وَقد قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى {حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم وبناتكم} إِنَّه يتَنَاوَل الْجدَّات وَبَنَات الْبَنَات وَالِاسْم للْأُم حَقِيقَة وللجدات مجَاز وَكَذَلِكَ اسْم الْبَنَات لبنات الصلب حَقِيقَة ولأولاد الْبَنَات مجَاز وَكَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم} فَإِنَّهُ مُوجب حُرْمَة مَنْكُوحَة الْجد كَمَا يُوجب حُرْمَة مَنْكُوحَة الْأَب فَعرفنَا أَنه يجوز الْجمع بَينهمَا فِي لفظ وَاحِد وَلَكِن فِي محلين مُخْتَلفين حَتَّى يكون حَقِيقَة فِي أَحدهمَا مجَازًا فِي الْمحل الآخر وَهَذَا بِخِلَاف الْمُشْتَرك فالاحتمال هُنَاكَ بِاعْتِبَار مَعَاني مُخْتَلفَة وَلَا تصور لِاجْتِمَاع تِلْكَ الْمعَانِي فِي كلمة وَاحِدَة وَهنا تجمع الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي احْتِمَال الصِّيغَة لكل وَاحِد مِنْهُمَا معنى وَاحِدًا وَهُوَ الْأَصَالَة فِي الْآبَاء والأجداد والأمهات والجدات والولاد فِي حق الْأَوْلَاد وَلَكِن بَعْضهَا بِوَاسِطَة وَبَعضهَا بِغَيْر وَاسِطَة فَيكون هَذَا نَظِير مَا قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله فِي قَوْله تَعَالَى {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا} إِنَّه يتَنَاوَل جَمِيع أَجنَاس الأَرْض بِاعْتِبَار معنى يجمع الْكل وَهُوَ التصاعد من الأَرْض وَإِن كَانَ الِاسْم للتراب حَقِيقَة
وَبَيَان الْفرق بَين الْمُشْتَرك وَبَين الْمجَاز مَعَ الْحَقِيقَة فِي الْمَعْنى الَّذِي ذكرنَا فِيمَا قَالَ فِي السّير لَو استأمن لمواليه وَله موَالٍ أَعلَى وأسفل فالأمان لأحد الْفَرِيقَيْنِ وَهُوَ مَا أَرَادَهُ الَّذِي آمنهُ وَإِن لم يرد شَيْئا يَأْمَن الْفَرِيقَانِ بِاعْتِبَار أَن الْأمان يتَنَاوَل أَحدهمَا لَا بِاعْتِبَار أَنه يتناولهما لِأَن الِاسْم مُشْتَرك وبمثله لَو كَانَ لَهُ موَالٍ وموالي موَالٍ ثَبت الْأمان لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا بِاعْتِبَار أَنه يجوز أَن يكون اللَّفْظ الْوَاحِد عَاملا بحقيقته فِي مَوضِع وبمجازه فِي مَوضِع آخر
ثمَّ طَرِيق معرفَة الْحَقِيقَة السماع لِأَن الأَصْل فِيهِ الْوَضع وَلَا يصير ذَلِك مَعْلُوما إِلَّا بِالسَّمَاعِ بِمَنْزِلَة الْمَنْصُوص فِي أَحْكَام الشَّرْع وَطَرِيق الْوُقُوف عَلَيْهَا السماع فَقَط
(1/177)


وَإِنَّمَا طَرِيق معرفَة الْمجَاز الْوُقُوف على مَذْهَب الْعَرَب فِي الِاسْتِعَارَة دون السماع بِمَنْزِلَة الْقيَاس فِي أَحْكَام الشَّرْع فَإِن طَرِيق تَعديَة حكم النَّص إِلَى الْفُرُوع مَعْلُوم وَهُوَ التَّأَمُّل فِي مَعَاني النَّص وَاخْتِيَار الْوَصْف الْمُؤثر مِنْهَا لتعدية الحكم بهَا إِلَى الْفُرُوع فَإِذا وقف مُجْتَهد على ذَلِك وَأصَاب طَرِيقه كَانَ ذَلِك مسموعا مِنْهُ وَإِن لم يسْبق بِهِ فَكَذَلِك فِي الِاسْتِعَارَة إِذا وقف إِنْسَان على معنى تجوز الِاسْتِعَارَة بِهِ عِنْد الْعَرَب فاستعار بذلك الْمَعْنى وَاسْتعْمل لفظا فِي مَوضِع كَانَ مسموعا مِنْهُ وَإِن لم يسْبق بِهِ وعَلى هَذَا يجْرِي كَلَام البلغاء من الخطباء وَالشعرَاء فِي كل وَقت
فَنَقُول طَرِيق الِاسْتِعَارَة عِنْد الْعَرَب الِاتِّصَال والاتصال بَين الشَّيْئَيْنِ يكون صُورَة أَو معنى فَإِن كل مَوْجُود مُتَصَوّر تكون لَهُ صُورَة وَمعنى فالاتصال لَا يكون إِلَّا بِاعْتِبَار الصُّورَة أَو بِاعْتِبَار الْمَعْنى
فَأَما الِاسْتِعَارَة للاتصال معنى فنحو تَسْمِيَة الْعَرَب الشجاع أسدا للاتصال بَينهمَا فِي معنى الشجَاعَة وَالْقُوَّة والبليد حمارا لاتصال بَينهمَا فِي معنى البلادة والاستعارة للاتصال صُورَة نَحْو تَسْمِيَة الْعَرَب الْمَطَر سَمَاء فَإِنَّهُم يَقُولُونَ مَا زلنا نَطَأ السَّمَاء حَتَّى أَتَيْنَاكُم يعنون الْمَطَر لِأَنَّهَا تنزل من السَّحَاب وَالْعرب تسمي كل مَا علا فَوْقك سَمَاء وَيكون نزُول الْمَطَر من علو فَسَموهُ سَمَاء مجَازًا للاتصال صُورَة وَقَالَ تَعَالَى {أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط} وَالْغَائِط اسْم للمطمئن من الأَرْض وَسمي الْحَدث بِهِ مجَازًا لِأَن يكون فِي المطمئن من الأَرْض عَادَة وَهَذَا اتِّصَال من حَيْثُ الصُّورَة وَقَالَ تَعَالَى {أَو لامستم النِّسَاء} وَالْمرَاد الْجِمَاع لِأَن اللَّمْس سَببه صُورَة فَسَماهُ بِهِ مجَازًا وَقَالَ تَعَالَى {إِنِّي أَرَانِي أعصر خمرًا} وَإِنَّمَا يعصر الْعِنَب وَهُوَ مُشْتَمل على السّفل وَالْمَاء والقشر إِلَّا أَنه بالعصر يصير خمرًا فِي أَوَانه فَسَماهُ بِهِ مجَازًا لاتصال بَينهمَا فِي الذَّات صُورَة فسلكنا فِي الْأَسْبَاب الشَّرْعِيَّة والعلل هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ فِي الِاسْتِعَارَة وَقُلْنَا يَصح الِاسْتِعَارَة للاتصال سَببا فَإِنَّهُ نَظِير الِاسْتِعَارَة للاتصال صُورَة فِي المحسوسات وللاتصال فِي الْمَعْنى الْمَشْرُوع الَّذِي جَاءَ لأَجله شرع يصلح الِاسْتِعَارَة وَهُوَ نَظِير الِاتِّصَال معنى فِي المحسوسات فَإِنَّهُ لَا خلاف بَين الْعلمَاء
(1/178)


أَن صَلَاحِية الِاسْتِعَارَة غير مُخْتَصّ بطرِيق اللُّغَة وَأَن الِاتِّصَال فِي الْمعَانِي وَالْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة يصلح للاستعارة وَهَذَا لِأَن الِاسْتِعَارَة للقرب والاتصال وَذَلِكَ يتَحَقَّق فِي المحسوس وَغير المحسوس فالأحكام الشَّرْعِيَّة قَائِمَة بمعناها مُتَعَلقَة بأسبابها فَتكون مَوْجُودَة حكما بِمَنْزِلَة الْمَوْجُود حسا فَيتَحَقَّق معنى الْقرب والاتصال فِيهَا وَلِأَن المشروعات إِذا تَأَمَّلت فِي أَسبَابهَا وَجدتهَا دَالَّة على الحكم الْمَطْلُوب بهَا بِاعْتِبَار أصل اللُّغَة فِيمَا تكون معقولة الْمَعْنى وَالْكَلَام فِيهِ وَلَا اسْتِعَارَة فِيمَا لَا يعقل مَعْنَاهُ أَلا ترى أَن البيع مَشْرُوع لإِيجَاب الْملك وموضوع لَهُ أَيْضا فِي اللُّغَة وَقد اتّفق الْعلمَاء فِي جَوَاز اسْتِعَارَة لفظ التَّحْرِير لإيقاع الطَّلَاق بِهِ وَجوز الشَّافِعِي رَحمَه الله اسْتِعَارَة لفظ الطَّلَاق لإيقاع الْعتْق بِهِ وَالْأَئِمَّة من السّلف استعملوا الِاسْتِعَارَة بِهَذَا الطَّرِيق أَيْضا وَكتاب الله تَعَالَى نَاطِق بذلك يَعْنِي قَوْله تَعَالَى {وَامْرَأَة مُؤمنَة إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي إِن أَرَادَ النَّبِي أَن يستنكحها} فَإِن الله تَعَالَى جعل هبتها نَفسهَا جَوَابا للاستنكاح وَهُوَ طلب النِّكَاح وَلَا خلاف أَن نِكَاح رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ ينْعَقد بِلَفْظ الْهِبَة على سَبِيل الِاسْتِعَارَة لَا على سَبِيل حَقِيقَة الْهِبَة فَإِن الْهِبَة لتمليك المَال فَلَا يكون عَاملا بحقيقتها فِيمَا لَيْسَ بِمَال وَلِأَنَّهَا لَا توجب الْملك إِلَّا بِالْقَبْضِ فِيمَا كَانَت حَقِيقَة فِيهِ فَكيف فِيمَا لَيست بِحَقِيقَة فِيهِ فَعرفنَا أَنَّهَا اسْتِعَارَة قَامَت مقَام النِّكَاح بطرِيق الْمجَاز وَكَذَلِكَ كَانَ يتَعَلَّق بنكاحه حكم الْقسم وَالطَّلَاق وَالْعدة وَإِن كَانَ معقودا بِلَفْظ الْهِبَة فَعرفنَا أَنه كَانَ بطرِيق الِاسْتِعَارَة على معنى أَن اللَّفْظ مَتى صَار مجَازًا عَن غَيره سقط اعْتِبَار حَقِيقَته وَصَارَ التَّكَلُّم بِهِ كالتكلم بِمَا هُوَ مجَاز عَنهُ
ثمَّ لَيْسَ للرسالة أثر فِي معنى الخصوصية بِوُجُوه الْكَلَام فَإِن معنى الخصوصية هُوَ التَّخْفِيف والتوسعة وَمَا كَانَ يلْحقهُ حرج فِي اسْتِعْمَال لفظ النِّكَاح فقد كَانَ أفْصح النَّاس وَهَذِه جملَة لَا خلاف فِيهَا إِلَّا أَن الشَّافِعِي رَحمَه الله قَالَ نِكَاح غَيره لَا ينْعَقد بِهَذَا اللَّفْظ لِأَنَّهُ عقد مَشْرُوع لمقاصد لَا تحصى مِمَّا يرجع إِلَى مصَالح الدّين وَالدُّنْيَا وَلَفظ النِّكَاح وَالتَّزْوِيج يدل على ذَلِك بِاعْتِبَار أَنَّهَا تبتنى على الِاتِّحَاد فالتزويج تلفيق بَين الشَّيْئَيْنِ على وَجه يثبت بِهِ الِاتِّحَاد بَينهمَا فِي الْمَقْصُود كزوجي الْخُف ومصراعي بمصالح الْمَعيشَة وَلَيْسَ فِي هذَيْن اللَّفْظَيْنِ مَا يدل على التَّمْلِيك بِاعْتِبَار أصل الْوَضع وَلِهَذَا لَا يثبت ملك الْعين بهما فالألفاظ الْمَوْضُوعَة لإِيجَاب ملك الْعين فِيهَا قُصُور فِيمَا هُوَ الْمَقْصُود بِالنِّكَاحِ إِلَّا أَن فِي حق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ ينْعَقد نِكَاحه بِهَذَا اللَّفْظ مَعَ قُصُور فِيهِ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ وتوسعة للغات عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {خَالِصَة لَك} وَفِي حق الْبَاب وَالنِّكَاح
(1/179)


بِمَعْنى الضَّم الَّذِي ينبىء عَن الِاتِّحَاد بَينهمَا فِي الْقيام غَيره لَا يصلح هَذَا اللَّفْظ لانعقاد النِّكَاح بِهِ لما فِيهِ من الْقُصُور وَهُوَ معنى مَا يَقُولُونَ إِنَّه عقد خَاص شرع بِلَفْظ خَاص
وَنَظِيره الشَّهَادَة فَإِنَّهَا مَشْرُوعَة بِلَفْظ خَاص فَلَا تصلح بِلَفْظ آخر لقُصُور فِيهِ حَتَّى إِذا قَالَ الشَّاهِد أَحْلف لَا يكون شَهَادَة لِأَن لفظ الْحلف مُوجب بِغَيْرِهِ وَلَفظ الشَّهَادَة مُوجب بِنَفسِهِ قَالَ تَعَالَى {شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ} وَكَذَلِكَ لفظ الْهِبَة لَا تَنْعَقِد بِهِ الْمُعَاوضَة الْمَحْضَة وَهِي البيع ابْتِدَاء وَكَأن ذَلِك لقُصُور فِيهَا وَفِي صفة الْمُعَاوضَة النِّكَاح أبلغ من البيع وعَلى هَذَا الأَصْل لم يجوزوا نقل الْأَخْبَار بِالْمَعْنَى من غير مُرَاعَاة اللَّفْظ وَلَكنَّا نقُول النِّكَاح مُوجب ملك الْمُتْعَة وَهَذِه الْأَلْفَاظ فِي مَحل ملك الْمُتْعَة توجب ملك الْمُتْعَة تبعا لملك الرَّقَبَة فَإِنَّهَا توجب ملك الرَّقَبَة وَملك الرَّقَبَة يُوجب ملك الْمُتْعَة فِي مَحَله فَكَانَ بَينهمَا اتِّصَالًا من حَيْثُ السَّبَبِيَّة وَهُوَ طَرِيق صَالح للاستعارة وَلَا حَاجَة إِلَى النِّيَّة لِأَن هَذَا الْمحل الَّذِي أضيف إِلَيْهِ مُتَعَيّن لهَذَا الْمجَاز وَهُوَ النِّكَاح وَالْحَاجة إِلَى النِّيَّة عِنْد الِاشْتِبَاه للتعيين وَمَا ذكرُوا من مَقَاصِد النِّكَاح فَهِيَ لكَونهَا غير محصورة بِمَنْزِلَة الثَّمَرَة كَمَا هُوَ الْمَطْلُوب من هَذَا العقد فَأَما الْمَقْصُود فإثبات الْملك عَلَيْهَا وَلِهَذَا وَجب الْبَدَل لَهَا عَلَيْهِ فَلَو كَانَ الْمَقْصُود مَا سواهَا من الْمَقَاصِد لم يجب الْبَدَل لَهَا عَلَيْهِ لِأَن تِلْكَ الْمَقَاصِد مُشْتَركَة بَينهمَا وَكَذَلِكَ جعل الطَّلَاق بيد الزَّوْج لِأَنَّهُ هُوَ الْمَالِك فإليه إِزَالَة الْملك وَإِذا ثَبت أَن الْمَقْصُود هُوَ الْملك وَهَذِه الْأَلْفَاظ مَوْضُوعَة لإِيجَاب الْملك ثمَّ لما انْعَقَد هَذَا العقد بِلَفْظ غير مَوْضُوع لإِيجَاب مَا هُوَ الْمَقْصُود وَهُوَ الْملك فَلِأَن
(1/180)


ينْعَقد بِلَفْظ مَوْضُوع لإِيجَاب مَا هُوَ الْمَقْصُود وَهُوَ الْملك كَانَ أولى وَإِنَّمَا انْعَقَد هَذَا العقد بِلَفْظ النِّكَاح وَالتَّزْوِيج وَإِن لم يوضعا لإِيجَاب الْملك بهما فِي الأَصْل لِأَنَّهُمَا جعلا علما فِي إِثْبَات هَذَا الْملك بهما وَمَا يكون علما لشَيْء بِعَيْنِه فَهُوَ بِمَنْزِلَة النَّص فِيهِ فَيثبت الحكم بِهِ بِعَيْنِه وَلِهَذَا لم ينْعَقد بهما الْأَسْبَاب الْمُوجبَة لملك الْعين فَأَما الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة لإِيجَاب الْملك لَا يَنْتَفِي باسم الْعلم عَن هَذَا الْمحل وَقد تقرر صَلَاحِية الِاسْتِعَارَة بالاتصال من حَيْثُ السَّبَبِيَّة فَيثبت هَذَا الْملك بهَا بطرِيق الِاسْتِعَارَة
فَإِن قيل الِاتِّصَال من حَيْثُ السَّبَبِيَّة لَا يخْتَص بِأحد الْجَانِبَيْنِ بل يكون من الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا ثمَّ لم يعْتَبر هَذَا الِاتِّصَال والقرب فِي إِثْبَات ملك الرَّقَبَة بِاللَّفْظِ الَّذِي هُوَ مَوْضُوع لإِيجَاب ملك الْمُتْعَة فَكَذَلِك لَا يعْتَبر هَذَا الِاتِّصَال لإِثْبَات ملك الْمُتْعَة بِاللَّفْظِ الْمَوْضُوع لإِثْبَات ملك الرَّقَبَة
قُلْنَا الِاتِّصَال من حَيْثُ السَّبَبِيَّة نَوْعَانِ أَحدهمَا اتِّصَال الحكم بِالْعِلَّةِ وَذَلِكَ مُعْتَبر فِي صَلَاحِية الِاسْتِعَارَة من الْجَانِبَيْنِ لِأَن الْعلَّة غير مَطْلُوبَة لعينها بل لثُبُوت الحكم بهَا وَالْحكم لَا يثبت بِدُونِ الْعلَّة فَيتَحَقَّق معنى الْقرب والاتصال لافتقار كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى الآخر
وَبَيَان هَذَا فِيمَا قَالَ فِي الْجَامِع إِذا قَالَ إِن ملكت عبدا فَهُوَ حر فَاشْترى نصف عبد ثمَّ بَاعه ثمَّ اشْترى النّصْف الثَّانِي لَا يعْتق فَإِن قَالَ عنيت الْملك مُتَفَرقًا كَانَ أَو مجتمعا يدين فِي الْقَضَاء وَفِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَيعتق النّصْف الْبَاقِي فِي ملكه
وَلَو قَالَ إِن اشْتريت عبدا فَهُوَ حر فَاشْترى نصفه فَبَاعَهُ ثمَّ اشْترى النّصْف الْبَاقِي يعْتق هَذَا النّصْف فَإِن قَالَ عنيت الشِّرَاء مجتمعا يدين فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى فَلَا يعْتق هَذَا النّصْف وَقيل الشِّرَاء مُوجب للْملك وَالْملك حكم الشِّرَاء فيصلح أَن يكون ذكر الْملك مستعارا عَن ذكر الشِّرَاء إِذا نوى التَّفَرُّق فِيهِ وَيصْلح أَن يكون ذكر الشِّرَاء مستعارا عَن ذكر الْملك إِذا نوى الِاجْتِمَاع فِيهِ حَتَّى يعْمل بنيته من حَيْثُ الدّيانَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَلَكِن فِيمَا فِيهِ تَخْفيف عَلَيْهِ لَا يدين فِي الْقَضَاء للتُّهمَةِ وَفِيمَا فِيهِ تَشْدِيد عَلَيْهِ يدين لانْتِفَاء التُّهْمَة
وَالنَّوْع الآخر اتِّصَال الْفَرْع بِالْأَصْلِ وَالْحكم بِالسَّبَبِ فَإِن بِهَذَا الِاتِّصَال تصلح اسْتِعَارَة الأَصْل للفرع وَالسَّبَب للْحكم وَلَا تصلح اسْتِعَارَة الْفَرْع للْأَصْل
(1/181)


وَالْحكم للسبب لِأَن الأَصْل مستغن عَن الْفَرْع وَالْفرع مُحْتَاج إِلَى الأَصْل لِأَنَّهُ تَابع لَهُ فَيصير معنى الِاتِّصَال مُعْتَبرا فِيمَا هُوَ مُحْتَاج إِلَيْهِ دون مَا هُوَ مُسْتَغْنى عَنهُ
وَهُوَ نَظِير الْجُمْلَة النَّاقِصَة إِذا عطفت على الْجُمْلَة الْكَامِلَة فَإِنَّهُ يعْتَبر اتِّصَال الْجُمْلَة النَّاقِصَة بالكاملة فِيمَا يرجع إِلَى إِكْمَال النَّاقِصَة لحاجتها إِلَى ذَلِك حَتَّى يتَوَقَّف أول الْكَلَام على آخِره وَلَا يعْتَبر اتِّصَال النَّاقِص بالكامل فِي حكم الْكَامِل لِأَنَّهُ مُسْتَغْنى عَنهُ فَملك الرَّقَبَة سَبَب ملك الْمُتْعَة بَينهمَا اتِّصَال من هَذَا الْوَجْه فَلهَذَا جَازَ اسْتِعَارَة السَّبَب للْحكم وَلَا يجوز اسْتِعَارَة الحكم للسبب وَاللَّفْظ الْمَوْضُوع لإِيجَاب ملك الرَّقَبَة يجوز أَن يستعار لإِيجَاب ملك الْمُتْعَة والموضوع لإِيجَاب ملك الْمُتْعَة لَا يصلح مستعارا لإِيجَاب ملك الرَّقَبَة وَلِهَذَا الطَّرِيق قُلْنَا إِن لفظ التَّحْرِير عَامل فِي إِيقَاع الطَّلَاق بِهِ مجَازًا لِأَنَّهَا مَوْضُوعَة لإِزَالَة ملك الرَّقَبَة وزوالها سَبَب لزوَال ملك الْمُتْعَة إِلَّا أَنه لَا يعْمل بِدُونِ النِّيَّة لِأَن الْمحل الْمُضَاف إِلَيْهِ غير مُتَعَيّن لهَذَا الْمجَاز بل هُوَ مَحل لحقيقة الْوَصْف بِالْحُرِّيَّةِ فَيحْتَاج إِلَى النِّيَّة ليتعين فِيهَا الِاسْتِعْمَال بطرِيق الْمجَاز وَلَفظ الطَّلَاق لَا يحصل بِهِ الْعتْق لِأَنَّهُ مَوْضُوع لإِزَالَة ملك الْمُتْعَة وَزَوَال ملك الْمُتْعَة لَيْسَ بِسَبَب لزوَال ملك الرَّقَبَة بل هُوَ حكم ذَلِك السَّبَب فَلَا يصلح اسْتِعَارَة الحكم للسبب كَمَا لَا يصلح اسْتِعَارَة الْفَرْع للْأَصْل لكَونه مُسْتَغْنى عَنهُ وَلَكِن الشَّافِعِي رَحمَه الله جوز هَذِه الِاسْتِعَارَة أَيْضا للقرب بَينهمَا من حَيْثُ المشابهة فِي الْمَعْنى وكل وَاحِد مِنْهُمَا إِزَالَة بطرِيق الْإِبْطَال مَبْنِيّ على الْغَلَبَة والسراية غير مُحْتَمل للْفَسْخ مُحْتَمل للتعليق بِالشّرطِ والإيجاب فِي الْمَجْهُول فللمناسبة بَينهمَا فِي هَذَا الْمَعْنى جوز اسْتِعَارَة كل وَاحِد مِنْهُمَا للْآخر وَلَكنَّا نقُول الْمُنَاسبَة فِي الْمَعْنى صَالح للاستعارة لَكِن لَا بِكُل وصف بل بِالْوَصْفِ الَّذِي يخْتَص بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا أَلا ترى أَنه لَا يُسمى الجبان أسدا وَلَا الشجاع حمارا للمناسبة بَينهمَا من حَيْثُ الحيوانية والوجود وَمَا أشبه ذَلِك وَيُسمى الشجاع أسدا للمناسبة بَينهمَا فِي الْوَصْف الْخَاص وَهُوَ الشجَاعَة وَهَذَا لِأَن اعْتِبَار هَذِه الْمُنَاسبَة بَينهمَا للاستعارة بِمَنْزِلَة اعْتِبَار الْمَعْنى فِي الْمَنْصُوص لتعدية الحكم بِهِ إِلَى الْفُرُوع ثمَّ لَا يَسْتَقِيم تَعْلِيل النَّص بِكُل
(1/182)


وصف بل بِوَصْف لَهُ أثر فِي ذَلِك الحكم لِأَنَّهُ لَو جوز التَّعْلِيل بِكُل وصف انْعَدم معنى الِابْتِلَاء أصلا فَكَذَلِك هَهُنَا لَو صححنا الِاسْتِعَارَة للمناسبة فِي أَي معنى كَانَ ارْتَفع معنى الامتحان واستوى الْعَالم وَالْجَاهِل فَعرفنَا أَنه إِنَّمَا تعْتَبر الْمُنَاسبَة فِي الْوَصْف الْخَاص وَلَا مُنَاسبَة هُنَا فِي الْوَصْف الَّذِي لأَجله وضع كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي الأَصْل فالطلاق مَوْضُوع للإطلاق بِرَفْع الْمَانِع من الانطلاق لَا بإحداث قُوَّة الانطلاق فِي الذَّات وَمِنْه إِطْلَاق الْإِبِل وَإِطْلَاق الْأَسير وَالْعتاق لإحداث معنى فِي الذَّات يُوجب الْقُوَّة من قَول الْقَائِل عتق الفرخ إِذا قوي حَتَّى طَار وَفِي ملك الْيَمين الْمَمْلُوك عَاجز عَن الانطلاق لضعف فِي ذَاته وَهُوَ أَنه صَار رَقِيقا مَمْلُوكا مقهورا مُحْتَاجا إِلَى إِحْدَاث قُوَّة فِيهِ يصير بهَا مَالِكًا مستوليا مستبدا بِالتَّصَرُّفِ والمنكوحة مالكة أَمر نَفسهَا وَلكنهَا محبوسة عِنْد الزَّوْج بِالْملكِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهَا فحاجتها إِلَى رفع الْمَانِع وَذَلِكَ يكون بِالطَّلَاق كَمَا يكون بِرَفْع الْقَيْد عَن الْأَسير وبحل العقال عَن الْبَعِير وَلَا مُنَاسبَة بَين رفع الْمَانِع وَبَين إِحْدَاث الْقُوَّة كَمَا لَا مُنَاسبَة بَين رفع الْقَيْد وَبَين الْبُرْء من الْمَرَض فَعرفنَا أَنه لَا وَجه للاستعارة بطرِيق الْمُنَاسبَة بَينهمَا فِي الْمَعْنى وَلَكِن بالاتصال من حَيْثُ السَّبَبِيَّة وَالْحكم وَقد بَينا أَن ذَلِك صَالح من أحد الْجَانِبَيْنِ دون الْجَانِب الآخر
فَإِن قيل عنْدكُمْ الْإِجَازَة لَا تَنْعَقِد بِلَفْظ البيع نَص عَلَيْهِ فِي كتاب الصُّلْح حَيْثُ قَالَ بيع السُّكْنَى بَاطِل فَالْبيع سَبَب لملك الرَّقَبَة وَملك الرَّقَبَة سَبَب لملك الْمَنْفَعَة
ثمَّ لم تصح الِاسْتِعَارَة بِهَذَا الطَّرِيق عنْدكُمْ مجَازًا وعَلى عكس هَذَا إِذا قَالَ لغيره أعتق عَبدك عني على ألف دِرْهَم فَقَالَ أعتقت يثبت التَّمَلُّك شِرَاء بِهَذَا الْكَلَام وَالْعِتْق لَيْسَ بِسَبَب للشراء ثمَّ كَانَ عبارَة عَنهُ مجَازًا وَكَذَلِكَ شِرَاء الْقَرِيب إِعْتَاق عنْدكُمْ وَالشِّرَاء لَيْسَ بِسَبَب الْعتْق ثمَّ كَانَ عبارَة عَنهُ
قُلْنَا أما اسْتِعْمَال لفظ البيع فِي الْإِجَارَة فَإِنَّمَا لَا يجوز عندنَا لِانْعِدَامِ الْمحل لَا لِانْعِدَامِ الصلاحية للاستعارة لِأَنَّهُ إِن أضيف لفظ البيع إِلَى رَقَبَة الدَّار وَالْعَبْد فَهُوَ عَامل بحقيقته فِي تمْلِيك الْعين وَإِن أضيف إِلَى
(1/183)


منفعتهما فالمنفعة مَعْدُومَة والمعدوم لَا يكون محلا للتَّمْلِيك وَاللَّفْظ مَتى صَار مجَازًا عَن غَيره يَجْعَل كَأَنَّهُ وجد التَّصْرِيح بِاللَّفْظِ الَّذِي هُوَ مجَاز عَنهُ
وَلَو قَالَ أجرتك مَنَافِع هَذِه الدَّار لَا يَصح أَيْضا وَإِنَّمَا يَصح إِذا قَالَ أجرتك الدَّار بِاعْتِبَار إِقَامَة الْعين الْمُضَاف إِلَيْهِ العقد مقَام الْمَنْفَعَة وَلَفظ البيع مَتى أضيف إِلَى الْعين كَانَ عَاملا فِي حَقِيقَته حَتَّى لَو قَالَ الْحر لغيره بِعْتُك نَفسِي شهرا بِعشْرَة يجوز ذَلِك على وَجه الِاسْتِعَارَة عَن الْإِجَارَة لِأَن عين الْحر لَيْسَ بِمحل لما وضع لَهُ البيع حَقِيقَة وَأهل الْمَدِينَة يسمون الْإِجَارَة بيعا فَتجوز هَهُنَا الِاسْتِعَارَة للاتصال من حَيْثُ السَّبَبِيَّة وَأما قَوْله أعتق عَبدك عني فَمن يَقُول إِن ذَلِك مجَاز عَن الشِّرَاء فقد أَخطَأ خطأ فَاحِشا وَكَيف يكون ذَلِك مجَازًا عَنهُ وَهُوَ عَامل بحقيقته وَاللَّفْظ مَتى صَار مجَازًا عَن غَيره يسْقط اعْتِبَار حَقِيقَته وَفِي الْموضع الَّذِي لَا يثبت حَقِيقَة الْعتْق بِأَن يكون الْقَائِل صَبيا أَو عبدا مَأْذُونا لَا يثبت الشِّرَاء فَعرفنَا أَن ثُبُوت الشِّرَاء هُنَاكَ بطرِيق الِاقْتِضَاء للْحَاجة إِلَى تَحْصِيل الْمَقْصُود الَّذِي صرحنا بِهِ وَهُوَ الْإِعْتَاق عَنهُ فَإِن من شَرطه ثُبُوت الْملك لَهُ فِي الْمحل والمقتضى لَيْسَ من الْمجَاز فِي شَيْء وَكَذَلِكَ شِرَاء الْقَرِيب عندنَا لَيْسَ بِإِعْتَاق مجَازًا وَكَيف يكون ذَلِك وَهُوَ عَامل بحقيقته وَهُوَ ثُبُوت الْملك بِهِ وَلَا يجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي مَحل وَاحِد بل بطرِيق أَن الشِّرَاء مُوجب ملك الرَّقَبَة وَملك الرَّقَبَة متمم عِلّة الْعتْق فِي هَذَا الْمحل فَيصير الحكم وَهُوَ الْعتْق مُضَافا إِلَى السَّبَب الْمُوجب لما تتمّ بِهِ الْعلَّة بطرِيق أَنه بِمَنْزِلَة عِلّة الْعلَّة فَأَما أَن يكون بطرِيق الْمجَاز فَلَا
وَمن أَحْكَام هَذَا الْفَصْل أَن اللَّفْظ مَتى كَانَ لَهُ حَقِيقَة مستعملة ومجاز مُتَعَارَف فعلى قَول أبي حنيفَة مطلقه يتَنَاوَل الْحَقِيقَة المستعملة دون الْمجَاز وعَلى قَوْلهمَا مطلقه يتناولهما بِاعْتِبَار عُمُوم الْمجَاز
وَبَيَانه فِيمَا قُلْنَا إِذا حلف لَا يشرب من الْفُرَات أَو لَا يَأْكُل من هَذِه الْحِنْطَة وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة يبتني على أصل وَهُوَ أَن الْمجَاز عِنْدهمَا خلف عَن الْحَقِيقَة فِي إِيجَاب الحكم فَهُوَ الْمَقْصُود لَا نفس الْعبارَة وَبِاعْتِبَار الحكم يتَرَجَّح عُمُوم الْمجَاز على الْحَقِيقَة فَإِن الحكم بِهِ يثبت فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَعند أبي حنيفَة الْمجَاز خلف عَن الْحَقِيقَة فِي التَّكَلُّم بِهِ لَا فِي الحكم لِأَنَّهُ تصرف من الْمُتَكَلّم فِي عِبَارَته من حَيْثُ إِنَّه يَجْعَل عِبَارَته قَائِمَة مقَام عبارَة ثمَّ الحكم يثبت بِهِ أصلا بطرِيق أَنه
(1/184)


يَجْعَل كالمتكلم بِمَا كَانَ الْمجَاز عبارَة عَنهُ لَا أَنه خلف عَن الحكم وَإِذا كَانَ الْمجَاز خلفا فِي التَّكَلُّم لَا يثبت الْمُزَاحمَة بَين الأَصْل وَالْخلف فَيجْعَل اللَّفْظ عَاملا فِي حَقِيقَته عِنْد الْإِمْكَان وَإِنَّمَا يُصَار إِلَى إعماله بطرِيق الْمجَاز فِي الْموضع الَّذِي يتَعَذَّر إعماله فِي حَقِيقَته
وعَلى هَذَا الأَصْل قَالَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ إِذا قَالَ لعَبْدِهِ وَهُوَ أكبر سنا مِنْهُ هَذَا ابْني يعْتق عَلَيْهِ وعَلى قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله لَا يعْتق لِأَن صَرِيح كَلَامه محَال وَالْمجَاز عِنْدهمَا خلف عَن الْحَقِيقَة فِي إِيجَاب الحكم فَفِي كل مَوضِع يصلح أَن يكون السَّبَب منعقدا لإِيجَاب الحكم الْأَصْلِيّ يصلح أَن يكون منعقدا لإِيجَاب مَا هُوَ خلف عَن الأَصْل وَفِي كل مَوضِع لَا يُوجد فِي السَّبَب صَلَاحِية الِانْعِقَاد للْحكم الْأَصْلِيّ لَا ينْعَقد مُوجبا لما هُوَ خلف عَنهُ فَإِن قَوْله لامس السَّمَاء يصلح منعقدا لإِيجَاب مَا هُوَ الأَصْل وَهُوَ الْبر من حَيْثُ إِن السَّمَاء غير ممسوسة فيصلح أَن يكون منعقدا لإِيجَاب الْخلف عَنهُ وَهُوَ الْكَفَّارَة وَالْيَمِين الْغمُوس لَا تصلح سَببا لإِيجَاب مَا هُوَ الأَصْل وَهُوَ الْبر فَلَا يكون مُوجبا لما هُوَ خلف عَنهُ وَهُوَ الْكَفَّارَة فَهُنَا أَيْضا هَذَا اللَّفْظ فِي مَعْرُوف النّسَب الَّذِي يُولد مثله لمثله يصلح سَببا لإِيجَاب مَا هُوَ الأَصْل وَهُوَ ثُبُوت النّسَب إِلَّا أَنه امْتنع إعماله (للْحكم) لثُبُوت نسبه من الْغَيْر فَيكون مُوجبا لما هُوَ خلف عَنهُ وَهُوَ الْعتْق وفيمن هُوَ أكبر سنا مِنْهُ لَا يصلح سَببا لإِيجَاب مَا هُوَ الأَصْل فَلَا يكون مُوجبا لما هُوَ خلف عَنهُ وَلِهَذَا لَا تصير أم الْغُلَام أم الْوَلَد لَهُ هُنَا وَفِي مَعْرُوف النّسَب تصير أم ولد لَهُ على مَا نَص فِي كتاب الدَّعْوَى وعَلى هَذَا جعلنَا بيع الْحرَّة نِكَاحا لِأَن هُنَاكَ الْمَانِع من الحكم الَّذِي هُوَ أصل فِي هَذَا الْمحل شَرْعِي وَهُوَ تَأَكد الْحُرِّيَّة على وَجه لَا يحْتَمل الْإِبْطَال لَا بِاعْتِبَار أَن السَّبَب لَيْسَ بِصَالح لإِثْبَات الحكم الْأَصْلِيّ بِهِ فِي هَذَا الْمحل فَيكون منعقدا لإِثْبَات مَا هُوَ خلف عَنهُ وَهُوَ ملك الْمُتْعَة وَلَكِن أَبُو حنيفَة يَقُول الْمجَاز خلف عَن الْحَقِيقَة فِي التَّكَلُّم لَا فِي الحكم كَمَا قَررنَا فَالشَّرْط فِيهِ أَن يكون الْكَلَام صَالحا وصلاحيته بِكَوْنِهِ مُبْتَدأ وخبرا بِصِيغَة الْإِيجَاب وَهُوَ مَوْجُود هُنَا فَيكون عَاملا فِي إِيجَاب الحكم الَّذِي يقبله هَذَا الْمحل بطرِيق الْمجَاز على معنى أَنه سَبَب للتحرير فَإِن من ملك وَلَده يعْتق عَلَيْهِ
(1/185)


وَيصير معتقا لَهُ إِذا اكْتسب سَبَب تملكه فاللفظ مَتى صَار عبارَة عَن غَيره مجَازًا للاتصال من حَيْثُ السَّبَبِيَّة يسْقط اعْتِبَار حَقِيقَته وَبِاعْتِبَار مجازه مَا صَادف إِلَّا محلا صَالحا وَلما تبين أَنه خلف فِي التَّكَلُّم لَا فِي الحكم كَانَ عمله كعمل الِاسْتِثْنَاء وَالِاسْتِثْنَاء صَحِيح على أَن يكون عبارَة عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنى وَإِن لم يُصَادف أصل الْكَلَام محلا صَالحا لَهُ بِاعْتِبَار أَنه تصرف من الْمُتَكَلّم فِي كَلَامه حَتَّى لَو قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق ألفا إِلَّا تِسْعمائَة وَتِسْعَة وَتِسْعين لم تقع إِلَّا وَاحِدَة نَص عَلَيْهِ فِي الْمُنْتَقى وَمَعْلُوم أَن الْمحل غير صَالح لما صرح بِهِ وَمَعَ ذَلِك كَانَ الِاسْتِثْنَاء صَحِيحا لِأَنَّهُ تصرف من الْمُتَكَلّم فِي كَلَامه فَهُنَا كَذَلِك
ثمَّ فِيهِ طَرِيقَانِ لأبي حنيفَة أَحدهمَا أَنه بِمَنْزِلَة التَّحْرِير ابْتِدَاء بِاعْتِبَار أَنه ذكر كلَاما هُوَ سَبَب للتحرير فِي ملكه وَهُوَ الْبُنُوَّة فَيصير محررا (بِهِ) ابْتِدَاء مجَازًا وَلِهَذَا لَا تصير الْأُم أم ولد لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لتحرير الْغُلَام ابْتِدَاء تَأْثِير فِي إِيجَاب أُميَّة الْوَلَد (لأمه) وَلِأَنَّهُ لَا يملك إِيجَاب ذَلِك الْحق لَهَا بعبارته على الْحَقِيقَة ابْتِدَاء بل بِفعل هُوَ استيلاد وَلِهَذَا قَالَ فِي كتاب الدَّعْوَى لَو ورث رجلَانِ مَمْلُوكا ثمَّ ادّعى أَحدهمَا أَنه ابْنه يصير ضَامِنا لشَرِيكه قيمَة نصِيبه إِذا كَانَ مُوسِرًا بِاعْتِبَار أَن ذَلِك كالتحرير الْمُبْتَدَأ مِنْهُ وعَلى الطَّرِيق الآخر يَجْعَل هَذَا إِقْرَارا مِنْهُ بِالْحُرِّيَّةِ مجَازًا كَأَنَّهُ قَالَ عتق عَليّ من حِين ملكته فَإِن مَا صرح بِهِ وَهُوَ الْبُنُوَّة سَبَب لذَلِك وَهنا هُوَ الْأَصَح فقد قَالَ فِي كتاب الْإِكْرَاه إِذا أكره على أَن يَقُول هَذَا ابْني لَا يعْتق عَلَيْهِ وَالْإِكْرَاه إِنَّمَا يمْنَع صِحَة الْإِقْرَار بِالْعِتْقِ لَا صِحَة التَّحْرِير ابْتِدَاء وَوُجُوب الضَّمَان فِي مَسْأَلَة الدَّعْوَى بِهَذَا الطَّرِيق أَيْضا فَإِنَّهُ لَو قَالَ عتق عَليّ من حِين ملكته كَانَ ضَامِنا لشَرِيكه أَيْضا وعَلى هَذَا الطَّرِيق نقُول الْجَارِيَة تصير أم ولد لَهُ لِأَن كَلَامه كَمَا جعل إِقْرَارا بِالْحُرِّيَّةِ للْوَلَد جعل إِقْرَارا بأمية الْوَلَد للْأُم فَإِن مَا تكلم بِهِ سَبَب مُوجب هَذَا الْحق لَهَا فِي ملكه كَمَا هُوَ مُوجب حَقِيقَة الْحُرِّيَّة للْوَلَد وَبِهَذَا الطَّرِيق فِي مَعْرُوف النّسَب يثبت الْعتْق لَا بِالطَّرِيقِ
(1/186)


الَّذِي قَالَا فَإِنَّهُ مكذب شرعا فِي الحكم الْأَصْلِيّ والمكذب فِي كَلَامه شرعا كالمكذب حَقِيقَة فِي إهدار كَلَامه أَلا ترى أَنه لَو أكره على أَن يَقُول لعَبْدِهِ هَذَا ابْني لَا يعْتق عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مكذب شرعا بِدَلِيل الْإِكْرَاه إِلَّا أَن دَلِيل التَّكْذِيب هُنَاكَ عَامل فِي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز جَمِيعًا وَهنا دَلِيل التَّكْذِيب وَهُوَ ثُبُوت نسبه من الْغَيْر عَامل فِي الْحَقِيقَة دون الْمجَاز وَهُوَ الْإِقْرَار بحريَّته من حِين ملكه وَلِهَذَا قُلْنَا لَو قَالَ لزوجته وَهِي مَعْرُوفَة النّسَب من غَيره هَذِه ابْنَتي لَا تقع الْفرْقَة بَينهمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَام مُوجب بطرِيق الْإِقْرَار فِي ملكه إِنَّمَا مُوجبه إِثْبَات النّسَب وَقد صَار مُكَذبا فِيهِ شرعا فَصَارَ أصل كَلَامه لَغوا
وَبَيَان هَذَا أَن التّبعِيَّة لَا توجب الْفرْقَة وَلكنهَا تنَافِي النِّكَاح أصلا وَاللَّفْظ مَتى صَار مجَازًا عَن غَيره يَجْعَل قَائِما مقَام ذَلِك اللَّفْظ فَكَأَنَّهُ قَالَ مَا تَزَوَّجتهَا أَو مَا كَانَ بيني وَبَينهَا نِكَاح قطّ وَذَلِكَ لَا يُوجب الْفرْقَة وَكَذَلِكَ لَا يثبت بِهِ حرمتهَا عَلَيْهِ على وَجه يَنْتَفِي بِهِ النِّكَاح لِأَن فِي حكم الْحُرْمَة هَذَا الْإِقْرَار عَلَيْهَا لَا على نَفسه وَالْعين هِيَ الَّتِي تتصف بِالْحُرْمَةِ وَهُوَ مكذب شرعا فِي إِقْرَاره على غَيره
وَلَا يدْخل على هَذَا مَا إِذا قَالَ لعَبْدِهِ يَا ابْني لِأَن النداء لاستحضار الْمُنَادِي بصورته لَا بِمَعْنَاهُ وَإِنَّمَا صَار هَذَا اللَّفْظ مجَازًا بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ كَمَا بَينا فَأَما إِذا قَالَ يَا حر أَو يَا عَتيق فإعمال ذَلِك اللَّفْظ بِاعْتِبَار أَنه علم لإِسْقَاط الرّقّ بِهِ لَا بِاعْتِبَار الْمَعْنى فِيهِ فَكَانَ عَاملا على أَي وَجه أَضَافَهُ إِلَى الْمَمْلُوك وَالله أعلم
فصل فِي بَيَان الصَّرِيح وَالْكِنَايَة
الصَّرِيح هُوَ كل لفظ مَكْشُوف الْمَعْنى وَالْمرَاد حَقِيقَة كَانَ أَو مجَازًا يُقَال فلَان صرح بِكَذَا أَي أظهر مَا فِي قلبه لغيره من مَحْبُوب أَو مَكْرُوه بأبلغ مَا أمكنه من الْعبارَة وَمِنْه سمي الْقصر صرحا قَالَ تَعَالَى {وَقَالَ فِرْعَوْن يَا هامان ابْن لي صرحا} وَالْكِنَايَة بِخِلَاف ذَلِك وَهُوَ مَا يكون المُرَاد بِهِ مَسْتُورا إِلَى أَن يتَبَيَّن بِالدَّلِيلِ مَأْخُوذ من قَوْلهم كنيت وكنوت وَلِهَذَا كَانَ الصَّرِيح مَا يكون مَفْهُوم الْمَعْنى بِنَفسِهِ وَقد تكون الْكِنَايَة مَا لَا يكون مَفْهُوم الْمَعْنى بِنَفسِهِ فَإِن الْحَرْف الْوَاحِد يجوز أَن
(1/187)


يكون كِنَايَة نَحْو هَاء الغائبة وكاف المخاطبة يَقُول الرجل هُوَ يفعل كَذَا وَهَذَا الْهَاء لَا يُمَيّز اسْما من اسْم فَتكون هَذِه الْكِنَايَة من الصَّرِيح بِمَنْزِلَة الْمُشْتَرك من الْمُفَسّر وَكَذَلِكَ كل اسْم هُوَ ضمير نَحْو أَنا وَأَنت وَنحن فَهُوَ كِنَايَة وكل مَا يكون مُتَرَدّد الْمَعْنى فِي نَفسه فَهُوَ كِنَايَة وَالْمجَاز قبل أَن يصير متعارفا بِمَنْزِلَة الْكِنَايَة أَيْضا لما فِيهِ من التَّرَدُّد وَمِنْه أخذت الكنية فَإِنَّهَا غير الِاسْم
وَالِاسْم الصَّرِيح لكل شخص مَا جعل علما لَهُ ثمَّ يكنى بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَلَده فَيكون ذَلِك تعريفا لَهُ بِالْوَلَدِ الَّذِي هُوَ مَعْرُوف بِالنّسَبِ إِلَيْهِ وَهَذَا لَيْسَ من الْمجَاز فِي شَيْء وَلَكِن لما كَانَ معرفَة المُرَاد مِنْهُ بِغَيْرِهِ سمي كنية وعَلى هَذَا الاستعارات والتعريضات فِي الْكَلَام بِمَنْزِلَة الْكِنَايَة فَإِن الْعَرَب تكني الحبشي بِأبي الْبَيْضَاء والضرير بِأبي العيناء وَلَيْسَ بَينهمَا اتِّصَال بل بَينهمَا مضادة وَقد ذكرنَا أَن الْمجَاز حَده الِاتِّصَال بَينه وَبَين مَا جعل مجَازًا عَنهُ
عرفنَا أَن الْكِنَايَة غير الْمجَاز وَلَكنهُمْ يكنون بالشَّيْء عَن الشَّيْء على وَجه السخرية أَو على وَجه التفاؤل فيكنون عَمَّا يذم بِمَا يمدح بِهِ على سَبِيل التفاؤل كَمَا يذكرُونَ صِيغَة الْأَمر على وَجه الزّجر والتهديد ويقولن تربت يداك على وَجه التعطف فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن حد الْكِنَايَة غير حد الْمجَاز
ثمَّ حكم الصَّرِيح ثُبُوت مُوجبه بِنَفسِهِ من غير حَاجَة إِلَى عَزِيمَة وَذَلِكَ نَحْو لفظ الطَّلَاق وَالْعتاق فَإِنَّهُ صَرِيح فعلى أَي وَجه أضيف إِلَى الْمحل من نِدَاء أَو وصف أَو خبر كَانَ مُوجبا للْحكم حَتَّى إِذا قَالَ يَا حر أَو يَا طَالِق أَو أَنْت حر أَو أَنْت طَالِق أَو قد حررتك أَو قد طَلقتك يكون إيقاعا نوى أَو لم ينْو لِأَن عينه قَائِم مقَام مَعْنَاهُ فِي إِيجَاب الحكم لكَونه صَرِيحًا فِيهِ
وَحكم الْكِنَايَة أَن الحكم بهَا لَا يثبت
(1/188)


إِلَّا بِالنِّيَّةِ أَو مَا يقوم مقَامهَا من دلَالَة الْحَال لِأَن فِي المُرَاد بهَا معنى التَّرَدُّد فَلَا تكون مُوجبَة للْحكم مَا لم يزل ذَلِك التَّرَدُّد بِدَلِيل يقْتَرن بهَا وعَلى هَذَا سمى الْفُقَهَاء لفظ التَّحْرِيم والبينونة من كنايات الطَّلَاق وَهُوَ مجَاز عَن التَّسْمِيَة بِاعْتِبَار معنى التَّرَدُّد فِيمَا يتَّصل بِهِ هَذَا اللَّفْظ حَتَّى لَا يكون عَاملا إِلَّا بِالنِّيَّةِ فَسُمي كِنَايَة من هَذَا الْوَجْه مجَازًا فَأَما إِذا انْعَدم التَّرَدُّد بنية الطَّلَاق فاللفظ عَامل فِي حَقِيقَة مُوجبه حَتَّى يحصل بِهِ الْحُرْمَة والبينونة وَمَعْلُوم أَن مَا يكون كِنَايَة عَن غَيره فَإِن عمله كعمل مَا جعل كِنَايَة عَنهُ وَلَفظ الطَّلَاق لَا يُوجب الْحُرْمَة والبينونة بِنَفسِهِ فَعرفنَا أَنه عَامل بحقيقته وَإِنَّمَا سمي كِنَايَة مجَازًا إِلَّا قَوْله اعْتدي فَإِنَّهُ كِنَايَة لاحْتِمَاله وُجُوهًا مُتَغَايِرَة وَعند إِرَادَة الطَّلَاق لَا يكون اللَّفْظ عَاملا فِي حَقِيقَته فَإِن حَقِيقَته من بَاب الْعد والحساب وَذَلِكَ مُحْتَمل عدد الْأَقْرَاء وَغير ذَلِك فَإِذا نوى الطَّلَاق وَكَانَ بعد الدُّخُول وَقع الطَّلَاق بِمُقْتَضَاهُ من حَيْثُ إِن الاحتساب بِعَدَد الْأَقْرَاء من الْعدة لَا يكون إِلَّا بعد الطَّلَاق فَكَأَنَّهُ صرح بِالطَّلَاق وَلِهَذَا كَانَ الْوَاقِع رَجْعِيًا وَلَا يَقع بِهِ أَكثر من وَاحِدَة وَإِن نوى وَإِن كَانَ قبل الدُّخُول يَقع الطَّلَاق بِهِ عِنْد النِّيَّة على أَنه لفظ مستعار للطَّلَاق شرعا فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لسودة اعْتدي ثمَّ رَاجعهَا وَقَالَ لحفصة اعْتدي ثمَّ رَاجعهَا وَكَذَلِكَ قَوْله استبرئي رَحِمك وَكَذَلِكَ قَوْله أَنْت وَاحِدَة فَإِن فِي قَوْله وَاحِدَة احْتِمَال كَونه نعتا لَهَا أَو للتطليقة فَلَا يتَعَيَّن بِدُونِ النِّيَّة وَعند النِّيَّة يَقع الطَّلَاق بِهِ بطرِيق الْإِضْمَار أَي أَنْت طَالِق تَطْلِيقَة وَاحِدَة وَلِهَذَا كَانَ الْوَاقِع بِهِ رَجْعِيًا
ثمَّ الأَصْل فِي الْكَلَام الصَّرِيح لِأَنَّهُ مَوْضُوع للإفهام والصريح هُوَ التَّام فِي هَذَا المُرَاد فَإِن الْكِنَايَة فِيهَا قُصُور بِاعْتِبَار الِاشْتِبَاه فِيمَا هُوَ المُرَاد وَلِهَذَا قُلْنَا إِن مَا يندرىء بِالشُّبُهَاتِ لَا يثبت بِالْكِنَايَةِ حَتَّى إِن الْمقر على نَفسه بِبَعْض الْأَسْبَاب الْمُوجبَة للعقوبة مَا لم يذكر اللَّفْظ الصَّرِيح كَالزِّنَا وَالسَّرِقَة لَا يصير مستوجبا للعقوبة وَإِن ذكر لفظا هُوَ كِنَايَة وَلِهَذَا لَا تُقَام هَذِه الْعُقُوبَات على الْأَخْرَس عِنْد إِقْرَاره بِهِ بإشارته لِأَنَّهُ لم يُوجد التَّصْرِيح بِلَفْظِهِ وَعند إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهِ لِأَنَّهُ رُبمَا يكون عِنْده شُبْهَة لَا يتَمَكَّن من إظهارها فِي إِشَارَته وعَلى هَذَا لَو قذف رجل رجلا بِالزِّنَا فَقَالَ لَهُ رجل آخر صدقت فَإِن الثَّانِي لَا يسْتَوْجب الْحَد لِأَن مَا يلفظ بِهِ كِنَايَة عَن الْقَذْف لاحْتِمَال مُطلق التَّصْدِيق وُجُوهًا مُخْتَلفَة وَكَذَلِكَ لَو قَالَ لغيره أما أَنا فلست بزان لَا يلْزمه حد الْقَذْف لِأَنَّهُ تَعْرِيض وَلَيْسَ بتصريح بنسبته إِلَى الزِّنَا فَيكون قاصرا فِي نَفسه
(1/189)


فَإِن قيل أَلَيْسَ أَنه لَو قذف رجل رجلا بِالزِّنَا فَقَالَ آخر هُوَ كَمَا قلت فَإِن الثَّانِي يسْتَوْجب الْحَد وَهَذَا تَعْرِيض مُحْتَمل أَيْضا قُلْنَا نعم وَلَكِن كَاف التَّشْبِيه توجب الْعُمُوم عندنَا فِي الْمحل الَّذِي يحْتَملهُ وَلِهَذَا قُلْنَا فِي قَول عَليّ رَضِي الله عَنهُ إِنَّمَا أعطيناهم الذِّمَّة وبدلوا الْجِزْيَة لتَكون دِمَاؤُهُمْ كدمائنا وَأَمْوَالهمْ كأموالنا إِنَّه مجْرى على الْعُمُوم فِيمَا يندرىء بِالشُّبُهَاتِ وَمَا يثبت مَعَ الشُّبُهَات فَهَذَا الْكَاف أَيْضا مُوجبه الْعُمُوم لِأَنَّهُ حصل فِي مَحل يحْتَملهُ فَيكون نسبته إِلَى الزِّنَا قطعا بِمَنْزِلَة كَلَام الأول على مَا هُوَ مُوجب الْعَام عندنَا
===========
أصول السرخسي
فصل فِي بَيَان جملَة مَا تتْرك بِهِ الْحَقِيقَة
وَهِي خَمْسَة أَنْوَاع أَحدهَا دلَالَة الِاسْتِعْمَال عرفا وَالثَّانِي دلَالَة اللَّفْظ
وَالثَّالِث سِيَاق النّظم وَالرَّابِع دلَالَة من وصف الْمُتَكَلّم وَالْخَامِس من مَحل الْكَلَام
فَأَما الأول فَنَقُول تتْرك الْحَقِيقَة بِدلَالَة الِاسْتِعْمَال عرفا لِأَن الْكَلَام مَوْضُوع للإفهام وَالْمَطْلُوب بِهِ مَا تسبق إِلَيْهِ الأوهام فَإِذا تعارف النَّاس اسْتِعْمَاله لشَيْء عينا كَانَ ذَلِك بِحكم الِاسْتِعْمَال كالحقيقة فِيهِ وَمَا سوى ذَلِك لِانْعِدَامِ الْعرف كالمهجور لَا يتَنَاوَلهُ إِلَّا بِقَرِينَة أَلا ترى أَن اسْم الدَّرَاهِم عِنْد الْإِطْلَاق يتَنَاوَل نقد الْبَلَد لوُجُود الْعرف الظَّاهِر فِي التَّعَامُل بِهِ وَلَا يتَنَاوَل غَيره إِلَّا بِقَرِينَة لترك التَّعَامُل بِهِ ظَاهرا فِي ذَلِك الْموضع وَإِن لم يكن بَين النَّوْعَيْنِ فرق فِيمَا وضع الِاسْم لَهُ حَقِيقَة
وَبَيَان هَذَا فِي اسْم الصَّلَاة فَإِنَّهَا للدُّعَاء حَقِيقَة قَالَ الْقَائِل وَصلي على دنها وارتسم وَهِي مجَاز لِلْعِبَادَةِ الْمَشْرُوعَة بأركانها سميت بِهِ لِأَنَّهَا شرعت للذّكر قَالَ تَعَالَى {وأقم الصَّلَاة لذكري} وَفِي الدُّعَاء ذكر وَإِن كَانَ يشوبه سُؤال ثمَّ عِنْد الْإِطْلَاق ينْصَرف إِلَى الْعِبَادَة الْمَعْلُومَة بأركانها سَوَاء كَانَ فِيهَا دُعَاء أَو لم يكن كَصَلَاة الْأَخْرَس وَإِنَّمَا تركت الْحَقِيقَة للاستعمال عرفا
وَكَذَلِكَ الْحَج فَإِن اللَّفْظ للقصد
(1/190)


حَقِيقَة ثمَّ سميت الْعِبَادَة بهَا لما فِيهَا من الْعَزِيمَة وَالْقَصْد للزيارة فَعِنْدَ الْإِطْلَاق الِاسْم يتَنَاوَل الْعِبَادَة للاستعمال عرفا وَالْعمْرَة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَغَيرهَا على هَذَا فَإِن نَظَائِر هَذَا أَكثر من أَن تحصى وَلِهَذَا قُلْنَا من نذر صَلَاة أَو حجا أَو مشيا إِلَى بَيت الله يلْزمه الْعِبَادَة وَإِن لم ينْو ذَلِك فالمشي إِلَى بَيت الله تَعَالَى غير الْحَج حَقِيقَة وَلَكِن للاستعمال عرفا ينْصَرف مُطلق اللَّفْظ إِلَيْهِ
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ لله عَليّ أَن أضْرب بثوبي حطيم الْكَعْبَة يلْزمه التَّصَدُّق بِالثَّوْبِ للاستعمال عرفا فاللفظ حَقِيقَة فِي غير ذَلِك
وَمن حلف أَن لَا يَشْتَرِي رَأْسا ينْصَرف يَمِينه إِلَى مَا يتعارف بَيْعه فِي الْأَسْوَاق من الرؤوس على حسب مَا اخْتلفُوا فِيهِ وَكَانَ ذَلِك للاستعمال عرفا فَأَما من حَيْثُ الْحَقِيقَة الِاسْم يتَنَاوَل كل رَأس
وَمن حلف أَن لَا يَأْكُل بيضًا يتَنَاوَل يَمِينه بيض الدَّجَاج والأوز خَاصَّة لاستعمال ذَلِك عِنْد الْأكل عرفا وَلَا يتَنَاوَل بيض الْحمام والعصفور وَمَا أشبه ذَلِك وَقد بَينا أَن الْعَام إِذا خص مِنْهُ شَيْء يصير شَبيه الْمجَاز
وَبَيَان النَّوْع الثَّانِي وَهُوَ دلَالَة اللَّفْظ فِيمَا إِذا حلف أَن لَا يَأْكُل لَحْمًا فَأكل لحم السّمك أَو الْجَرَاد لم يَحْنَث فِي يَمِينه لِأَنَّهُ أطلق اللَّحْم فِي لَفظه وَلحم السّمك (أَو الْجَرَاد) لَا يذكر إِلَّا بِقَرِينَة فَكَانَ قاصرا فِيمَا يتَنَاوَلهُ اسْم مُطلق اللَّحْم بِمَنْزِلَة الصَّلَاة على الْجِنَازَة فَإِنَّهُ قَاصِر فِيمَا يتَنَاوَلهُ مُطلق اسْم الصَّلَاة من حَيْثُ إِنَّه لَا يذكر إِلَّا بِالْقَرِينَةِ فَلَا يتَنَاوَلهُ الِاسْم بِدُونِ الْقَرِينَة
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَنه لَو أكل لحم خِنْزِير أَو لحم إِنْسَان فَإِنَّهُ يَحْنَث فِي يَمِينه وَهَذَا لَا يذكر إِلَّا بِقَرِينَة قُلْنَا نعم وَلَكِن ذكر الْقَرِينَة هُنَا لَيْسَ لقُصُور معنى اللحمية فيهمَا فَإِن اللَّحْم اسْم معنوي مَوْضُوع لما يتَوَلَّد من الدَّم وَلَا قُصُور فِي ذَلِك فِي لحم الْخِنْزِير والآدمي فَأَما لحم السّمك وَالْجَرَاد فَإِنَّهُ قَاصِر فِي ذَلِك الْمَعْنى لِأَنَّهُ لَا دم للسمك وَلَا للجراد فَكَذَلِك معنى الْغذَاء الْمَطْلُوب بِاللَّحْمِ لَا يتم بالسمك وَالْجَرَاد
فَعرفنَا أَن الْقَرِينَة فِيهَا للقصور وَمعنى الْغذَاء الْمَطْلُوب بِاللَّحْمِ يتم فِي لحم
(1/191)


الْخِنْزِير والآدمي فَعرفنَا أَن الْقَرِينَة لبَيَان الْحُرْمَة لَا لقُصُور فِي معنى اللحمية وَلَيْسَ للْحُرْمَة تَأْثِير فِي الْمَنْع من إتْمَام شَرط الْحِنْث وعَلى هَذَا قُلْنَا فِي قَوْله كل مَمْلُوك لي حر لَا يدْخل الْمكَاتب بِدُونِ النِّيَّة لِأَنَّهُ تلفظ بالمملوك وَالْمكَاتب مُتَرَدّد بَين كَونه مَالِكًا وَبَين كَونه مَمْلُوكا فَإِنَّهُ مَالك يدا وتصرفا مَمْلُوك رقا وَكَذَلِكَ صرح بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ وَالْمكَاتب مُضَاف إِلَيْهِ من وَجه دون وَجه فللدلالة فِي لَفظه لَا يتَنَاوَلهُ الْكَلَام بِدُونِ النِّيَّة وَلَكِن يتَنَاوَلهُ مُطلق اسْم الرَّقَبَة الْمَذْكُورَة فِي قَوْله {أَو تَحْرِير رَقَبَة} لِأَنَّهُ يتَنَاوَل الذَّات المرقوق وَالرّق لَا ينْتَقض بِعقد الْكِتَابَة بِدَلِيل احتمالها الْفَسْخ وَاشْتِرَاط الْملك بِقدر مَا يَصح بِهِ التَّحْرِير وَذَلِكَ مَوْجُود فِي الْمكَاتب فيتأدى بِهِ الْكَفَّارَة
وَكَذَلِكَ قَوْله كل امْرَأَة لَهُ طَالِق لَا يتَنَاوَل المختلعة بِغَيْر نِيَّة وَإِن كَانَت فِي الْعدة من غير النِّيَّة لبَقَاء ملك الْيَد وَزَوَال أصل ملك النِّكَاح وعَلى عكس مَا ذكرنَا من معنى الْقُصُور معنى الزِّيَادَة أَيْضا فَإِن أَبَا حنيفَة رَحمَه الله قَالَ من حلف لَا يَأْكُل فَاكِهَة فَأكل عنبا أَو رطبا أَو رمانا لم يَحْنَث وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله يَحْنَث لِأَن اسْم الْفَاكِهَة يَتَنَاوَلهَا عِنْد الْإِطْلَاق من غير قرينَة فَتكون كَامِلَة فِي الْمَعْنى الْمَطْلُوب بِهَذَا الِاسْم وَأَبُو حنيفَة رَحمَه الله يَقُول هِيَ زِيَادَة على مَا هُوَ الْمَطْلُوب بِالِاسْمِ لِأَن اشتقاق اللَّفْظ من التفكه وَهُوَ التنعم قَالَ تَعَالَى {انقلبوا فكهين} أَي منعمين والتنعم زَائِد على مَا بِهِ القوام وَالرّطب وَالْعِنَب قوت يَقع بِهِ القوام وَالرُّمَّان فِي معنى الدَّوَاء وَقد يَقع بِهِ القوام أَيْضا وَهُوَ قوت فِي جملَة التوابل وَمَا يَقع بِهِ القوام فَهُوَ زَائِد على التنعم وَلِهَذَا عطف الله تَعَالَى الْفَاكِهَة عَلَيْهَا وَقَالَ {وَعِنَبًا} إِلَى قَوْله {وَفَاكِهَة وَأَبا} فللزيادة لَا يَتَنَاوَلهَا مُطلق الِاسْم كَمَا أَن للنقصان لَا يتَنَاوَل مُطلق الِاسْم للسمك وَالْجَرَاد
وَكَذَلِكَ لَو حلف لَا يَأْكُل إدَامًا عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله الإدام مَا يصطبغ بِهِ لِأَنَّهُ تبع فَلَا يتَنَاوَل مَا يَتَأَتَّى أكله مَقْصُودا من الْجُبْن وَالْبيض وَاللَّحم وعَلى قَول مُحَمَّد رَحمَه الله يتَنَاوَل ذَلِك لكَمَال معنى المؤادمة وَهِي الْمُوَافقَة فِيهَا كَمَا فِي الْمَسْأَلَة الأولى وَعَن أبي يُوسُف رَحمَه الله رِوَايَتَانِ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة
وَبَيَان النَّوْع الثَّالِث وَهُوَ سِيَاق النّظم فِي قَوْله تَعَالَى {فَمن شَاءَ فليؤمن وَمن شَاءَ فليكفر إِنَّا أَعْتَدْنَا للظالمين نَارا}
(1/192)


فَإِن بسياق النّظم يتَبَيَّن أَن المُرَاد هُوَ الزّجر والتوبيخ دون الْأَمر والتخيير وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {اعْمَلُوا مَا شِئْتُم إِنَّه بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} فَإِن بسياق النّظم يتَبَيَّن أَنه لَيْسَ المُرَاد مَا هُوَ مُوجب صِيغَة الْأَمر بِهَذِهِ الصّفة
وعَلى هَذَا لَو أقرّ وَقَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم إِن شَاءَ الله لم يلْزمه شَيْء وَلَو قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم لَيْسَ لَهُ عَليّ شَيْء إِن شَاءَ الله تلْزمهُ الْألف لِأَن قَوْله لَيْسَ رُجُوع وَصِيغَة قَوْله إِن شَاءَ الله صِيغَة التَّعْلِيق والإرسال وَالتَّعْلِيق كل وَاحِد مِنْهُمَا مُتَعَارَف بَين أهل اللِّسَان فَكَانَ ذَلِك من بَاب الْبَيَان لَا من بَاب الرُّجُوع وَوُجُوب المَال عَلَيْهِ من حكم إرْسَال الْكَلَام فَمَعَ صِيغَة التَّعْلِيق لَا يلْزمه حكم الْإِرْسَال بِاعْتِبَار سِيَاق النّظم
وَقَالَ فِي السّير الْكَبِير لَو قَالَ مُسلم لحربي مَحْصُور انْزِلْ فَنزل كَانَ آمنا وَلَو قَالَ انْزِلْ إِن كنت رجلا فَنزل كَانَ فَيْئا وَلَو قَالَ لَهُ الْحَرْبِيّ المأسور فِي يَده الْأمان الْأمان وَقَالَ الْمُسلم فِي جَوَابه الْأمان الْأمان كَانَ آمنا حَتَّى لَو أَرَادَ قَتله بعد هَذَا فعلى أُمَرَاء الْجَيْش أَن يمنعوه من ذَلِك وَلَا يصدقونه فِي قَوْله أردْت رد كَلَامه وَلَو قَالَ الْأمان الْأمان ستعلم مَا تلقى أَو قَالَ الْأمان الْأمان تطلب أَو قَالَ لَا تعجل حَتَّى ترى لم يكن ذَلِك أَمَانًا بِدلَالَة سِيَاق النّظم
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ لغيره اصْنَع فِي مَالِي مَا شِئْت إِن كنت رجلا أَو قَالَ طلق زَوْجَتي إِن كنت رجلا لم يكن توكيلا
وَلَو قَالَ لغيره لي عَلَيْك ألف دِرْهَم فَقَالَ الآخر لَك عَليّ ألف دِرْهَم مَا أبعدك من ذَلِك لم يكن إِقْرَارا
فَعرفنَا أَن بِدَلِيل سِيَاق النّظم تتْرك الْحَقِيقَة
وَبَيَان النَّوْع الرَّابِع فِي قَوْله تَعَالَى {واستفزز من اسْتَطَعْت مِنْهُم بصوتك} فَإِن كل وَاحِد يعلم بِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَمْر لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يظنّ ظان بِأَن الله تَعَالَى يَأْمر بالْكفْر بِحَال فَتبين بِأَن المُرَاد الإقدار والإمكان لعلمنا أَن مَا يَأْتِي بِهِ اللعين يكون بإقدار الله تَعَالَى عَلَيْهِ إِيَّاه وَكَذَلِكَ قَول الْقَائِل اللَّهُمَّ اغْفِر لي يعلم أَنه سُؤال لَا أَمر لوصف الْمُتَكَلّم وَهُوَ أَن العَبْد الْمُحْتَاج إِلَى نعْمَة مَوْلَاهُ لَا يطْلب مِنْهُ النِّعْمَة إلزاما وَإِنَّمَا يسْأَله ذَلِك سؤالا وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا قَالَ لغيره تعال
(1/193)


تغد عِنْدِي فَقَالَ وَالله لَا أتغدى ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَيته فتغدى لَا يَحْنَث لِأَن الْمُتَكَلّم دَعَاهُ إِلَى الْغَدَاء الَّذِي بَين يَدَيْهِ وَقد أخرج كَلَامه مخرج الْجَواب فَإِذا تقيد الْخطاب بالمعلوم من إِرَادَة الْمُتَكَلّم يتَقَيَّد الْجَواب أَيْضا بِهِ
وَكَذَلِكَ لَو قَامَت امْرَأَة لتخرج فَقَالَ لَهَا إِن خرجت فَأَنت طَالِق فَرَجَعت ثمَّ خرجت بعد ذَلِك الْيَوْم لم تطلق وعَلى هَذَا لَو قَالَت لَهُ زَوجته إِنَّك تَغْتَسِل فِي هَذِه الدَّار اللَّيْلَة من الْجَنَابَة فَقَالَ إِن اغْتَسَلت فَعَبْدي حر ثمَّ اغْتسل فِيهَا فِي (غير) تِلْكَ اللَّيْلَة أَو فِي تِلْكَ اللَّيْلَة من غير الْجَنَابَة لم يَحْنَث
وَبَيَان النَّوْع الْخَامِس فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير} فَإِن بِدلَالَة مَحل الْكَلَام يعلم أَنه لَيْسَ المُرَاد نفي الْمُسَاوَاة بَينهمَا على الْعُمُوم بل فِيمَا يرجع إِلَى الْبَصَر فَقَط وَقد قُلْنَا إِن لفظ الْعُمُوم فِي غير الْمحل الْقَابِل للْعُمُوم يكون بِمَعْنى الْمُجْمل فَلَا يثبت بِهِ إِلَّا مَا يتَيَقَّن أَنه مُرَاد بِهِ وَيكون ذَلِك شبه الْمجَاز لدلَالَة مَحل الْكَلَام وعَلى هَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمهم الله فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَفِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ إِنَّه لَا يَقْتَضِي الْعُمُوم وارتفاع الحكم لِأَن بِمحل الْكَلَام يتَبَيَّن أَنه لَيْسَ المُرَاد أصل الْعَمَل فَإِن ذَلِك يتَحَقَّق بِغَيْر النِّيَّة وَمَعَ الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَالْإِكْرَاه فإمَّا أَن يكون المُرَاد الحكم أَو الْإِثْم وَلَا يجوز أَن يُقَال كل وَاحِد مِنْهُمَا مُرَاد لِأَنَّهُمَا يبتنيان على مَعْنيين متغايرين فَإِن الثَّوَاب على الْعَمَل الَّذِي هُوَ عبَادَة وَالْإِثْم بِالْعَمَلِ الَّذِي هُوَ محرم يبتني على الْعَزِيمَة وَالْقَصْد وَالْجَوَاز وَالْفساد الَّذِي هُوَ حكم يبتني على الْأَدَاء بالأركان والشرائط أَلا ترى أَن من تَوَضَّأ بِالْمَاءِ النَّجس وَهُوَ لَا يعلم بِهِ فصلى لم تجز صلَاته مُطلقًا حَتَّى لَو علم لزمَه الْإِعَادَة وَمَعَ ذَلِك إِذا لم يعلم وَلم يكن مِنْهُ التَّقْصِير كَانَ مُطيعًا بِاعْتِبَار قَصده وعزيمته فَيكون هَذَا بِمَنْزِلَة الْمُشْتَرك الَّذِي لَا عُمُوم لَهُ لتغاير الْمَعْنى فِيمَا يحْتَملهُ فَلَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ فِي حكم الْجَوَاز وَالْفساد إِلَّا بِدَلِيل يقْتَرن بِهِ فَيصير كالمؤول حِينَئِذٍ فَأَما مَا يعْتَرض من الدَّلِيل
(1/194)


الْمُوجب للنسخ أَو التَّخْصِيص فَلَيْسَ من هَذَا الْبَاب فِي شَيْء وَإِنَّمَا هَذَا الْبَاب لمعْرِفَة الْوُجُوه فِيمَا يقْتَرن بالْكلَام فَيصير حَقِيقَة وَدَلِيل النّسخ والتخصيص كَلَام معَارض إِلَّا أَن النّسخ معَارض صُورَة وَحَقِيقَة والتخصيص معَارض صُورَة وَبَيَان معنى حَتَّى لَا يكون إِلَّا بالمقارن وَلَكِن ذَلِك الْمُقَارن إِنَّمَا يتَبَيَّن بِمَا هُوَ نسخ مُبْتَدأ صِيغَة فَعرفنَا أَنه لَيْسَ من هَذَا الْبَاب فِي شَيْء
قَالَ رَضِي الله عَنهُ والعراقيون من مَشَايِخنَا رَحِمهم الله يَزْعمُونَ أَنه لَا عُمُوم للنصوص الْمُوجبَة لتَحْرِيم الْأَعْيَان نَحْو قَوْله تَعَالَى {حرمت عَلَيْكُم الْميتَة} وَقَوله تَعَالَى {حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم} وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام حرمت الْخمر لعينها وَقَالُوا امْتنع ثُبُوت حكم الْعُمُوم فِي هَذِه الصُّورَة معنى لدلَالَة مَحل الْكَلَام وَهُوَ أَن الْحل وَالْحُرْمَة لَا تكون وَصفا للمحل وَإِنَّمَا تكون وَصفا لأفعالنا فِي الْمحل حَقِيقَة فَإِنَّمَا يصير الْمحل مَوْصُوفا بِهِ مجَازًا وَهَذَا غلط فَاحش فَإِن الْحُرْمَة بِهَذِهِ النُّصُوص ثَابِتَة للأعيان الموصوفة بهَا حَقِيقَة لِأَن إِضَافَة الْحُرْمَة إِلَى الْعين تنصيص على لُزُومه وتحققه فِيهِ فَلَو جعلنَا الْحُرْمَة صفة للْفِعْل لم تكن الْعين حَرَامًا أَلا ترى أَن شرب عصير الْغَيْر وَأكل مَال الْغَيْر فعل حرَام وَلم يكن ذَلِك دَلِيلا على حُرْمَة الْعين وَلُزُوم هَذَا الْوَصْف للعين وَلَكِن عمل هَذِه النُّصُوص فِي إِخْرَاج هَذِه الْمحَال من أَن تكون قَابِلَة للْفِعْل الْحَلَال وَإِثْبَات صفة الْحُرْمَة لَازِمَة لأعيانها فَيكون ذَلِك بِمَنْزِلَة النّسخ الَّذِي هُوَ رفع حكم وَإِثْبَات حكم آخر مَكَانَهُ فَبِهَذَا الطَّرِيق تقوم الْعين مقَام الْفِعْل فِي إِثْبَات صفة الْحُرْمَة والحل لَهُ حَقِيقَة وَهَذَا إِذا تَأَمَّلت فِي غَايَة التَّحْقِيق فَمَعَ إِمْكَان الْعَمَل بِهَذِهِ الصِّيغَة جعل هَذِه الحرمات مجَازًا بِاعْتِبَار أَنَّهَا صفة للْفِعْل لَا للمحل يكون خطأ فَاحِشا
(1/195)


فصل فِي إبانة طَرِيق المُرَاد بِمُطلق الْكَلَام
قد بَينا أَن الْكَلَام ضَرْبَان حَقِيقَة ومجاز وَأَنه لَا يحمل على الْمجَاز إِلَّا عِنْد تعذر حمله على الْحَقِيقَة فتمس الْحَاجة إِلَى معرفَة الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَالطَّرِيق فِي ذَلِك هُوَ النّظر فِي السَّبَب الدَّاعِي إِلَى تَعْرِيف ذَلِك الِاسْم فِي الْأَسْمَاء الْمَوْضُوعَة لَا لِمَعْنى وَإِلَى تَعْرِيف الْمَعْنى فِي المعنويات فَمَا كَانَ أقرب فِي ذَلِك فَهُوَ أَحَق وَمَا كَانَ أَكثر إِفَادَة فَهُوَ أولى بِأَن يَجْعَل حَقِيقَة وَذَلِكَ يكون بطريقين التَّأَمُّل فِي مَحل الْكَلَام والتأمل فِي صِيغَة الْكَلَام
أما بَيَان التَّأَمُّل فِي الْمحل فِي اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي مُوجب الْعَام فَعِنْدَ بَعضهم مُوجبه عِنْد الْإِطْلَاق أخص الْخُصُوص وَعِنْدنَا مُوجبه الْعُمُوم وَمَا قُلْنَاهُ أَحَق لِأَنَّهُ إِذا حمل على أخص الْخُصُوص يبْقى بعض مَا تنَاوله مُطلق الْكَلَام غير مُرَاد بِهِ وَالْمرَاد بالْكلَام تَعْرِيف مَا وضع الِاسْم لَهُ فَإِذا كَانَ صِيغَة الْعَام مَوْضُوعا لِمَعْنى الْعُمُوم كَانَ حمله عَلَيْهِ عِنْد الْإِطْلَاق أَحَق وَلِأَن الْخَاص اسْم آخر وَهُوَ مَا وضع لَهُ صِيغَة الْخَاص فَلَو جعلنَا صِيغَة الْعَام تناولا للخاص أَيْضا فَقَط كَانَ ذَلِك تَكْرَارا مُحصنا وَإِذا كَانَ الْمَقْصُود بِوَضْع الْأَسْمَاء فِي الأَصْل إِعْلَام المُرَاد فَحمل لفظين على شَيْء وَاحِد يكون تَكْرَارا وإخراجا لأحد اللَّفْظَيْنِ من أَن يكون مُفِيدا
فَإِن قيل فَائِدَته التَّأْكِيد وتوسيع الْكَلَام قُلْنَا نعم وَلَكِن هَذَا فِي الْفَائِدَة دون الْفَائِدَة الْمَطْلُوبَة بِأَصْل الْوَضع وَالْإِطْلَاق يُوجب الْكَمَال فَإِذا حمل كل وَاحِد من اللَّفْظَيْنِ على فَائِدَة جَدِيدَة بِاعْتِبَار أصل الْوَضع كَانَ ذَلِك أولى من أَن يحمل على التّكْرَار لتوسعة الْكَلَام فهذان الدليلان من مَحل الْكَلَام قبل التَّأَمُّل فِي صِيغَة اللَّفْظ وَلِهَذَا حملنَا قَوْله تَعَالَى {أَو لامستم النِّسَاء} على المجامعة دون الْمس بِالْيَدِ لِأَنَّهُ إِذا حمل على الْمس بِالْيَدِ كَانَ تَكْرَارا لنَوْع حدث وَاحِد وَإِذا حمل على المجامعة كَانَ بَيَانا لنوعي الْحَدث وأمرا بِالتَّيَمُّمِ لَهما فَيكون أَكثر فَائِدَة مَعَ أَنه مَعْطُوف على مَا سبق وَالسَّابِق ذكر نَوْعي الْحَدث فَإِن قَوْله {إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة}
(1/196)


أَي وَأَنْتُم محدثون ثمَّ قَالَ تَعَالَى {وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا} ثمَّ قَالَ تَعَالَى {وَإِن كُنْتُم مرضى} إِلَى قَوْله {فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا} فبدلالة مَحل الْكَلَام يتَبَيَّن أَن المُرَاد الْجِمَاع دون الْمس بِالْيَدِ
وَبَيَان الدّلَالَة من صِيغَة الْكَلَام فِي قَوْله تَعَالَى {لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا عقدتم الْأَيْمَان} قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمهم الله اللَّغْو مَا يكون خَالِيا عَن فَائِدَة الْيَمين شرعا ووضعا فَإِن فَائِدَة الْيَمين إِظْهَار الصدْق من الْخَبَر فَإِذا أضيف إِلَى خبر لَيْسَ فِيهِ احْتِمَال الصدْق كَانَ خَالِيا عَن فَائِدَة الْيَمين فَكَانَ لَغوا
وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله اللَّغْو مَا يجْرِي على اللِّسَان من غير قصد وَلَا خلاف فِي جَوَاز إِطْلَاق اللَّفْظ على كل وَاحِد مِنْهُمَا
وَلَكِن مَا قُلْنَاهُ أَحَق لِأَن مَا يجْرِي على لِسَانه من غير قصد لَهُ اسْم آخر مَوْضُوع وَهُوَ الْخَطَأ الَّذِي هُوَ ضد الْعمد أَو السَّهْو الَّذِي هُوَ ضد التحفظ فَأَما مَا يكون خَالِيا عَن الْفَائِدَة لِمَعْنى فِي نَفسه لَا بِحَال الْمُتَكَلّم فَلَيْسَ لَهُ اسْم مَوْضُوع سوى أَنه لَغْو فَحَمله عَلَيْهِ أولى أَلا ترى إِلَى قَوْله {وَإِذا سمعُوا اللَّغْو أَعرضُوا عَنهُ} يَعْنِي الْكَلَام الْفَاحِش الَّذِي هُوَ خَال عَن فَائِدَة الْكَلَام بطرِيق الْحِكْمَة دون مَا يجْرِي من غير قصد فَإِن ذَلِك لَا عتب فِيهِ وَقَالَ تَعَالَى {لَا يسمعُونَ فِيهَا لَغوا إِلَّا سَلاما} وَقَالَ تَعَالَى {والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تغلبون} وَمَعْلُوم أَن مُرَاد الْمُشْركين التعنت أَي إِن لم تقدروا على المغالبة بِالْحجَّةِ فاشتغلوا بِمَا هُوَ خَال عَن الْفَائِدَة من الْكَلَام ليحصل مقصودكم بطرِيق المغالبة دون المحاجة وَلم يكن مقصودهم التَّكَلُّم بِغَيْر قصد وَقَالَ تَعَالَى {وَإِذا مروا بِاللَّغْوِ مروا كراما} أَي صَبَرُوا عَن الْجَواب وَذَلِكَ فِي الْكَلَام الْخَالِي عَن الْفَائِدَة دون مَا يجْرِي من غير قصد وَلِأَن فَسَاد مَا يجْرِي من غير قصد بِاعْتِبَار معنى فِي الْمحل وَهُوَ الْقلب الَّذِي هُوَ السَّبَب الْبَاعِث على التَّكَلُّم وَفَسَاد مَا لَا فَائِدَة فِيهِ بِاعْتِبَار معنى فِي نفس الْكَلَام فَكَانَ هُوَ أقرب إِلَى الْحَقِيقَة فَيحمل اللَّفْظ عَلَيْهِ عِنْد الْإِطْلَاق
وَكَذَا اخْتلفُوا فِي العقد فَقَالَ الْخصم العقد عبارَة
(1/197)


عَن الْقَصْد فَإِن الْعَزِيمَة سميت عقيدة
وَقُلْنَا العقد اسْم لربط كَلَام بِكَلَام نَحْو ربط لفظ الْيَمين بالْخبر الَّذِي فِيهِ رَجَاء الصدْق لإِيجَاب حكم (بِكَلَام) وَهُوَ الصدْق مِنْهُ وَكَذَلِكَ ربط البيع بِالشِّرَاءِ لإِيجَاب حكمه وَهُوَ الْملك فَكَانَ مَا قُلْنَاهُ أقرب إِلَى الْحَقِيقَة لِأَن الْكَلِمَة بِاعْتِبَار الْوَضع من عقد الْحَبل وَهُوَ شدّ بعضه بِبَعْض وضده الْحل مِنْهُ تَقول الْعَرَب يَا عاقدا ذكر حلا وَقَالَ الْقَائِل ولقلب الْمُحب حل وَعقد ثمَّ يستعار (لربط الْإِيجَاب بِالْقبُولِ على وَجه ينْعَقد أَحدهمَا بِالْآخرِ حكما فيسمى عقدا ثمَّ يستعار) لما يكون سَببا لهَذَا الرَّبْط وَهُوَ عَزِيمَة الْقلب فَكَانَ ذَلِك دون العقد الَّذِي هُوَ ضد الْحل فِيمَا وضع الِاسْم لَهُ فَحَمله عَلَيْهِ يكون أَحَق
وَمن ذَلِك مَا قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى {ثَلَاثَة قُرُوء} إِنَّهَا الْحيض دون الْأَطْهَار لِأَن اللَّفْظ إِمَّا أَن يكون مأخوذا من الْقُرْء الَّذِي هُوَ الِاجْتِمَاع قَالَ تَعَالَى {فَإِذا قرأناه فَاتبع قرآنه} وَقَالَ الْقَائِل هجان اللَّوْن لم يقر أَجْنَبِيّا وَهَذَا الْمَعْنى فِي الْحيض أَحَق لِأَن معنى الِاجْتِمَاع فِي قطرات الدَّم على وَجه لَا بُد مِنْهُ ليَكُون حيضا فَإِنَّهُ مَا لم تمتد رُؤْيَة الدَّم لَا يكون حيضا وَإِن كَانَ الدَّم يجْتَمع فِي حَالَة الطُّهْر فِي رَحمهَا فالاسم حَقِيقَة للدم الْمُجْتَمع ثمَّ زَمَانه يُسمى بِهِ مجَازًا وَإِن كَانَ مأخوذا من الْوَقْت الْمَعْلُوم كَمَا قَالَ الْقَائِل إِذا هبت لِقَارِئِهَا الرِّيَاح وَقَالَ آخر لَهُ قرء كقرء الْحَائِض فَذَلِك بِزَمَان الْحيض أليق لِأَنَّهُ هُوَ الْوَقْت الْمَعْلُوم الَّذِي يحْتَاج إِلَى إِعْلَامه لمعْرِفَة مَا تعلق بِهِ من الْأَحْكَام وَإِن كَانَ مأخوذا من معنى الِانْتِقَال كَمَا يُقَال قَرَأَ النَّجْم إِذا انْتقل فحقيقة الِانْتِقَال تكون بِالْحيضِ لَا بِالطُّهْرِ إِذْ الطُّهْر أصل فباعتبار صِيغَة اللَّفْظ يتَبَيَّن أَن حمله على الْحيض أَحَق
(1/198)


وَكَذَلِكَ لفظ النِّكَاح فَإِنَّمَا نحمله على الْوَطْء والخصم على العقد وَمَا قُلْنَاهُ أَحَق لِأَن الِاسْم فِي أصل الْوَضع لِمَعْنى الضَّم والالتزام يَقُول الْقَائِل أنكح الصَّبْر أَي الْتَزمهُ وضمه إِلَيْك وَمعنى الضَّم فِي الْوَطْء يتَحَقَّق بِمَا يحصل من معنى الِاتِّحَاد بَين الواطئين عِنْد ذَلِك الْفِعْل وَلِهَذَا يُسمى جماعا ثمَّ العقد يُسمى نِكَاحا بِاعْتِبَار أَنه سَبَب يتَوَصَّل بِهِ إِلَى ذَلِك الضَّم فبالتأمل فِي صِيغَة اللَّفْظ يتَبَيَّن أَن الْوَطْء أَحَق بِهِ إِلَّا فِي الْموضع الَّذِي يتَعَذَّر حمله عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ يحمل على مَا هُوَ مجَاز عَنهُ وَهُوَ العقد وَهَذَا هُوَ الحكم فِي كل لفظ مُحْتَمل للْحَقِيقَة وَالْمجَاز أَنه إِذا تعذر حمله على الْحَقِيقَة يحمل على الْمجَاز لتصحيح الْكَلَام وَهَذَا التَّعَذُّر إِمَّا لعدم الْإِمْكَان أَو لكَونه مَهْجُورًا عرفا أَو لكَونه مَهْجُورًا شرعا فَالَّذِي هُوَ مُتَعَذر نَحْو مَا إِذا حلف أَن لَا يَأْكُل من هَذِه النَّخْلَة أَو من هَذِه الكرمة فَإِن يَمِينه تَنْصَرِف إِلَى الثَّمَرَة لِأَن مَا هُوَ الْحَقِيقَة فِي كَلَامه مُتَعَذر وَأما المهجور عرفا فنحو مَا إِذا حلف أَن لَا يشرب من هَذِه الْبِئْر فَإِنَّهُ ينْصَرف يَمِينه إِلَى الشّرْب من مَاء الْبِئْر لِأَن الْحَقِيقَة وَهُوَ الكرع فِي الْبِئْر مهجورة وَاخْتلف مَشَايِخنَا أَنه إِذا كرع هَل يَحْنَث أم لَا فَمنهمْ من يَقُول يَحْنَث أَيْضا لِأَن الْحَقِيقَة لَا تتعطل وَإِن حمل اللَّفْظ على الْمجَاز وَسَوَاء أَخذ المَاء فِي كوز وشربه أَو كرع فِي الْبِئْر فقد شرب مَاء الْبِئْر فَيحنث وَمِنْهُم من يَقُول لَا يَحْنَث لِأَنَّهُ لما صَار الْمجَاز مرَادا سقط اعْتِبَار الْحَقِيقَة على مَا قَالَ فِي الْجَامِع لَو قَالَ لأجنبية إِن نكحتك فَعَبْدي حر ينْصَرف يَمِينه إِلَى العقد دون الْوَطْء
وَلَو قَالَ لزوجته إِن نكحتك ينْصَرف إِلَى الْوَطْء دون العقد حَتَّى لَو أَبَانهَا ثمَّ تزَوجهَا لم يَحْنَث مَا لم يَطَأهَا
وَلَو قَالَ للمطلقة الرَّجْعِيَّة إِن رَاجَعتك ينْصَرف إِلَى الرّجْعَة دون ابْتِدَاء العقد وَلَو قَالَ للمبانة إِن رَاجَعتك ينْصَرف إِلَى ابْتِدَاء العقد وَلَكِن الأول أوجه لَا بِاعْتِبَار الْجمع بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي كَونه مرَادا بِاللَّفْظِ بل بِاعْتِبَار عُمُوم الْمجَاز وَهُوَ شرب مَاء الْبِئْر بِأَيّ طَرِيق شربه وعَلى هَذَا قُلْنَا مُطلق التَّوْكِيل بِالْخُصُومَةِ ينْصَرف إِلَى الْجَواب وَإِن كَانَ ذَلِك مجَازًا لِأَن الْحَقِيقَة مهجورة شرعا فَإِن الْمُدَّعِي إِذا كَانَ محقا فالمدعي عَلَيْهِ لَا يملك الْإِنْكَار شرعا وَلَا يجوز لَهُ التَّوْكِيل بذلك فَيحمل اللَّفْظ على الْمجَاز عِنْد الْإِطْلَاق ثمَّ يَصح مِنْهُ الْإِنْكَار وَالْإِقْرَار بِاعْتِبَار معنى عُمُوم الْمجَاز وَهُوَ أَنه جَوَاب للخصم
وَمن حلف أَن لَا يكلم هَذَا الصَّبِي فَكَلمهُ بَعْدَمَا صَار شَيخا يَحْنَث بِاعْتِبَار أَن الْحَقِيقَة مهجورة
(1/199)


شرعا فَإِن الصَّبِي سَبَب للترحم شرعا لَا للهجران فَيتَعَيَّن الْمجَاز لهَذَا
وأمثلة هَذَا أَكثر من أَن تحصى وَالله أعلم
  ===========================

أصول السرخسي
بَاب بَيَان مَعَاني الْحُرُوف المستعملة فِي الْفِقْه
قَالَ رَضِي الله عَنهُ اعْلَم بِأَن الْكَلَام عِنْد الْعَرَب اسْم وَفعل وحرف وكما يتَحَقَّق معنى الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال فَكَذَلِك يتَحَقَّق فِي الْحُرُوف فَمِنْهُ مَا يكون مُسْتَعْملا فِي حَقِيقَته وَمِنْه مَا يكون مجَازًا عَن غَيره وَكثير من مسَائِل الْفِقْه تترتب على ذَلِك فَلَا بُد من بَيَان هَذِه الْحُرُوف وَذكر الطَّرِيق فِي تَخْرِيج الْمسَائِل عَلَيْهَا
فَأولى مَا يبْدَأ بِهِ من ذَلِك حُرُوف الْعَطف
الأَصْل فِيهِ الْوَاو فَلَا خلاف أَنه للْعَطْف (وَلَكِن عندنَا هُوَ للْعَطْف) مُطلقًا فَيكون مُوجبه الِاشْتِرَاك بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ فِي الْخَبَر من غير أَن يَقْتَضِي مُقَارنَة أَو ترتيبا وَهُوَ قَول أَكثر أهل اللُّغَة
وَقَالَ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي رَحمَه الله إِنَّه مُوجب للتَّرْتِيب وَقد ذكر ذَلِك الشَّافِعِي فِي أَحْكَام الْقُرْآن وَكَذَلِكَ جعل التَّرْتِيب ركنا فِي الْوضُوء لِأَن فِي الْآيَة عطف الْيَد على الْوَجْه بِحرف الْوَاو فَيجب التَّرْتِيب بِهَذَا النَّص أَلا ترى أَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم لما سَأَلُوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد السَّعْي بِأَيِّهِمَا نبدأ قَالَ ابدؤوا بِمَا بَدَأَ الله تَعَالَى يُرِيد بِهِ قَوْله تَعَالَى {إِن الصَّفَا والمروة} فَفِي هَذَا تنصيص على أَن مُوجب الْوَاو التَّرْتِيب وَمَا وَجب تَرْتِيب السُّجُود على الرُّكُوع إِلَّا بقوله تَعَالَى {ارْكَعُوا واسجدوا} وَلَكنَّا نقُول هَذَا من بَاب اللِّسَان فطريق مَعْرفَته التَّأَمُّل فِي كَلَام الْعَرَب وَفِي الْأُصُول الْمَوْضُوعَة عِنْد أهل اللُّغَة بِمَنْزِلَة مَا لَو وَقعت الْحَاجة إِلَى معرفَة حكم الشَّرْع يكون طَرِيقه التَّأَمُّل فِي النُّصُوص من الْكتاب وَالسّنة وَالرُّجُوع إِلَى أصُول الشَّرْع وَعند التَّأَمُّل فِي كَلَام الْعَرَب وأصول اللُّغَة يتَبَيَّن أَن الْوَاو لَا توجب التَّرْتِيب فَإِن الْقَائِل يَقُول جَاءَنِي زيد وَعَمْرو يفهم من هَذَا الْإِخْبَار مجيئهما من غير
(1/200)


مُقَارنَة وَلَا تَرْتِيب حَتَّى يكون صَادِقا فِي خَبره سَوَاء جَاءَهُ عَمْرو أَولا ثمَّ زيد أَو زيد ثمَّ عَمْرو أَو جَاءَا مَعًا
وَكَذَلِكَ وضعُوا الْوَاو للْجمع مَعَ النُّون يَقُولُونَ جَاءَنِي الزيدون أَي زيد وَزيد وَزيد وَالْقَائِل يَقُول لَا تَأْكُل السّمك وتشرب اللَّبن فيفهم مِنْهُ الْمَنْع من الْجمع بَينهمَا دون التَّرْتِيب على مَا قَالَ الْقَائِل لَا تنه عَن خلق وَتَأْتِي مثله عَار عَلَيْك إِذا فعلت عَظِيم وَلَو وضع مَكَان الْوَاو هُنَا الْفَاء لم يكن الْكَلَام مُسْتَقِيمًا فالفاء توجب ترتيبا من حَيْثُ إِنَّه للتعقيب مَعَ الْوَصْل فَلَو كَانَ مُوجب الْوَاو التَّرْتِيب لم يخْتل الْكَلَام بِذكر الْفَاء مَكَانَهُ وَكَذَلِكَ يتبدل الحكم أَيْضا إِذا ذكر الْوَاو مَكَان الْفَاء فَإِن من يَقُول لامْرَأَته إِن دخلت الدَّار وَأَنت طَالِق تطلق فِي الْحَال فَلَو كَانَ مُوجب الْوَاو التَّرْتِيب لَكَانَ هُوَ بِمَنْزِلَة الْفَاء فَيَنْبَغِي أَن يتَأَخَّر الطَّلَاق إِلَى وجود الشَّرْط
وَأما من حَيْثُ الْوَضع لُغَة فلأنهم وضعُوا كل حرف ليَكُون دَلِيلا على معنى مَخْصُوص كَمَا فعلوا فِي الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال فالاشتراك لَا يكون إِلَّا لغفلة من الْوَاضِع أَو لعذر وتكرار اللَّفْظ لِمَعْنى وَاحِد يُوجب إخلاءه عَن الْفَائِدَة كَمَا قَررنَا فَلَا يَلِيق ذَلِك بالحكمة
ثمَّ إِنَّهُم وضعُوا الْفَاء للوصل مَعَ التعقيب وَثمّ للتعقيب مَعَ التَّرَاخِي وَمَعَ للقران
فَلَو قُلْنَا بِأَن الْوَاو توجب الْقرَان أَو التَّرْتِيب كَانَ تَكْرَارا بِاعْتِبَار أصل الْوَضع وَلَو قُلْنَا إِنَّه يُوجب الْعَطف مُطلقًا لَكَانَ لفائدة جَدِيدَة بِاعْتِبَار أصل الْوَضع ثمَّ يتنوع هَذَا الْعَطف أنواعا لكل نوع مِنْهُ حرف خَاص
وَنَظِيره من الْأَسْمَاء الْإِنْسَان فَإِنَّهُ للآدمي مُطلقًا ثمَّ يتنوع أنواعا لكل نوع مِنْهُ اسْم خَاص بِأَصْل الْوَضع وَالتَّمْر كَذَلِك
وَهُوَ نَظِير مَا قُلْنَا فِي اسْم الرَّقَبَة إِنَّه للذات مُطلقًا من غير أَن يكون دَالا على معنى التَّقْيِيد بِوَصْف فَكَذَلِك الْوَاو للْعَطْف (مُطلقًا) بِاعْتِبَار أصل الْوَضع وَلِهَذَا قُلْنَا الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي آيَة الْوضُوء الْغسْل وَالْمسح من غير تَرْتِيب وَلَا قرَان ثمَّ كَانَ التَّرْتِيب بِاعْتِبَار فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذَلِكَ للإكمال فيتأدى الرُّكْن بِمَا هُوَ الْمَنْصُوص وتتعلق صفة الْكَمَال بمراعاة التَّرْتِيب فِيهِ
(1/201)


وَكَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى {ارْكَعُوا واسجدوا} فَإنَّا مَا عرفنَا التَّرْتِيب بِهَذَا النَّص إِذْ النُّصُوص فِيهِ متعارضة فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ {واسجدي واركعي مَعَ الراكعين} وَلَكِن مُرَاعَاة ذَلِك التَّرْتِيب بِكَوْن الرُّكُوع مُقَدّمَة السُّجُود وَالْقِيَام مُقَدّمَة الرُّكُوع على مَا نبينه فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {إِن الصَّفَا والمروة} فَإِن مُرَاعَاة التَّرْتِيب بَينهمَا لَيْسَ بِاعْتِبَار هَذَا النَّص فَفِي النَّص بَيَان أَنَّهُمَا من شَعَائِر الله وَلَا تَرْتِيب فِي هَذَا وَإِنَّمَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ابدؤوا بِمَا بَدَأَ الله تَعَالَى على وَجه التَّقْرِيب إِلَى الأفهام لَا لبَيَان أَن الْوَاو توجب التَّرْتِيب فَإِن الَّذِي يسْبق إِلَى الأفهام فِي مخاطبات الْعباد أَن البدائية تدل على زِيَادَة الْعِنَايَة فَيظْهر بهَا نوع قُوَّة صَالِحَة للترجيح وَلِهَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمهم الله فِيمَن أوصى بِقرب لَا تسع الثُّلُث لَهَا فَإِنَّهُ يبْدَأ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْمُوصي إِذا اسْتَوَت فِي صفة اللُّزُوم لِأَن الْبِدَايَة تدل على زِيَادَة الاهتمام وَقد زعم بعض مَشَايِخنَا أَن معنى التَّرْتِيب يتَرَجَّح فِي الْعَطف الثَّابِت بِحرف الْوَاو فِي قَول أبي حنيفَة وَفِي قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد رَحِمهم الله يتَرَجَّح معنى الْقرَان وَخَرجُوا على هَذَا مَا إِذا قَالَ لامْرَأَته وَلم يدْخل بهَا إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق وَطَالِق وَطَالِق فَدخلت فَإِنَّهَا تطلق وَاحِدَة عِنْد أبي حنيفَة بِاعْتِبَار أَنه مترتب وُقُوع الثَّانِيَة على الأولى وَهِي تبين فِي الأولى لَا إِلَى عدَّة وَعِنْدَهُمَا تقع الثَّلَاث عَلَيْهَا بِاعْتِبَار أَنَّهُنَّ يقعن جملَة عِنْد الدُّخُول مَعًا وَهَذَا غلط فَلَا خلاف بَين أَصْحَابنَا أَن الْوَاو للْعَطْف مُطلقًا إِلَّا أَنَّهُمَا يَقُولَانِ مُوجبه الِاشْتِرَاك بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ فِي الْخَبَر
وَقَوله إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق جملَة تَامَّة وَقَوله وَطَالِق جملَة نَاقِصَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا ذكر الشَّرْط فباعتبار الْعَطف يصير الْخَبَر الْمَذْكُور فِي الْجُمْلَة التَّامَّة كالمعاد فِي الْجُمْلَة النَّاقِصَة فَيتَعَلَّق كل تَطْلِيقَة بِالدُّخُولِ بِلَا وَاسِطَة وَعند الدُّخُول ينزلن جملَة كَمَا لَو كرر ذكر الشَّرْط مَعَ كل تَطْلِيقَة أَلا ترى أَنه إِذا قَالَ جَاءَنِي زيد وَعَمْرو كَانَ الْمَفْهُوم من هَذَا مَا هُوَ الْمَفْهُوم من قَوْله جَاءَنِي زيد جَاءَنِي عَمْرو
وَأَبُو حنيفَة رَحمَه الله يَقُول الْوَاو للْعَطْف وَإِنَّمَا يتَعَلَّق الطَّلَاق بِالشّرطِ كَمَا علقه وَهُوَ علق الثَّانِيَة بِالشّرطِ بِوَاسِطَة الأولى فَإِن من ضَرُورَة الْعَطف هَذِه الْوَاسِطَة فَالْأولى تتَعَلَّق بِالشّرطِ بِلَا وَاسِطَة وَالثَّانِي بِوَاسِطَة الأولى بِمَنْزِلَة الْقنْدِيل الْمُعَلق بالحبل بِوَاسِطَة الْحلق ثمَّ عِنْد وجود الشَّرْط ينزل مَا تعلق فَينزل كَمَا تعلق ولكنهما
(1/202)


يَقُولَانِ هَذَا أَن لَو كَانَ الْمُتَعَلّق بِالشّرطِ طَلَاقا وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْمُتَعَلّق مَا سيصير طَلَاقا عِنْد وجود الشَّرْط إِذا وصل إِلَى الْمحل فَإِنَّهُ لَا يكون طَلَاقا بِدُونِ الْمحل
ثمَّ هَذِه الْوَاسِطَة فِي الذّكر فتتفرق بِهِ أزمنة التَّعْلِيق وَذَلِكَ لَا يُوجب التَّفَرُّق فِي الْوُقُوع كَمَا لَو كرر الشَّرْط فِي كل تَطْلِيقَة وَبَينهمَا أَيَّام
وَمَا قَالَه أَبُو حنيفَة رَحمَه الله أقرب إِلَى مُرَاعَاة حَقِيقَة اللَّفْظ وَمَعْلُوم أَنه عِنْد وجود الشَّرْط ذَلِك الملفوظ بِهِ يصير طَلَاقا فَإِذا كَانَ من ضَرُورَة الْعَطف إِثْبَات هَذِه الْوَاسِطَة ذكرا فَإِن عِنْد وجود الشَّرْط يصير ذَلِك طَلَاقا وَاقعا وَمن ضَرُورَة تفرق الْوُقُوع أَن لَا يَقع إِلَّا وَاحِدَة فَإِن هَذَا تبين بِهِ لَا إِلَى عدَّة كَمَا لَو نجز فَقَالَ أَنْت طَالِق وَطَالِق وَطَالِق
وَقَالَ مَالك فِي التَّنْجِيز أَيْضا تطلق ثَلَاثًا لِأَن الْوَاو توجب الْمُقَارنَة أَلا ترى أَنه لَو قَالَ أَنْت طَالِق وَطَالِق وَطَالِق إِن دخلت الدَّار تطلق ثَلَاثًا عِنْد الدُّخُول جملَة
وَهَذَا غلط فَإِن للقران حرفا مَوْضُوعا وَهُوَ مَعَ فَلَو حملنَا الْوَاو عَلَيْهِ كَانَ تَكْرَارا وَإِذا أخر الشَّرْط فِي التَّعْلِيق إِنَّمَا تطلق ثَلَاثًا لَا بِهَذَا الْمَعْنى بل لِأَن الأَصْل فِي الْكَلَام الْمَعْطُوف أَنه مَتى كَانَ فِي آخِره مَا يُغير مُوجب أَوله توقف أَوله على آخِره وَلِهَذَا لَو ذكر اسْتثِْنَاء فِي آخر الْكَلَام بَطل الْكل بِهِ فَكَذَلِك إِذا ذكر شرطا لِأَن بِالتَّعْلِيقِ بِالشّرطِ تبين أَن الْمَذْكُور أَولا لَيْسَ بِطَلَاق وَإِذا توقف أَوله على آخِره تعلق الْكل بِالشّرطِ جملَة وَإِذا كَانَ الشَّرْط سَابِقًا فَلَيْسَ فِي آخر الْكَلَام مَا يُغير مُوجب أَوله
وَكَذَلِكَ فِي التَّنْجِيز فَإِن الأول طَلَاق سَوَاء ذكر الثَّانِي أَو لم يذكر فَإِذا لم يتَوَقَّف أَوله على آخِره بَانَتْ بِالْأولَى فلغت الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة لِانْعِدَامِ مَحل الْوُقُوع لَا لفساد فِي التَّكَلُّم أَو الْعَطف
ثمَّ على قَول أبي يُوسُف رَحمَه الله تقع الأولى قبل أَن يفرغ من التَّكَلُّم بِالثَّانِيَةِ وَعند مُحَمَّد عِنْد الْفَرَاغ من التَّكَلُّم بِالثَّانِيَةِ تقع الأولى لجَوَاز أَن يلْحق بِكَلَامِهِ شرطا أَو اسْتثِْنَاء مغيرا
وَمَا قَالَه أَبُو يُوسُف أَحَق فَإِنَّهُ مَا لم يَقع الطَّلَاق لَا يفوت الْمحل فَلَو كَانَ وُقُوع الأولى بعد الْفَرَاغ من التَّكَلُّم بِالثَّانِيَةِ لوقعا جَمِيعًا لوُجُود الْمحل مَعَ صِحَة التَّكَلُّم بِالثَّانِيَةِ
وعَلى هَذَا قَالَ زفر رَحمَه الله لَو قَالَ لغير
(1/203)


الْمَدْخُول بهَا أَنْت طَالِق وَاحِدَة وَعشْرين تطلق وَاحِدَة لِأَن الْوَاو للْعَطْف فَتبين بالواحدة قبل ذكر الْعشْرين
وَلَكنَّا نقُول تِلْكَ كلمة وَاحِدَة حكما لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ أَن يعبر عَن هَذَا الْعدَد بِعِبَارَة أوجز من هَذَا وَعطف الْبَعْض على الْبَعْض يتَحَقَّق فِي كَلِمَتَيْنِ لَا فِي كلمة وَاحِدَة فَإِنَّمَا يَقع هُنَا عِنْد تَمام الْكَلَام فَتطلق ثَلَاثًا كَمَا لَو قَالَ وَاحِدَة وَنصفا تطلق اثْنَتَيْنِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لما صرح بِهِ عبارَة أوجز من ذَلِك فَكَانَت كلمة وَاحِدَة حكما وَعند زفر تطلق وَاحِدَة
وعَلى هَذَا الأَصْل مَا قَالَ فِي الْجَامِع لَو تزوج أمتين بِغَيْر إِذن مولاهما ثمَّ أعتقهما الْمولى مَعًا جَازَ نِكَاحهمَا
وَلَو قَالَ أعتقت هَذِه وَهَذِه جَازَ نِكَاح الأولى وَبَطل نِكَاح الثَّانِيَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي آخر كَلَامه مَا يُغير مُوجب أَوله فنكاح الأولى صَحِيح أعتق الثَّانِيَة أَو لم يعْتق وبنفوذ الْعتْق فِي الأولى تنعدم محلية النِّكَاح فِي حق الثَّانِيَة لِأَن الْأمة لَيست من المحللات مَضْمُومَة إِلَى الْحرَّة
وَمثله لَو زوج مِنْهُ رضيعتين فِي عقدين بِغَيْر رِضَاهُ فأرضعتهما امْرَأَة ثمَّ أجَاز الزَّوْج نِكَاحهمَا مَعًا بَطل نِكَاحهمَا
وَلَو قَالَ أجزت نِكَاح هَذِه وَهَذِه بَطل نِكَاحهمَا أَيْضا لِأَن فِي آخر كَلَامه مَا يُغير مُوجب أَوله فَإِن بآخر الْكَلَام يثبت الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ نِكَاحا وَذَلِكَ مُبْطل لنكاحهما فَيتَوَقَّف أول الْكَلَام على آخِره
وَكَانَ الْفراء يَقُول الْوَاو للْجمع وَالْمَجْمُوع بِحرف الْوَاو كالمجموع بكناية الْجمع وَعِنْدنَا الْوَاو للْعَطْف والاشتراك على أَن يصير كل وَاحِد من الْمَذْكُورين كَأَنَّهُ مَذْكُور وَحده لَا على وَجه الْجمع بَينهمَا ذكرا
وَبَيَان هَذَا فِيمَا إِذا كَانَ لرجل ثَلَاثَة أعبد فَقَالَ هَذَا حر أَو هَذَا وَهَذَا فَإِنَّهُ يُخَيّر فِي الْأَوَّلين وَيعتق الثَّالِث عينا كَأَنَّهُ قَالَ هَذَا حر أَو هَذَا حر وَعند الْفراء يُخَيّر فَإِن شَاءَ أوقع الْعتْق على (الأول وَإِن شَاءَ على) الثَّانِي وَالثَّالِث لِأَنَّهُ جمع بَينهمَا بِحرف الْوَاو فَكَأَنَّهُ جمع بكناية الْجمع فَقَالَ هَذَا حر وَهَذَانِ
وَاسْتدلَّ بِمَا قَالَ فِي الْجَامِع رجل مَاتَ وَترك ثَلَاثَة أعبد قيمتهم سَوَاء وَترك ابْنا فَقَالَ الابْن أعتق وَالِدي هَذَا فِي مَرضه وَهَذَا وَهَذَا يعْتق من كل وَاحِد مِنْهُم ثلثه بِمَنْزِلَة مَا لَو قَالَ أعتقهم
وَلَو قَالَ أعتق هَذَا وَسكت ثمَّ قَالَ وَهَذَا
(1/204)


ثمَّ سكت ثمَّ قَالَ هَذَا يعْتق الأول كُله وَمن الثَّانِي نصفه وَمن الثَّالِث ثلثه
وَلَكنَّا نقُول لَا وَجه لتصحيح كَلَامه على مَا قَالَه الْفراء لِأَن خبر الْمثنى غير خبر الْوَاحِد يُقَال للْوَاحِد حر وللاثنين حران وَالْمَذْكُور فِي كَلَامه من الْخَبَر قَوْله حر فَإِذا لم يَجْعَل كَانَ كل وَاحِد من الآخرين مُنْفَردا بِالذكر لَا يصلح أَن يكون الْخَبَر الْمَذْكُور خَبرا لَهما والعطف للاشتراك فِي الْخَبَر لَا لإِثْبَات خبر آخر وَإِذا جعلنَا الثَّالِث كالمنفرد بِالذكر صَار كَأَنَّهُ قَالَ أحد هذَيْن حر وَهَذَا فَيكون فِيهِ ضم الثَّالِث إِلَى الْمُعْتق من الْأَوَّلين لَا إِلَى غير الْمُعْتق فَلهَذَا عتق الثَّالِث
وَمَسْأَلَة الْجَامِع إِنَّمَا تخرج على الأَصْل الَّذِي بَينا فَإِن فِي آخر كَلَامه مَا يُغير مُوجب أَوله لِأَن مُوجب أول الْكَلَام عتق الأول مجَّانا بِغَيْر سِعَايَة ويتغير ذَلِك بآخر كَلَامه عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله لِأَن المستسعي بِمَنْزِلَة الْمكَاتب (عِنْده) فيتغير حكم أصل الْعتْق وَعِنْدَهُمَا يتَغَيَّر حكم الْبَرَاءَة عَن السّعَايَة فَلهَذَا توقف أَوله على آخِره
وَاخْتلفُوا فِي عطف الْجُمْلَة التَّامَّة على الْجُمْلَة التَّامَّة بِحرف الْوَاو نَحْو مَا إِذا قَالَ زَيْنَب طَالِق ثَلَاثًا وَعمرَة طَالِق فَإِنَّمَا تطلق عمْرَة وَاحِدَة وكل وَاحِد من الْكَلَامَيْنِ جملَة تَامَّة لِأَنَّهُ ابْتِدَاء وَخبر فالواو بَينهمَا عِنْد بعض مَشَايِخنَا لِمَعْنى الِابْتِدَاء يحسن نظم الْكَلَام كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {والراسخون فِي الْعلم} وَقَوله تَعَالَى {ويمح الله الْبَاطِل} وَقَوله تَعَالَى فِي حكم الْقَذْف {وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذين تَابُوا} فَإِنَّهُ ابْتِدَاء عندنَا
قَالَ رَضِي الله عَنهُ وَالأَصَح أَن هَذَا الْوَاو للْعَطْف أَيْضا عِنْدِي إِلَّا أَن الِاشْتِرَاك فِي الْخَبَر لَيْسَ من حكم بِمُجَرَّد الْعَطف بل بِاعْتِبَار حَاجَة الْمَعْطُوف إِلَيْهِ إِذا لم يذكر خَبرا وَلَا حَاجَة إِذا ذكر لَهُ خَبرا وَلِهَذَا عِنْد الْحَاجة جعلنَا خبر الْمَعْطُوف عين مَا هُوَ خبر الْمَعْطُوف عَلَيْهِ إِذا أمكن لَا غَيره لِأَن الْحَاجة ترْتَفع بِعَين ذَلِك حَتَّى إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق إِن دخلت هَذِه الدَّار وَإِن دخلت هَذِه الدَّار الْأُخْرَى فَإِنَّمَا يتَعَلَّق بِدُخُول الدَّار الثَّانِيَة تِلْكَ التطليقة لَا غَيرهَا حَتَّى لَو دخلت الدَّاريْنِ لم تطلق إِلَّا وَاحِدَة فَأَما إِذا تعذر ذَلِك بِأَن يَقُول فُلَانَة طَالِق وفلانة فَإِنَّهُ يَقع على الثَّانِيَة غير مَا وَقع على الأولى لِأَن الِاشْتِرَاك بَينهمَا فِي تَطْلِيقَة وَاحِدَة لَا يتَحَقَّق بِمَنْزِلَة قَوْله جَاءَنِي زيد
(1/205)


وَعَمْرو فَإِنَّهُ إِخْبَار عَن مَجِيء كل وَاحِد مِنْهُمَا بِفعل على حِدة لِأَن مجيئهما بِفعل وَاحِد لَا يتَحَقَّق
وعَلى هَذَا الأَصْل الَّذِي بَينا أَن الْوَاو لَا توجب التَّرْتِيب يخرج مَا قَالَ فِي كتاب الصَّلَاة وَيَنْوِي بالتسليمة الأولى من عَن يَمِينه من الْحفظَة وَالرِّجَال وَالنِّسَاء فَإِن مُرَاده الْعَطف لَا التَّرْتِيب
وَكَذَلِكَ مُرَاده مِمَّا قَالَ فِي الْجَامِع الصَّغِير من الرِّجَال وَالنِّسَاء والحفظة فَإِن التَّرْتِيب (فِي النِّيَّة) لَا يتَحَقَّق فَعرفنَا أَن المُرَاد يجمعهُمْ فِي نِيَّته
وَقد تكون الْوَاو بِمَعْنى الْحَال لِمَعْنى الْجمع أَيْضا فَإِن الْحَال يُجَامع ذَا الْحَال وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {حَتَّى إِذا جاؤوها وَفتحت أَبْوَابهَا} أَي جاؤوها حَال مَا تكون أَبْوَابهَا مَفْتُوحَة
وعَلى هَذَا قَالَ فِي الْمَأْذُون إِذا قَالَ لعَبْدِهِ أد إِلَيّ ألفا وَأَنت حر إِنَّه لَا يعْتق مَا لم يؤد لِأَن الْوَاو بِمَعْنى الْحَال فَإِنَّمَا جعله حرا عِنْد الْأَدَاء وَقَالَ فِي السّير إِذا قَالَ افتحوا الْبَاب وَأَنْتُم آمنون لَا يأمنون مَا لم يفتحوا لِأَنَّهُ آمنهم حَال فتح الْبَاب وَإِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق وَأَنت مَرِيضَة تطلق فِي الْحَال لِأَن الْوَاو للْعَطْف فِي الأَصْل فَلَا يكون شرطا فَإِن قَالَ عنيت إِذا مَرضت يدين فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى لِأَنَّهُ عني بِالْوَاو الْحَال وَذَلِكَ مُحْتَمل فَكَأَنَّهُ قَالَ فِي حَال مَرضهَا
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ أَنْت طَالِق وَأَنت تصلين أَو وَأَنت مصلية
وَقَالَ فِي الْمُضَاربَة إِذا قَالَ خُذ هَذِه الْألف واعمل بهَا مُضَارَبَة فِي الْبَز فَإِنَّهُ لَا يتَقَيَّد بصرفه فِي الْبَز وَله أَن يتجر فِيهَا مَا بدا لَهُ من وُجُوه التِّجَارَات لِأَن الْوَاو للْعَطْف فالإطلاق الثَّابِت بِأول الْكَلَام لَا يتَغَيَّر بِهَذَا الْعَطف
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله إِذا قَالَت الْمَرْأَة لزَوجهَا طَلقنِي وَلَك ألف دِرْهَم فَطلقهَا تجب الْألف عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ لَو قَالَ الزَّوْج أَنْت طَالِق وَعَلَيْك ألف دِرْهَم فَقبلت تجب الْألف
وَفِيه طَرِيقَانِ لَهما أَحدهمَا أَنه اسْتعْمل الْوَاو بِمَعْنى الْبَاء مجَازًا فَإِن ذَلِك مَعْرُوف فِي الْقسم إِذْ لَا فرق بَين قَوْله وَالله وَبَين قَوْله بِاللَّه وَإِنَّمَا حملنَا على هَذَا الْمجَاز بِدلَالَة الْمُعَاوضَة فَإِن الْخلْع عقد مُعَاوضَة فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَة مَا لَو قَالَ احْمِلْ هَذَا الْمَتَاع إِلَى منزلي وَلَك دِرْهَم وَالثَّانِي أَن هَذَا الْوَاو للْحَال فَكَأَنَّهَا قَالَت طَلقنِي فِي حَال مَا يكون لَك عَليّ ألف دِرْهَم وَإِنَّمَا حملنَا على هَذَا لدلَالَة الْمُعَاوضَة كَمَا فِي قَوْله أد إِلَيّ ألفا وَأَنت
(1/206)


طَالِق بِخِلَاف الْمُضَاربَة فَلَا معنى لحرف الْبَاء هُنَاكَ حَتَّى يَجْعَل الْوَاو عبارَة عَنهُ وَلَا يُمكن حمله على معنى الْحَال لِانْعِدَامِ دلَالَة الْمُعَاوضَة فِيهِ وَأَبُو حنيفَة رَحمَه الله يَقُول تطلق وَلَا شَيْء عَلَيْهَا لِأَن الْوَاو للْعَطْف حَقِيقَة وَبِاعْتِبَار هَذِه الْحَقِيقَة لَا يُمكن أَن يَجْعَل الْألف بَدَلا عَن الطَّلَاق فَلَو جعل بَدَلا إِنَّمَا يَجْعَل بِدلَالَة الْمُعَاوضَة وَذَلِكَ فِي الطَّلَاق زَائِد فَإِن الطَّلَاق فِي الْغَالِب يكون بِغَيْر عوض أَلا ترى أَن بِذكر الْعِوَض يصير كَلَام الزَّوْج بِمَعْنى الْيَمين حَتَّى لَا يُمكنهُ أَن يرجع عَنهُ قبل قبُولهَا وَلَا يجوز ترك الْحَقِيقَة بِاعْتِبَار دَلِيل زَائِد على مَا وضع لَهُ فِي الأَصْل بِخِلَاف الْإِجَارَة فَإِنَّهُ عقد مَشْرُوع بِالْبَدَلِ لَا يَصح بِدُونِهِ فَأمكن حمل اللَّفْظ على الْمجَاز بِاعْتِبَار معنى الْمُعَاوضَة فِيهِ لِأَنَّهُ أصل وَإِنَّمَا يَجْعَل الْوَاو للْحَال إِذا كَانَ بِصِيغَة تحْتَمل ذَلِك كَمَا فِي قَوْله أد وَأَنت حر انْزِلْ وَأَنت آمن فَإِن صِيغَة كَلَامه للْحَال لِأَنَّهُ خاطبه بِالْأولِ وَالْآخر بِصِيغَة وَاحِدَة ويتحقق عتقه فِي حَالَة الْأَدَاء ويتحقق أَمَانه فِي حَالَة النُّزُول لِأَن الْمَقْصُود أَن يعلم بمحاسن الشَّرِيعَة فَعَسَى يُؤمن وَذَلِكَ حَالَة النُّزُول
فَأَما قَوْله خُذ هَذِه الْألف واعمل بهَا فِي الْبَز فَلَيْسَ فِي هَذِه الصِّيغَة احْتِمَال الْحَال لِأَن الْبَز لَا يكون حَالا لعمله وَقَوله أَنْت طَالِق وَأَنت مَرِيضَة للْعَطْف حَقِيقَة وَلَكِن فِيهِ احْتِمَال الْحَال إِذْ الطَّلَاق يتَحَقَّق فِي حَال الْمَرَض فلاعتبار الظَّاهِر لَا يدين فِي الْقَضَاء ولاحتمال كَونه مُحْتملا تعْمل نِيَّته
فصل
وَأما الْفَاء فَهُوَ للْعَطْف وموجبه التعقيب بِصفة الْوَصْل فَيثبت بِهِ تَرْتِيب وَإِن لطف ذَلِك لما بَينا أَن كل حرف يخْتَص بِمَعْنى فِي أصل الْوَضع إِذْ لَو لم يَجْعَل كَذَلِك خرج من أَن يكون مُفِيدا فَالْمَعْنى الَّذِي اخْتصَّ بِهِ الْفَاء مَا بَينا أَلا ترى أَن أهل اللِّسَان وصلوا حرف الْفَاء بالجزاء وسموه حرف الْجَزَاء لِأَن الْجَزَاء يتَّصل بِالشّرطِ على أَن يتعقب نُزُوله وجود الشَّرْط بِلَا فصل وَكَذَلِكَ يسْتَعْمل حرف الْفَاء لعطف الحكم
(1/207)


على الْعلَّة يُقَال جَاءَ الشتَاء فتأهب وَيُقَال ضرب فأوجع أَي بذلك الضَّرْب وَأطْعم فأشبع أَي بذلك الطَّعَام وعَلى هَذَا قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لن يَجْزِي ولد وَالِده إِلَّا أَن يجده مَمْلُوكا فيشتريه فيعتقه أَي بذلك الشِّرَاء وَلِهَذَا جعلنَا الشِّرَاء إعتاقا فِي الْقَرِيب بِوَاسِطَة الْملك
وَيَقُول خُذ من مَالِي ألف دِرْهَم فَصَاعِدا أَي فَمَا يزْدَاد عَلَيْهِ فَصَاعِدا وارتفاعا
وعَلى هَذَا الأَصْل قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمهم الله فِيمَن قَالَ لغيره بِعْت مِنْك هَذَا العَبْد بِأَلف دِرْهَم وَقَالَ المُشْتَرِي فَهُوَ حر فَإِنَّهُ يعْتق وَيجْعَل قَابلا ثمَّ معتقا بِخِلَاف مَا لَو قَالَ هُوَ حر أَو وَهُوَ حر فَإِنَّهُ يكون ردا للْإِيجَاب لَا قبولا فَلَا يعْتق
وَلَو قَالَ لخياط انْظُر إِلَى هَذَا الثَّوْب أيكفيني قَمِيصًا فَقَالَ نعم قَالَ فاقطعه فَقَطعه فَإِذا هُوَ لَا يَكْفِيهِ قَمِيصًا كَانَ الْخياط ضَامِنا لِأَن الْفَاء للوصل والتعقيب فَكَأَنَّهُ قَالَ فَإِن كفاني قَمِيصًا فاقطعه بِخِلَاف مَا لَو قَالَ اقطعه فَقَطعه فَإِذا هُوَ لَا يَكْفِيهِ قَمِيصًا فَإِنَّهُ لَا يكون ضَامِنا لوُجُود الْإِذْن مُطلقًا
وَقد قَالَ بعض مَشَايِخنَا إِذا قَالَ لغير الْمَدْخُول بهَا إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق فطالق فطالق فَدخلت إِنَّهَا تطلق وَاحِدَة عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله بِاعْتِبَار أَن الْفَاء يَجْعَل مستعارا عَن الْوَاو مجَازًا لقرب أَحدهمَا من الآخر
قَالَ رَضِي الله عَنهُ وَالأَصَح عِنْدِي أَن هَاهُنَا تطلق وَاحِدَة عِنْدهم جَمِيعًا
لِأَن الْفَاء للتعقيب فَيثبت بِهِ تَرْتِيب بَين الثَّانِيَة وَالْأولَى فِي الْوُقُوع وَمَعَ التَّرْتِيب لَا يُمكن إِيقَاع الثَّانِيَة لِأَنَّهَا تبين بِالْأولَى وَمَعَ إِمْكَان اعْتِبَار الْحَقِيقَة لَا معنى للمصير إِلَى الْمجَاز
وَالدَّلِيل على أَن الصَّحِيح هَذَا مَا قَالَ فِي الْجَامِع إِن دخلت هَذِه الدَّار فَدخلت هَذِه الدَّار الْأُخْرَى فَأَنت طَالِق فَإِن الشَّرْط أَن تدخل الثَّانِيَة بعد دُخُول الدَّار الأولى حَتَّى لَو دخلت فِي الثَّانِيَة قبل الأولى ثمَّ دخلت فِي الأولى لم تطلق بِخِلَاف مَا لَو قَالَ وَدخلت هَذِه الدَّار
وَقد توصل الْفَاء بِمَا هُوَ عِلّة إِذا كَانَ مُحْتَمل الامتداد يَقُول الرجل لغيره أبشر فقد أَتَاك الْغَوْث وَهَذَا على سَبِيل بَيَان الْعلَّة للخطاب بالبشارة وَلَكِن لما كَانَ ذَلِك ممتدا صَحَّ ذكر حرف الْفَاء مَقْرُونا بِهِ وعَلى هَذَا الأَصْل لَو قَالَ لعَبْدِهِ أد إِلَيّ ألفا فَأَنت حر فَإِنَّهُ يعْتق وَإِن لم يؤد لِأَنَّهُ لبَيَان الْعلَّة أَي لِأَنَّك قد صرت حرا وَصفَة الْحُرِّيَّة تمتد
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ لحربي انْزِلْ فَأَنت آمن كَانَ آمنا
(1/208)


نزل أَو لم ينزل لِأَن معنى كَلَامه انْزِلْ لِأَنَّك آمن والأمان ممتد فَأَما مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمهم الله فِيمَن يَقُول لفُلَان عَليّ دِرْهَم فدرهم إِنَّه يلْزمه دِرْهَمَانِ فَذَلِك لتحقيق معنى الْعَطف إِذْ الْمَعْطُوف غير الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَاعْتِبَار معنى الْوَصْل وَالتَّرْتِيب فِي الْوُجُوب لَا فِي الْوَاجِب أَو لما تعذر اعْتِبَار حَقِيقَة معنى حرف الْفَاء جعل عبارَة عَن الْوَاو مجَازًا فَكَأَنَّهُ قَالَ دِرْهَم وَدِرْهَم
وَالشَّافِعِيّ يَقُول يلْزمه دِرْهَم وَاحِد لِأَن مَا هُوَ مُوجب حرف الْفَاء لَا يتَحَقَّق هَاهُنَا فَيكون صلَة للتَّأْكِيد كَأَنَّهُ قَالَ دِرْهَم فَهُوَ دِرْهَم
وَلَكِن مَا قُلْنَاهُ أَحَق لِأَنَّهُ يضمر ليسقط بِهِ اعْتِبَار حرف الْفَاء والإضمار لتصحيح مَا وَقع التَّنْصِيص عَلَيْهِ لَا لإلغائه ثمَّ معنى الْعَطف مُحكم فِي هَذَا الْحَرْف فَلَا بُد من اعْتِبَاره بِحَسب الْإِمْكَان والمعطوف غير الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فَيلْزمهُ دِرْهَمَانِ لهَذَا
فصل
وَأما حرف ثمَّ فَهُوَ للْعَطْف على وَجه التعقيب مَعَ التَّرَاخِي هُوَ الْمَعْنى الَّذِي اخْتصَّ بِهِ هَذَا الْحَرْف بِأَصْل الْوَضع
يَقُول الرجل (جَاءَنِي زيد ثمَّ عَمْرو فَإِنَّمَا يفهم مِنْهُ مَا يفهم من قَوْله) جَاءَنِي زيد وَبعده عَمْرو إِلَّا أَن عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله صفة هَذَا التَّرَاخِي أَن يكون بِمَنْزِلَة مَا لَو سكت ثمَّ اسْتَأْنف قولا بعد الأول لإتمام القَوْل بالتراخي وَعِنْدَهُمَا التَّرَاخِي بِهَذَا الْحَرْف فِي الحكم مَعَ الْوَصْل فِي التَّكَلُّم لمراعاة معنى الْعَطف فِيهِ
وَبَيَان هَذَا فِيمَا إِذا قَالَ لغير الْمَدْخُول بهَا إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق ثمَّ طَالِق ثمَّ طَالِق عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تتَعَلَّق الأولى بِالدُّخُولِ وَتَقَع الثَّانِيَة فِي الْحَال وتلغو الثَّالِثَة بِمَنْزِلَة قَوْله أَنْت طَالِق طَالِق طَالِق من غير حرف الْعَطف حَتَّى يَنْقَطِع بعض الْكَلَام عَن الْبَعْض وَعِنْدَهُمَا يتَعَلَّق الْكل بِالدُّخُولِ ثمَّ عِنْد الدُّخُول يظْهر التَّرْتِيب فِي الْوُقُوع فَلَا تقع إِلَّا وَاحِدَة لاعْتِبَار التَّرَاخِي بِحرف ثمَّ
وَلَو أخر الشَّرْط ذكرا فَعِنْدَ أبي حنيفَة رَحمَه الله تطلق وَاحِدَة فِي الْحَال وَيَلْغُو مَا سواهَا وَعِنْدَهُمَا لَا تطلق مَا لم تدخل الدَّار فَإِذا دخلت طلقت وَاحِدَة وَلَو كَانَت مَدْخُولا بهَا فَإِن أخر الشَّرْط فَعِنْدَ أبي حنيفَة رَحمَه الله تطلق اثْنَتَيْنِ فِي الْحَال وتتعلق
(1/209)


الثَّالِثَة بِالدُّخُولِ وَعِنْدَهُمَا مَا لم تدخل لَا يَقع شَيْء فَإِذا دخلت طلقت ثَلَاثًا
وَلَو قدم الشَّرْط فَعِنْدَ أبي حنيفَة رَحمَه الله تقع الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة فِي الْحَال وتتعلق الأولى بِالدُّخُولِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَقع شَيْء مَا لم تدخل فَإِذا دخلت طلقت ثَلَاثًا هَكَذَا ذكر مُفَسرًا فِي النَّوَادِر
وَقد يسْتَعْمل حرف ثمَّ بِمَعْنى الْوَاو مجَازًا قَالَ الله تَعَالَى {ثمَّ كَانَ من الَّذين آمنُوا} وَقَالَ تَعَالَى {ثمَّ الله شَهِيد على مَا يَفْعَلُونَ} وعَلى هَذَا قُلْنَا فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام من حلف على يَمِين وَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليأت الَّذِي هُوَ خير ثمَّ ليكفر يَمِينه إِن حرف ثمَّ فِي هَذِه الرِّوَايَة مَحْمُول على الْحَقِيقَة وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي قَالَ فليكفر يَمِينه ثمَّ ليأت بِالَّذِي هُوَ خير حرف ثمَّ بِمَعْنى الْوَاو مجَازًا لِأَن صِيغَة الْأَمر للْإِيجَاب وَإِنَّمَا التَّكْفِير بعد الْحِنْث لَا قبله فحملنا هَذَا الْحَرْف على الْمجَاز لمراعاة حَقِيقَة الصِّيغَة فِيمَا هُوَ الْمَقْصُود إِذْ لَو حملنَا حرف ثمَّ على الْحَقِيقَة كَانَ الْأَمر بالتكفير مَحْمُولا على الْمجَاز فَإِنَّهُ لَا يجب تَقْدِيم التَّكْفِير على الْحِنْث بالِاتِّفَاقِ فَكَانَ الأولى على هَذَا أَن يَجْعَل حرف ثمَّ بِمَعْنى حرف الْفَاء فَإِنَّهُ أقرب إِلَيْهِ من حرف الْوَاو وَإِنَّمَا لم نَفْعل ذَلِك لِأَن حرف الْفَاء يُوجب ترتيبا أَيْضا والحنث غير مُرَتّب على التَّكْفِير بِوَجْه فَلهَذَا جَعَلْنَاهُ بِمَعْنى الْوَاو
فصل
وَأما حرف بل هُوَ لتدارك الْغَلَط بِإِقَامَة الثَّانِي مقَام الأول وَإِظْهَار أَن الأول كَانَ غَلطا فَإِن الرجل يَقُول جَاءَنِي زيد بل عَمْرو أَو لَا بل عَمْرو فَإِنَّمَا يفهم مِنْهُ الْإِخْبَار بمجيء عَمْرو خَاصَّة وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى {بل كُنْتُم مجرمين}
{بل مكر اللَّيْل وَالنَّهَار إِذْ تأمروننا أَن نكفر بِاللَّه} وعَلى هَذَا قَالَ زفر رَحمَه الله إِن من قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم بل أَلفَانِ يلْزمه ثَلَاثَة آلَاف لِأَن بل لتدارك الْغَلَط فَيكون إِقْرَارا بِأَلفَيْنِ ورجوعا عَن الْألف وَبَيَان أَنه كَانَ غَلطا وَلَكِن الْإِقْرَار صَحِيح وَالرُّجُوع
(1/210)


بَاطِل كَمَا لَو قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق وَاحِدَة بل اثْنَتَيْنِ تطلق ثَلَاثًا وَلَكنَّا نقُول يلْزمه أَلفَانِ لِأَنَّهُ مَا كَانَ مَقْصُوده تدارك الْغَلَط بِنَفْي مَا أقرّ بِهِ أَولا بل تدارك الْغَلَط بِإِثْبَات الزِّيَادَة الَّتِي نفاها فِي الْكَلَام الأول بطرِيق الِاقْتِضَاء فَكَأَنَّهُ قَالَ بل مَعَ تِلْكَ الْألف ألف أُخْرَى فهما أَلفَانِ عَليّ أَلا ترى أَن الرجل يَقُول أَتَى عَليّ خَمْسُونَ سنة بل سِتُّونَ فَإِنَّهُ يفهم هَذَا من كَلَامه بل سِتُّونَ لعشرة زَائِدَة على الْخمسين الَّتِي أخْبرت بهَا أَولا وَلَكِن هَذَا يتَحَقَّق فِي الإخبارات لِأَنَّهَا تحْتَمل الْغَلَط وَلَا يتَحَقَّق فِي الإنشاءات فَلهَذَا جَعَلْنَاهُ موقعا اثْنَتَيْنِ رَاجعا عَن الأولى ورجوعه لَا يَصح فَتطلق ثَلَاثًا حَتَّى لَو قَالَ كنت طَلقتك أمس وَاحِدَة لَا بل اثْنَتَيْنِ تطلق اثْنَتَيْنِ لِأَن الْغَلَط فِي الْإِخْبَار يتَمَكَّن وَلَو قَالَ لغير الْمَدْخُول بهَا أَنْت طَالِق وَاحِدَة لَا بل اثْنَتَيْنِ تطلق وَاحِدَة لِأَنَّهُ بقوله بل اثْنَتَيْنِ أَولا بل اثْنَتَيْنِ يروم الرُّجُوع عَن الأولى وَذَلِكَ بَاطِل وَبَعْدَمَا بَانَتْ بِالْأولَى لم يبْق الْمحل ليَصِح إِيقَاع الثِّنْتَيْنِ عَلَيْهَا وَلَو قَالَ إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق وَاحِدَة لَا بل اثْنَتَيْنِ فَدخلت تطلق ثَلَاثًا بالِاتِّفَاقِ لِأَن مَعَ تعلق الأولى بِالشّرطِ بَقِي الْمحل على حَاله وَهُوَ بِهَذَا الْحَرْف تبين أَنه تعلق الثِّنْتَيْنِ بِالشّرطِ ابْتِدَاء لَا بِوَاسِطَة الأولى لِأَنَّهُ رَاجع عَن الأولى فَكَأَنَّهُ أعَاد ذكر الشَّرْط وَصَارَ كَلَامه فِي حكم يمينين فَعِنْدَ وجود الشَّرْط تقع الثَّلَاث جملَة لتَعلق الْكل بِالشّرطِ بِلَا وَاسِطَة بِخِلَاف مَا قَالَه أَبُو حنيفَة رَحمَه الله فِي حرف الْوَاو فَإِنَّهُ للْعَطْف فَيكون هُوَ مقررا للأولى ومعلقا الثَّانِيَة بِالشّرطِ بِوَاسِطَة الأولى فَعِنْدَ وجود الشَّرْط يقعن مُتَفَرقًا أَيْضا فَتبين بِالْأولَى قبل وُقُوع الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وَالله أعلم
فصل
وَأما لَكِن فَهُوَ كلمة مَوْضُوعَة للاستدراك بعد النَّفْي تَقول مَا رَأَيْت زيدا لَكِن عمرا فَالْمَعْنى الَّذِي تخْتَص بِهِ هَذِه الْكَلِمَة بِاعْتِبَار أصل الْوَضع إِثْبَات مَا بعْدهَا فَأَما نفي مَا قبلهَا فثابت بدليله بِخِلَاف بل قَالَ تَعَالَى {فَلم تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِن الله قَتلهمْ وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى} ثمَّ الْعَطف بهَا إِنَّمَا يكون عِنْد اتساق الْكَلَام فَإِن وجد ذَلِك كَانَ لتعليق النَّفْي بالإثبات الَّذِي بعْدهَا وَإِلَّا كَانَت للاستئناف
وَبَيَان هَذَا فِي مسَائِل مَذْكُورَة فِي الْجَامِع مِنْهَا إِذا قَالَ رجل هَذَا العَبْد فِي يَدي لفُلَان
(1/211)


فَقَالَ الْمقر لَهُ مَا كَانَ لي قطّ وَلكنه لفُلَان فَإِن وصل كَلَامه فَهُوَ للْمقر لَهُ الثَّانِي وَإِن فصل فَهُوَ للْمقر لِأَن قَوْله مَا كَانَ لي قطّ تَصْرِيح بِنَفْي ملكه فِيهِ فَإِذا وصل بِهِ قَوْله لَكِن لفُلَان كَانَ بَيَانا أَنه نفي ملكه إِلَى الثَّانِي بِإِثْبَات الْملك لَهُ بقوله لَكِن فَإِن قطع كَلَامه كَانَ مَحْمُولا على نفي ملكه أصلا كَمَا هُوَ الظَّاهِر وَهُوَ رد للإقرار ثمَّ قَوْله وَلكنه لفُلَان شَهَادَة بِالْملكِ للثَّانِي على الْمقر وبشهادة الْفَرد لَا يثبت الْملك
وَلَو أَن الْمقْضِي لَهُ بِالْعَبدِ بِالْبَيِّنَةِ قَالَ مَا كَانَ لي قطّ وَلكنه لفُلَان فَقَالَ الْمقر لَهُ قد كَانَ لَهُ فَبَاعَهُ أَو وهبه مني بعد الْقَضَاء لَهُ فَإِنَّهُ يكون للثَّانِي لِأَنَّهُ حِين وصل الْكَلَام فقد تبين أَنه نفي ملكه بإثباته للثَّانِي وَذَلِكَ يحْتَمل الْإِنْشَاء بِسَبَب كَانَ بعد الْقَضَاء فَيحمل على ذَلِك فِي حق الْمقر لَهُ إِلَّا أَن الْمقر يصير ضَامِنا قِيمَته للمقضي عَلَيْهِ لِأَن ظَاهر كَلَامه تَكْذِيب لشهوده وَإِقْرَار بِأَن الْقَضَاء بَاطِل وَهَذَا حجَّة عَلَيْهِ وَلَكِن إِنَّمَا يُقرر هَذَا الحكم بعد مَا تحول الْملك إِلَى الْمقر لَهُ فَيضمن قِيمَته للمقضي عَلَيْهِ
وَلَو أَن أمة زوجت نَفسهَا من رجل بِمِائَة دِرْهَم بِغَيْر إِذن مَوْلَاهَا فَقَالَ الْمولى لَا أجيزه لَكِن أجيزه بِمِائَة وَخمسين أَو قَالَ لَكِن أجيزه إِن زدتني خمسين فَالْعقد بَاطِل لِأَن الْكَلَام غير متسق فَإِن نفي الْإِجَازَة وإثباتها بِعَينهَا لَا يتَحَقَّق فِيهِ معنى الْعَطف فيرتد العقد بقوله لَا أجيزه وَيكون قَوْله لَكِن أجيزه ابْتِدَاء بعد الِانْفِسَاخ
وَلَو قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم قرض فَقَالَ فلَان لَا وَلكنه غصب فَإِنَّهُ يلْزمه المَال لِأَن الْكَلَام متسق فيتبين بِآخِرهِ أَنه نفي السَّبَب لَا أصل المَال وَأَنه قد صدقه فِي الْإِقْرَار بِأَصْل المَال وَلَا تفَاوت فِي الحكم بَين السببين والأسباب مَطْلُوبَة للْأَحْكَام فَعِنْدَ انعدام التَّفَاوُت يتم تَصْدِيقه لَهُ فِيمَا أقرّ بِهِ فَيلْزمهُ المَال وعَلى هَذَا لَو قَالَ لَك عَليّ ألف دِرْهَم ثمن هَذِه الْجَارِيَة الَّتِي اشْتَرَيْتهَا مِنْك فَقَالَ الْجَارِيَة جاريتك مَا بعتها مِنْك وَلَكِن لي عَلَيْك ألف دِرْهَم يلْزمه المَال لِأَن الْكَلَام متسق وَفِي آخِره بَيَان أَنه مُصدق لَهُ فِي أصل المَال مكذب فِي السَّبَب وَلَا تفَاوت عِنْد سَلامَة الْجَارِيَة للْمقر فَيلْزمهُ المَال
(1/212)


فصل
وَأما أَو فَهِيَ كلمة تدخل بَين اسْمَيْنِ أَو فعلين وموجبها بِاعْتِبَار أصل الْوَضع يتَنَاوَل أحد الْمَذْكُورين
بَيَانه فِي قَوْله تَعَالَى {من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم أَو كسوتهم أَو تَحْرِير رَقَبَة} فَإِن الْوَاجِب فِي الْكَفَّارَة أحد الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة مَعَ إِبَاحَة التَّكْفِير بِكُل نوع مِنْهَا على الِانْفِرَاد وَلِهَذَا لَو كفر بالأنواع كلهَا كَانَ مُؤديا للْوَاجِب بِأحد الْأَنْوَاع فِي الصَّحِيح من الْمَذْهَب بِخِلَاف مَا يَقُوله بعض النَّاس وَقد بَينا هَذِه
وَكَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى فِي كَفَّارَة الْحلق {ففدية من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك} وَفِي جَزَاء الصَّيْد {هَديا بَالغ الْكَعْبَة أَو كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين أَو عدل ذَلِك صياما} وَقد ظن بعض مَشَايِخنَا أَنَّهَا فِي أصل الْوَضع للتشكيك فَإِن الرجل إِذا قَالَ رَأَيْت زيدا وعمرا يكون مخبرا بِرُؤْيَة كل وَاحِد مِنْهُمَا عينا وَلَو قَالَ بل عمرا يكون مخبرا بِرُؤْيَة عَمْرو عينا
وَلَو قَالَ أَو عمرا يكون مخبرا بِرُؤْيَة أَحدهمَا غير عين على أَنه شَاك فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا يجوز أَن يكون قد رَآهُ وَيجوز أَن يكون لم يره إِلَّا أَن فِي الابتداءات وَالْأَمر وَالنَّهْي يتَعَذَّر حمله على التشكيك فَإِن ذَلِك لَا يكون إِلَّا عِنْد التباس الْعلم بالشَّيْء فَيحمل على التَّخْيِير وَقرر هَذَا الْكَلَام فِي تصنيفه
قَالَ رَضِي الله عَنهُ وَعِنْدِي أَن هَذَا غير صَحِيح لِأَن الشَّك لَيْسَ بِأَمْر مَقْصُود حَتَّى يوضع لَهُ كلمة فِي أصل الْوَضع وَلَكِن هَذِه الْكَلِمَة لبَيَان أَن المتناول أحد الْمَذْكُورين كَمَا ذكرنَا إِلَّا أَن فِي الْإِخْبَار يُفْضِي إِلَى الشَّك بِاعْتِبَار مَحل الْكَلَام لَا بِاعْتِبَار هَذِه الْكَلِمَة كَمَا فِي قَوْله رَأَيْت زيدا أَو عمرا فَأَما فِي الإنشاءات لما تبدل الْمحل وانعدم الْمَعْنى الَّذِي لأَجله كَانَ معنى الشَّك فالثابت بِهَذِهِ الْكَلِمَة التَّخْيِير بِاعْتِبَار أصل الْوَضع وَهُوَ أَنَّهَا تتَنَاوَل أحد الْمَذْكُورين على إِثْبَات صفة الْإِبَاحَة فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا وَلِهَذَا قُلْنَا لَو قَالَ هَذَا العَبْد حر أَو هَذَا فَهُوَ وَقَوله أَحدهمَا حر سَوَاء يتَنَاوَل الْإِيجَاب أَحدهمَا وَيتَخَيَّر الْمولى فِي الْبَيَان على أَن يكون بَيَانه من وَجه كابتداء الْإِيقَاع حَتَّى يشْتَرط لصِحَّة الْبَيَان صَلَاحِية الْمحل للإيقاع وَمن وَجه هُوَ تعْيين للْوَاقِع وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله لَو جمع بَين عَبده ودابته وَقَالَ هَذَا حر أَو هَذَا لَغَا كَلَامه
(1/213)


بِمَنْزِلَة مَا لَو قَالَ أَحدهمَا حر لِأَن مَحل الْإِيجَاب أَحدهمَا بِغَيْر عينه وَإِذا لم يكن أحد الْعَبْدَيْنِ محلا صَالحا للْإِيجَاب فَغير الْمعِين مِنْهُمَا لَا يكون صَالحا وَبِدُون صَلَاحِية الْمحل لَا يَصح الْإِيجَاب أصلا
وَأَبُو حنيفَة رَحمَه الله يَقُول هَذَا الْإِيجَاب يتَنَاوَل أَحدهمَا بِغَيْر عينه على احْتِمَال التَّعْيِين أَلا ترى أَنَّهُمَا لَو كَانَا عَبْدَيْنِ تنَاول أَحدهمَا على احْتِمَال التَّعْيِين إِمَّا ببيانه أَو بانعدام الْمُزَاحمَة بِمَوْت أَحدهمَا فَيصح الْإِيجَاب هُنَا بِاعْتِبَار هَذَا الْمجَاز كَمَا هُوَ أصل أبي حنيفَة رَحمَه الله فِي الْعَمَل بالمجاز وَإِن تعذر الْعَمَل بِالْحَقِيقَةِ لعدم صَلَاحِية الْمحل لَهُ وَعِنْدَهُمَا الْمجَاز خلف عَن الْحَقِيقَة فِي الحكم فَإِذا لم يكن الْمحل صَالحا للْحكم حَقِيقَة يسْقط اعْتِبَار الْعَمَل بالمجاز وَقد بَينا هَذَا
وعَلى هَذَا لَو قَالَ لثلاث نسْوَة لَهُ هَذِه طَالِق أَو هَذِه وَهَذِه تطلق الثَّالِثَة وَيتَخَيَّر فِي الْأَوليين بِمَنْزِلَة مَا لَو جمع بَين الْأَوليين فَقَالَ إِحْدَاكُمَا طَالِق وَهَذِه وَلِهَذَا قَالَ زفر رَحمَه الله فِي قَوْله وَالله لَا أكلم فلَانا أَو فلَانا وَفُلَانًا إِنَّه لَا يَحْنَث إِن كلم الأول وَحده مَا لم يكلم الثَّالِث مَعَه بِمَنْزِلَة قَوْله لَا أكلم أحد هذَيْن وَهَذَا
وَلَكنَّا نقُول هُنَاكَ إِن كلم الأول وَحده يَحْنَث وَإِن كلم أحد الآخرين لَا يَحْنَث مَا لم يكلمهما لِأَنَّهُ أشرك بَينهمَا بِحرف الْوَاو وَالْخَبَر الْمَذْكُور يصلح للمثنى كَمَا يصلح للْوَاحِد فَإِنَّهُ يَقُول لَا أكلم هَذَا لَا أكلم هذَيْن فَيصير كَأَنَّهُ قَالَ لَا أكلم هَذَا أَو هذَيْن بِخِلَاف الطَّلَاق فهناك الْخَبَر الْمَذْكُور غير صَالح للمثنى إِذا جمعت بَينهمَا لِأَنَّهُ يُقَال للمثنى طالقان مَعَ أَن هُنَاكَ يُمكن أَن تجْعَل الثَّالِثَة كالمذكورة وَحدهَا فَإِن الحكم فِيهَا لَا يخْتَلف سَوَاء ضمت إِلَى الأولى أَو إِلَى الثَّانِيَة وَهنا الحكم فِي الثَّالِث يخْتَلف بالانضمام إِلَى الأول أَو الثَّانِي فَكَانَ ضمه إِلَى مَا يَلِيهِ أولى
وعَلى هَذَا لَو قَالَ وكلت بِبيع هَذَا العَبْد هَذَا الرجل أَو هَذَا فَإِنَّهُ يَصح التَّوْكِيل اسْتِحْسَانًا بِمَنْزِلَة مَا لَو قَالَ وكلت أَحدهمَا بِبيعِهِ حَتَّى لَا يشْتَرط اجْتِمَاعهمَا على البيع بِخِلَاف مَا لَو قَالَ وَهَذَا وَإِذا بَاعَ أَحدهمَا نفذ البيع وَلم يكن للْآخر بعد ذَلِك أَن يَبِيعهُ وَإِن عَاد إِلَى ملكه وَقبل البيع يُبَاح لكل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يَبِيعهُ
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ لوَاحِد بِعْ هَذَا العَبْد أَو هَذَا يثبت لَهُ الْخِيَار على أَن يَبِيع أَحدهمَا أَيهمَا شَاءَ بِمَنْزِلَة مَا لَو قَالَ بِعْ أَحدهمَا فَأَما فِي البيع إِذا أَدخل كلمة
(1/214)


أَو فِي الْمَبِيع أَو الثّمن فَالْبيع فَاسد للْجَهَالَة لِأَن مُوجب الْكَلِمَة التَّخْيِير وَمن لَهُ الْخِيَار مِنْهُمَا غير مَعْلُوم فَإِن كَانَ مَعْلُوما جَازَ فِي الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَة اسْتِحْسَانًا وَلم يجز فِي الزِّيَادَة على ذَلِك لبَقَاء الْحَظْر بعد تعين من لَهُ الْخِيَار وَلَكِن الْيَسِير من الْحَظْر لَا يمْنَع جَوَاز العقد والفاحش مِنْهُ يمْنَع جَوَاز العقد
فَأَما فِي النِّكَاح ف أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى يَقُولَانِ يثبت التَّخْيِير بِهَذِهِ الْكَلِمَة إِذا كَانَ مُفِيدا بِأَن يَقُول لامْرَأَة تَزَوَّجتك على ألف دِرْهَم حَالا أَو على أَلفَيْنِ إِلَى سنة أَو تَزَوَّجتك على ألف دِرْهَم أَو مائَة دِينَار وَلَا يثبت الْخِيَار إِذا لم يكن مُفِيدا بِأَن يَقُول تَزَوَّجتك على ألف دِرْهَم أَو أَلفَيْنِ بل يجب الْأَقَل عينا لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي التَّخْيِير بَين الْقَلِيل وَالْكثير فِي جنس وَاحِد وَصِحَّة النِّكَاح لَا تتَوَقَّف على تَسْمِيَة الْبَدَل فوجوب المَال عِنْد التَّسْمِيَة فِي معنى الِابْتِدَاء بِمَنْزِلَة الْإِقْرَار بِالْمَالِ أَو الْوَصِيَّة أَو الْخلْع أَو الصُّلْح عَن دم الْعمد على مَال فَإِنَّمَا يثبت الْأَقَل لكَونه متيقنا بِهِ وَلِهَذَا كل مَا يصلح أَن يكون مُسَمّى فِي الصُّلْح عَن دم الْعمد يصلح أَن يكون مُسَمّى فِي النِّكَاح
وَأَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ يَقُول يُصَار إِلَى تحكيم مهر الْمثل لِأَن التَّخْيِير الَّذِي هُوَ حكم هَذِه الْكَلِمَة يمْنَع كَون الْمُسَمّى مَعْلُوما قطعا والموجب الْأَصْلِيّ فِي النِّكَاح مهر الْمثل وَإِنَّمَا يَنْتَفِي ذَلِك الْمُوجب عِنْد تَسْمِيَة مَعْلُومَة قطعا فَإِذا انْعَدم ذَلِك بِحرف أَو وَجب الْمصير إِلَى الْمُوجب الْأَصْلِيّ بِخِلَاف الْخلْع وَالصُّلْح فَلَيْسَ فِي ذَلِك العقد مُوجب أُصَلِّي فِي الْبَدَل بل هُوَ صَحِيح من غير بدل يجب بِهِ فَلهَذَا أَوجَبْنَا الْقدر الميتقن بِهِ وَمَا زَاد على ذَلِك لكَونه مشكوكا فِيهِ يبطل
وعَلى هَذَا قَالَ مَالك رَحمَه الله فِي حد قطاع الطَّرِيق إِن الإِمَام يتَخَيَّر فِي ظَاهر قَوْله تَعَالَى {أَن يقتلُوا أَو يصلبوا أَو تقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف} فَإِن مُوجب الْكَلِمَة التَّخْيِير وَالْكَلَام مَحْمُول على حَقِيقَته حَتَّى يقوم دَلِيل الْمجَاز
وَلَكنَّا نقُول فِي أول الْآيَة تنصيص على أَن الْمَذْكُور جَزَاء على الْمُحَاربَة والمحاربة أَنْوَاع كل نوع مِنْهَا مَعْلُوم من تخويف أَو أَخذ مَال أَو قتل نفس أَو جمع بَين الْقَتْل وَأخذ المَال وَهَذِه الْأَنْوَاع تَتَفَاوَت فِي صفة الْجِنَايَة وَالْمَذْكُور أجزية مُتَفَاوِتَة فِي معنى التَّشْدِيد فَوَقع
(1/215)


الِاسْتِغْنَاء بِتِلْكَ الْمُقدمَة عَن بَيَان تَقْسِيم الأجزية على أَنْوَاع الْجِنَايَة نصا وَلَكِن هَذَا التَّقْسِيم ثَابت بِأَصْل مَعْلُوم وَهُوَ أَن الْجُمْلَة إِذا قوبلت بِالْجُمْلَةِ يَنْقَسِم الْبَعْض على الْبَعْض فَلهَذَا كَانَ الْجَزَاء على كل نوع عينا كَيفَ وَقد نزل جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهَذَا التَّقْسِيم فِي أَصْحَاب أبي بردة وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله إِذا جمع بَين الْقَتْل وَأخذ المَال فللإمام الْخِيَار إِن شَاءَ قطع يَده ثمَّ قَتله وصلبه وَإِن شَاءَ قَتله وصلبه وَلم يقطعهُ لِأَن نوع الْمُحَاربَة مُتَعَدد صُورَة مُتحد معنى فَيتَخَيَّر لهَذَا
وَقيل أَو هُنَا بِمَعْنى بل كَمَا قَالَ الله تَعَالَى {فَهِيَ كالحجارة أَو أَشد قسوة} أَي بل أَشد قسوة فَيكون المُرَاد بل يصلبوا إِذا اتّفقت الْمُحَاربَة بقتل النَّفس وَأخذ المَال بل تقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف إِذا أخذُوا المَال فَقَط بل ينفوا من الأَرْض إِذا خوفوا الطَّرِيق
وَقد تستعار كلمة أَو للْعَطْف فَتكون بِمَعْنى الْوَاو قَالَ تَعَالَى {وأرسلناه إِلَى مائَة ألف أَو يزِيدُونَ} أَي وَيزِيدُونَ
قَالَ الْقَائِل فَلَو كَانَ الْبكاء يرد شَيْئا بَكَيْت على زِيَاد أَو عنَاق على المرأين إِذْ مضيا جَمِيعًا لشأنهما بحزن واحتراق (أَي وعناق) بِدَلِيل قَوْله على المرأين إِذْ مضيا جَمِيعًا
إِذا عرفنَا هَذَا فَنَقُول إِنَّمَا يحمل على هَذِه الِاسْتِعَارَة عِنْد اقتران الدَّلِيل بالْكلَام وَمن الدَّلِيل (على ذَلِك) أَن تكون مَذْكُورَة فِي مَوضِع النَّفْي قَالَ الله تَعَالَى {وَلَا تُطِع مِنْهُم آثِما أَو كفورا} مَعْنَاهُ وَلَا كفورا وَالدَّلِيل فِيهِ مَا قدمنَا أَن النكرَة فِي (مَوضِع) النَّفْي تعم وَلَا يُمكن إِثْبَات التَّعْمِيم إِلَّا أَن يَجْعَل بِمَعْنى وَاو الْعَطف وَلَكِن على أَن يتَنَاوَل كل وَاحِد مِنْهُمَا على الِانْفِرَاد لَا على الِاجْتِمَاع كَمَا هُوَ مُوجب حرف الْوَاو وَلِهَذَا قُلْنَا لَو قَالَ وَالله أكلم فلَانا أَو فلَانا فَإِنَّهُ يَحْنَث إِذا كلم أَحدهمَا بِخِلَاف قَوْله فلَانا وَفُلَانًا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث مَا لم يكلمهما وَلَكِن يتَنَاوَل كل وَاحِد (مِنْهُمَا) على الِانْفِرَاد حَتَّى لَا يثبت لَهُ الْخِيَار وَلَو كَانَ فِي الْإِيلَاء بِأَن قَالَ لَا أقرب
(1/216)


هَذِه أَو هَذِه فمضت الْمدَّة بانتا جَمِيعًا
وَمن ذَلِك أَن يسْتَعْمل الْكَلِمَة فِي مَوضِع الْإِبَاحَة فَتكون بِمَعْنى الْوَاو حَتَّى يتَنَاوَل معنى الْإِبَاحَة كل وَاحِد من الْمَذْكُورين فَإِن الرجل يَقُول جَالس الْفُقَهَاء أَو الْمُتَكَلِّمين فيفهم (مِنْهُ) الْإِذْن بالمجالسة مَعَ كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ والطبيب يَقُول للْمَرِيض كل هَذَا أَو هَذَا فَإِنَّمَا يفهم مِنْهُ أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا صَالح لَك
وَبَيَان هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى {إِلَّا مَا حملت ظهورهما أَو الحوايا أَو مَا اخْتَلَط بِعظم} فالاستثناء من التَّحْرِيم إِبَاحَة ثمَّ تثبت الْإِبَاحَة فِي جَمِيع هَذِه الْأَشْيَاء فَعرفنَا أَن مُوجب هَذِه الْكَلِمَة فِي الْإِبَاحَة الْعُمُوم وَأَنه بِمَعْنى وَاو الْعَطف
وَبَيَان الْفرق بَين الْإِبَاحَة والإيجاب أَن فِي الْإِيجَاب الِامْتِثَال بالإقدام على أَحدهمَا وَفِي الْإِبَاحَة تتَحَقَّق الْمُوَافقَة فِي الْإِقْدَام على كل وَاحِد مِنْهُمَا
وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا قَالَ لَا أكلم أحدا إِلَّا فلَانا أَو فلَانا فَإِن لَهُ أَن يكلمهما من غير حنث
وَلَو قَالَ لأَرْبَع نسْوَة لَهُ وَالله لَا أقربكن إِلَّا فُلَانَة أَو فُلَانَة فَإِنَّهُ لَا يكون موليا مِنْهُمَا جَمِيعًا حَتَّى لَا يَحْنَث إِن قربهما وَلَا تقع الْفرْقَة بَينه وَبَينهمَا بِمُضِيِّ الْمدَّة قبل القربان
وَقد تستعار أَو بِمَعْنى حَتَّى قَالَ تَعَالَى {لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء أَو يَتُوب عَلَيْهِم} أَي حَتَّى يَتُوب عَلَيْهِم
وَفِي هَذِه الِاسْتِعَارَة معنى الْعَطف فَإِن غَايَة الشَّيْء تتصل بِهِ كَمَا يتَّصل الْمَعْطُوف بالمعطوف عَلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْجَامِع لَو قَالَ وَالله لأدخلن هَذِه الدَّار الْيَوْم أَو لأدخلن هَذِه الدَّار فَأَي الدَّاريْنِ دخل بر فِي يَمِينه لِأَنَّهُ ذكر الْكَلِمَة فِي مَوضِع الْإِثْبَات فَيَقْتَضِي التَّخْيِير فِي شَرط الْبر
وَلَو قَالَ لَا أَدخل هَذِه الدَّار أَو لَا أَدخل هَذِه الدَّار (فَأَي الدَّاريْنِ دخل حنث فِي يَمِينه لِأَنَّهُ ذكرهَا فِي مَوضِع النَّفْي فَكَانَت بِمَعْنى وَلَا
وَلَو قَالَ وَالله لَا أَدخل هَذِه الدَّار أَو أَدخل هَذِه الدَّار) الْأُخْرَى فَإِن دخل الأولى حنث فِي يَمِينه وَإِن دخل الثَّانِيَة أَولا بر فِي يَمِينه حَتَّى إِذا دخل الأولى بعد ذَلِك لَا يَحْنَث بِمَنْزِلَة قَوْله لَا أَدخل هَذِه الدَّار حَتَّى أَدخل هَذِه الدَّار فَكَأَن الدُّخُول فِي الْأُخْرَى غَايَة ليمينه فَإِذا دَخلهَا انْتَهَت الْيَمين وَإِن لم يدخلهَا حَتَّى دخل الأولى حنث لوُجُود الشَّرْط فِي فِيهِ للنَّفْي فِي أحد الْجَانِبَيْنِ ويتعذر إِثْبَات معنى الْعَطف لعدم المجانسة بَين الْمَذْكُورين فَيجْعَل بِمَعْنى الْغَايَة لِأَن حُرْمَة الدُّخُول الثَّابِت بِالْيَمِينِ يحْتَمل الامتداد فيليق بِهِ ذكر الْغَايَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى لَيْسَ لَك حَال بَقَاء الْيَمين وَإِنَّمَا
(1/217)


جَعَلْنَاهُ هَكَذَا لِأَنَّهُ يتَعَذَّر اعْتِبَار معنى التَّخْيِير {من الْأَمر شَيْء أَو يَتُوب عَلَيْهِم} فَإِنَّهُ لَا يُمكن حمل الْكَلِمَة على الْعَطف إِذْ الْفِعْل لَا يعْطف على الِاسْم والمستقبل لَا يعْطف على الْمَاضِي وَنفي الْأَمر يحْتَمل الامتداد فَيجْعَل قَوْله {أَو يَتُوب} بِمَعْنى الْغَايَة وَلِأَنَّهُ نفي الدُّخُول فِي الدَّار الأولى فَإِذا دخل فِيهَا أَولا يَجْعَل كَأَن الْمَذْكُور آخرا من جنسه نفي فَيحنث بِالدُّخُولِ فِيهَا لهَذَا وَأثبت الدُّخُول فِي الدَّار الثَّانِيَة فَإِذا دَخلهَا أَولا يَجْعَل كَأَن الْأَخير من جنسه إِثْبَات كَمَا فِي قَوْله لأدخلن هَذِه الدَّار أَو لأدخلن هَذِه الدَّار
فصل
وَأما حَتَّى فَهِيَ للغاية بِاعْتِبَار أصل الْوَضع بِمَنْزِلَة إِلَى هُوَ الْمَعْنى الْخَاص الَّذِي لأَجله وضعت الْكَلِمَة قَالَ تَعَالَى {هِيَ حَتَّى مطلع الْفجْر} وَقَالَ تَعَالَى {حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد} وَقَالَ تَعَالَى {حَتَّى يَأْذَن لي أبي} وَقَالَ تَعَالَى {حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين} فَمَتَى كَانَ مَا قبلهَا بِحَيْثُ يحْتَمل الامتداد وَمَا بعْدهَا يصلح للانتهاء بِهِ كَانَت عاملة فِي حَقِيقَة الْغَايَة وَلِهَذَا قُلْنَا إِذا حلف أَن يلازم غَرِيمه حَتَّى يَقْضِيه ثمَّ فَارقه قبل أَن يَقْضِيه دينه حنث لِأَن الْمُلَازمَة تحْتَمل الامتداد وَقَضَاء الدّين يصلح مَنْهِيّا للملازمة
وَقَالَ فِي الزِّيَادَات لَو قَالَ عَبده حر إِن لم أضربك حَتَّى تَشْتَكِي يَدي أَو حَتَّى اللَّيْل أَو حَتَّى تصبح أَو حَتَّى يشفع فلَان ثمَّ ترك ضربه قبل هَذِه الْأَشْيَاء حنث لِأَن الضَّرْب بطرِيق التّكْرَار يحْتَمل الامتداد وَالْمَذْكُور بعد الْكَلِمَة صَالح للانتهاء فَيجْعَل غَايَة حَقِيقَة وَإِذا أقلع عَن الضَّرْب قبل الْغَايَة حنث إِلَّا فِي مَوضِع يغلب على الْحَقِيقَة عرف فَيعْتَبر ذَلِك لِأَن الثَّابِت بِالْعرْفِ ظَاهرا بِمَنْزِلَة الْحَقِيقَة حَتَّى لَو قَالَ إِن لم أضربك حَتَّى أَقْتلك أَو حَتَّى تَمُوت فَهَذَا على الضَّرْب الشَّديد بِاعْتِبَار الْعرف فَإِنَّهُ مَتى كَانَ قَصده الْقَتْل لَا يذكر لفظ الضَّرْب وَإِنَّمَا يذكر ذَلِك إِذا لم يكن قَصده الْقَتْل وَجعل الْقَتْل
(1/218)


غَايَة لبَيَان شدَّة الضَّرْب عَادَة
وَلَو قَالَ حَتَّى يغشى عَلَيْك أَو حَتَّى تبْكي فَهَذَا على حَقِيقَة الْغَايَة لِأَن الضَّرْب إِلَى هَذِه الْغَايَة مُعْتَاد
وَقد تسْتَعْمل الْكَلِمَة للْعَطْف فَإِن بَين الْعَطف والغاية مُنَاسبَة بِمَعْنى التَّعَاقُب وَلَكِن مَعَ وجود معنى الْغَايَة فِيهَا
يَقُول الرجل جَاءَنِي الْقَوْم حَتَّى زيد وَرَأَيْت الْقَوْم حَتَّى زيدا فَيكون للْعَطْف مَعَ اعْتِبَار معنى الْغَايَة لِأَنَّهُ يفهم بِهَذَا أَن زيدا أفضل الْقَوْم أَو أرذلهم
وَقد يدْخل بِمَعْنى الْعَطف على جملَة فَإِن ذكر لَهُ خَبرا فَهُوَ خَبره وَإِلَّا فخبره من جنس مَا سبق
يَقُول الرجل مَرَرْت بالقوم حَتَّى زيد غَضْبَان وَتقول أكلت السَّمَكَة حَتَّى رَأسهَا فَهَذَا مِمَّا لم يذكر خَبره وَهُوَ من جنس مَا سبق على احْتِمَال أَن يكون هُوَ الْأكل أَو غَيره وَلكنه إِخْبَار بِأَن رَأسهَا مَأْكُول أَيْضا
وَلَو قَالَ حَتَّى رَأسهَا بِالنّصب كَانَ هَذَا عطفا أَي وأكلت رَأسهَا أَيْضا وَلَكِن بِاعْتِبَار معنى الْغَايَة
وَمثل هَذَا فِي الْأَفْعَال تكون للجزاء إِذا كَانَ مَا قبلهَا يصلح سَببا لذَلِك وَمَا بعْدهَا يصلح أَن يكون جَزَاء فَيكون بِمَعْنى لَام كي قَالَ تَعَالَى {وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة} أَي لكيلا تكون فتْنَة وَقَالَ تَعَالَى {وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول} وَالْقِرَاءَة بِالنّصب تحْتَمل الْغَايَة مَعْنَاهُ إِلَى أَن يَقُول الرَّسُول فَيكون قَول الرَّسُول نِهَايَة من غير أَن يكون بِنَاء على مَا سبق كَمَا هُوَ مُوجب الْغَايَة أَنه لَا أثر لَهُ فِيمَا جعل غَايَة لَهُ وَيحْتَمل لكَي يَقُول الرَّسُول وَالْقِرَاءَة بِالرَّفْع تكون بِمَعْنى الْعَطف أَي وَيَقُول الرَّسُول
وعَلى هَذَا قَالَ فِي الزِّيَادَات إِذا قَالَ إِن لم آتِك غَدا حَتَّى تغديني فَعَبْدي حر فَأَتَاهُ فَلم يغده لَا يَحْنَث لِأَن الْإِتْيَان لَيْسَ بمستدام فَلَا يحْتَمل الْكَلِمَة بِمَعْنى حَقِيقَة الْغَايَة وَمَا بعده يصلح جَزَاء فَيكون الْمَعْنى لكَي تغديني فقد جعل شَرط بره الْإِتْيَان على هَذَا الْقَصْد وَقد وجد وَكَذَلِكَ لَو قَالَ إِن لم تأتني حَتَّى أغديك فَأَتَاهُ وَلم يغده لم يَحْنَث
وَقد يستعار للْعَطْف الْمَحْض كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي الْقِرَاءَة بِالرَّفْع وَلَكِن هَذَا إِذا كَانَ الْمَذْكُور بعده لَا يصلح للجزاء فَيعْتَبر مُجَرّد الْمُنَاسبَة بَين الْعَطف والغاية فِي الِاسْتِعَارَة
وعَلى هَذَا قَالَ فِي الزِّيَادَات إِذا قَالَ إِن لم آتِك حَتَّى أتغدى عنْدك الْيَوْم أَو إِن لم تأتني حَتَّى تتغدى عِنْدِي الْيَوْم فَأَتَاهُ ثمَّ لم يتغد عِنْده فِي ذَلِك الْيَوْم حنث لِأَن الْكَلِمَة بِمَعْنى الْعَطف فَإِن الْفِعْلَيْنِ من وَاحِد فَلَا يصلح الثَّانِي أَن يكون جَزَاء للْأولِ فَحمل على الْعَطف الْمَحْض لتصحيح الْكَلَام وَشرط الْبر وجود الْأَمريْنِ فِي الْيَوْم فَإِذا لم يوجدا حنث
(1/219)


فَإِن قيل أهل النَّحْو لَا يعْرفُونَ هَذَا فَإِنَّهُم لَا يَقُولُونَ رَأَيْت زيدا حَتَّى عمرا بِاعْتِبَار الْعَطف قُلْنَا قد بَينا أَن فِي الاستعارات لَا يعْتَبر السماع وَإِنَّمَا يعْتَبر الْمَعْنى الصَّالح للاستعارة وَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ من الْمُنَاسبَة معنى صَالح لذَلِك فَهِيَ اسْتِعَارَة بديعة بنى عُلَمَاؤُنَا رَحِمهم الله جَوَاب الْمَسْأَلَة عَلَيْهَا مَعَ أَن قَول مُحَمَّد رَحمَه الله حجَّة فِي اللُّغَة فَإِن أَبَا عبيد وَغَيره احْتج بقوله وَذكر ابْن السراج أَن الْمبرد سُئِلَ عَن معنى الغزالة فَقَالَ هِيَ الشَّمْس قَالَه مُحَمَّد بن الْحسن رَحمَه الله وَكَانَ فصيحا فَإِنَّهُ قَالَ لخادم لَهُ يَوْمًا انْظُر هَل دلكت الغزالة فَخرج ثمَّ دخل فَقَالَ لم أر الغزالة
وَإِنَّمَا أَرَادَ مُحَمَّد هَل زَالَت الشَّمْس فعلى هَذَا يجوز أَن يَقُول الرجل رَأَيْت زيدا حَتَّى عمرا بِمَعْنى الْعَطف إِلَّا أَن الأولى أَن يَجْعَل هَذَا بِمَعْنى الْفَاء دون الْوَاو لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا للْعَطْف وَلَكِن فِي الْفَاء معنى التعقيب فَهُوَ أقرب إِلَى معنى الْمُنَاسبَة كَمَا بَينا
فصل
وَأما إِلَى فَهِيَ لانْتِهَاء الْغَايَة وَلِهَذَا تسْتَعْمل الْكَلِمَة فِي الْآجَال والديون قَالَ تَعَالَى {إِلَى أجل مُسَمّى} وعَلى هَذَا لَو قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق إِلَى شهر فَإِن نوى التَّنْجِيز فِي الْحَال تطلق وَيَلْغُو آخر كَلَامه وَإِن نوى التَّأْخِير يتَأَخَّر الْوُقُوع إِلَى مُضِيّ الشَّهْر وَإِن لم يكن لَهُ نِيَّة فعلى قَول زفر رَحمَه الله يَقع فِي الْحَال لِأَن تَأْخِير الشَّيْء لَا يمْنَع ثُبُوت أَصله (فَيكون بِمَنْزِلَة التَّأْجِيل فِي الدّين لَا يمْنَع ثُبُوت أَصله) وَعِنْدنَا لَا يَقع لِأَن الْكَلِمَة للتأخير فِيمَا يقرن بِهِ بِاعْتِبَار أصل الْوَضع وَقد قرنها بِأَصْل الطَّلَاق وَأَصلهَا يحْتَمل التَّأْخِير فِي التَّعْلِيق بِمُضِيِّ شهر أَو بِالْإِضَافَة إِلَى مَا بعد شهر فَأَما أصل الْيَمين لَا يحْتَمل التَّأْخِير فِي التَّعْلِيق وَالْإِضَافَة فَلهَذَا حملنَا الْكَلِمَة هُنَاكَ على تَأْخِير الْمُطَالبَة
ثمَّ من الغايات بِهَذِهِ الْكَلِمَة مَا لَا يدْخل كَقَوْلِه تَعَالَى {ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل} وَمِنْهَا مَا يدْخل كَقَوْلِه {وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق} وَالْحَاصِل فِيهِ أَن مَا يكون من الغايات قَائِما بِنَفسِهِ فَإِنَّهُ لَا يدْخل لِأَنَّهُ حد وَلَا يدْخل الْحَد فِي الْمَحْدُود وَلِهَذَا لَو قَالَ لفُلَان من هَذَا الْحَائِط إِلَى هَذَا كَانَ أصل الْكَلَام متناولا للغاية كَانَ ذكر الْغَايَة لإِخْرَاج مَا وَرَاءَهَا فَيبقى مَوضِع الْغَايَة دَاخِلا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق} الْحَائِط لَا يدْخل الحائطان فِي الْإِقْرَار
(1/220)


وَمَا لَا يكون قَائِما بِنَفسِهِ فَإِن فَإِن الِاسْم عِنْد الْإِطْلَاق يتَنَاوَل الْجَارِحَة إِلَى الْإِبِط فَذكر الْغَايَة لإِخْرَاج مَا وَرَاءَهَا وَإِن كَانَ أصل الْكَلَام لَا يتَنَاوَل مَوضِع الْغَايَة أَو فِيهِ شكّ فَذكر الْغَايَة لمد الحكم إِلَى موضعهَا فَلَا تدخل الْغَايَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {إِلَى اللَّيْل} فَإِن الصَّوْم عبارَة عَن الْإِمْسَاك ومطلقه لَا يتَنَاوَل إِلَّا سَاعَة فَذكر الْغَايَة لمد الحكم إِلَى مَوضِع الْغَايَة وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله الْغَايَة تدخل فِي الْخِيَار لِأَن مطلقه يَقْتَضِي التَّأْبِيد وَلِأَن فِي لُزُوم البيع فِي مَوضِع الْغَايَة شكا وَفِي الْآجَال والإجارات لَا تدخل الغايات لِأَن الْمُطلق لَا يَقْتَضِي التَّأْبِيد وَفِي تَأْخِير الْمُطَالبَة وتمليك الْمَنْفَعَة فِي مَوضِع الْغَايَة شكّ وَفِي الْيَمين إِذا حلف لَا يكلم فلَانا إِلَى وَقت كَذَا تدخل الْغَايَة فِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله لِأَن مطلقه يَقْتَضِي التَّأْبِيد فَذكر الْغَايَة لإِخْرَاج مَا وَرَاءَهَا وَلَا تدخل فِي ظَاهر الرِّوَايَة لِأَن فِي حُرْمَة الْكَلَام وَوُجُوب الْكَفَّارَة فِي الْكَلَام فِي مَوضِع الْغَايَة شكا
وعَلى هَذَا قَالَ زفر رَحمَه الله إِذا قَالَ لفُلَان عَليّ من دِرْهَم إِلَى عشرَة أَو قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق من وَاحِدَة إِلَى ثَلَاث لَا تدخل الغايتان لِأَن الْغَايَة حد والمحدود غير الْحَد
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تدخل الغايتان لِأَن هَذِه الْغَايَة لَا تقوم بِنَفسِهَا فَلَا تكون غَايَة مَا لم تكن ثَانِيَة
وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله الْغَايَة الثَّانِيَة لَا تدخل لِأَن مُطلق الْكَلَام لَا يتَنَاوَلهُ وَفِي ثُبُوته شكّ وَلَكِن الْغَايَة الأولى تدخل للضَّرُورَة لِأَن الثَّانِيَة دَاخِلَة فِي الْكَلَام وَلَا تكون ثَانِيَة قبل دُخُول الأولى
فصل
وَأما على فَهُوَ للإلزام بِاعْتِبَار أصل الْوَضع لِأَن معنى حَقِيقَة الْكَلِمَة من علو الشَّيْء على الشَّيْء وارتفاعه فَوْقه وَذَلِكَ قَضِيَّة الْوُجُوب واللزوم وَلِهَذَا لَو قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم أَن مطلقه مَحْمُول على الدّين إِلَّا
ثمَّ تسْتَعْمل الْكَلِمَة للشّرط بِاعْتِبَار أَن الْجَزَاء يتَعَلَّق بِالشّرطِ وَيكون لَازِما عِنْد وجوده
وَبَيَان هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى {يبايعنك على أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا} أَن يصل بِكَلَامِهِ وَدِيعَة لِأَن
(1/221)


حَقِيقَته اللُّزُوم فِي الدّين وَقَالَ تَعَالَى {حقيق على أَن لَا أَقُول على الله إِلَّا الْحق} وعَلى هَذَا قَالَ فِي السّير إِذا قَالَ رَأس الْحصن آمنوني على عشرَة من أهل الْحصن إِن الْعشْرَة سواهُ وَالْخيَار فِي تعيينهم إِلَيْهِ لِأَنَّهُ شَرط ذَلِك لنَفسِهِ بِكَلِمَة على بِخِلَاف مَا لَو قَالَ آمنوني وَعشرَة أَو فعشرة أَو ثمَّ عشرَة فَالْخِيَار فِي تعْيين الْعشْرَة إِلَى من آمنهم لِأَن الْمُتَكَلّم عطف أمانهم على أَمَان نَفسه من غير أَن شَرط لنَفسِهِ فِي أمانهم شَيْئا
وَقد تستعار الْكَلِمَة بِمَعْنى الْبَاء الَّذِي يصحب الأعواض لما بَين الْعِوَض والمعوض من اللُّزُوم والاتصال فِي الْوُجُوب حَتَّى إِذا قَالَ بِعْت مِنْك هَذَا الشَّيْء على ألف دِرْهَم أَو آجرتك شهرا على دِرْهَم يكون بِمَعْنى الْبَاء لِأَن البيع وَالْإِجَارَة لَا تحْتَمل التَّعْلِيق بِالشّرطِ فَيحمل على هَذَا الْمُسْتَعَار لتصحيح الْكَلَام وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله إِذا قَالَت الْمَرْأَة لزَوجهَا طَلقنِي ثَلَاثًا على ألف دِرْهَم فَطلقهَا وَاحِدَة يجب ثلث الْألف بِمَنْزِلَة مَا لَو قَالَت بِأَلف دِرْهَم لِأَن الْخلْع عقد مُعَاوضَة
وَأَبُو حنيفَة رَحمَه الله يَقُول لَا يجب عَلَيْهَا شَيْء من الْألف وَيكون الْوَاقِع رَجْعِيًا لِأَن الطَّلَاق يحْتَمل التَّعْلِيق بِالشّرطِ وَإِن كَانَ مَعَ ذكر الْعِوَض وَلِهَذَا كَانَ بِمَنْزِلَة الْيَمين من الزَّوْج حَتَّى لَا يملك الرُّجُوع عَنهُ قبل قبُولهَا وَحَقِيقَة الْكَلِمَة للشّرط فَإِذا كَانَت مَذْكُورَة فِيمَا يحْتَمل معنى الشَّرْط يحمل عَلَيْهِ دون الْمجَاز وعَلى اعْتِبَار الشَّرْط لَا يلْزمهَا شَيْء من المَال لِأَنَّهَا شرطت إِيقَاع الثَّلَاث ليتم رِضَاهَا بِالْتِزَام المَال وَالشّرط يُقَابل الْمَشْرُوط جملَة وَلَا يُقَابله أَجزَاء وَقد يكون على بِمَعْنى من قَالَ تَعَالَى {إِذا اكتالوا على النَّاس يستوفون} أَي من النَّاس
فصل
وَكلمَة من للتَّبْعِيض بِاعْتِبَار أصل الْوَضع وَقد تكون لابتداء الْغَايَة يَقُول الرجل خرجت من الْكُوفَة وَقد تكون للتمييز يُقَال بَاب من حَدِيد وثوب من قطن وَقد تكون بِمَعْنى الْبَاء قَالَ تَعَالَى {يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله} أَي بِأَمْر الله وَقد تكون صلَة قَالَ تَعَالَى {يغْفر لكم من ذنوبكم} وَقَالَ تَعَالَى {فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان}
(1/222)


وَفِي حمله على الصِّلَة يعْتَبر تعذر حمله على معنى وضع لَهُ بِاعْتِبَار الْحَقِيقَة أَو يستعار لَهُ مجَازًا وَتعْتَبر الْحَاجة إِلَى إتْمَام الْكَلَام بِهِ لِئَلَّا يخرج من أَن يكون مُفِيدا
وعَلى هَذَا قَالَ فِي الْجَامِع إِن كَانَ مَا فِي يَدي من الدَّرَاهِم إِلَّا ثَلَاثَة فَإِذا فِي يَده أَرْبَعَة فَهُوَ حانث لِأَن الدِّرْهَم الرَّابِع بعض الدَّرَاهِم وَكلمَة من للتَّبْعِيض
وَلَو قَالَت الْمَرْأَة لزَوجهَا اخلعني على مَا فِي يَدي من الدَّرَاهِم فَإِذا فِي يَدهَا دِرْهَم أَو دِرْهَمَانِ تلزمها ثَلَاثَة دَرَاهِم لِأَن من هُنَا صلَة لتصحيح الْكَلَام فَإِن الْكَلَام لَا يَصح إِلَّا بهَا حَتَّى إِذا قَالَت اخلعني على مَا فِي يَدي دَرَاهِم كَانَ الْكَلَام مختلا وَفِي الأول لَو قَالَ إِن كَانَ فِي يَدي دَرَاهِم كَانَ الْكَلَام صَحِيحا فَعمل الْكَلِمَة فِي التَّبْعِيض لَا فِي تَصْحِيح الْكَلَام
وَقد بَينا الْمسَائِل على هَذِه الْكَلِمَة فِيمَا سبق
فصل
وَأما فِي فَهِيَ للظرف بِاعْتِبَار أصل الْوَضع يُقَال دَرَاهِم فِي صرة
وعَلى اعْتِبَار هَذِه الْحَقِيقَة قُلْنَا إِذا قَالَ لغيره غصبتك ثوبا فِي منديل أَو تَمرا فِي قوصرة يلْزمه رد كليهمَا لِأَنَّهُ أقرّ (بِغَصب مظروف فِي ظرف فَلَا يتَحَقَّق ذَلِك إِلَّا) بغصبه لَهما
ثمَّ الظّرْف أَنْوَاع ثَلَاثَة ظرف الزَّمَان وظرف الْمَكَان وظرف الْفِعْل
فَأَما ظرف الزَّمَان فبيانه فِيمَا إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق فِي غَد فَإِنَّهَا تطلق غَدا بِاعْتِبَار أَنه جعل الْغَد ظرفا وصلاحية الزَّمَان ظرفا للطَّلَاق من حَيْثُ إِنَّه يَقع فِيهِ فَتَصِير مَوْصُوفَة فِي ذَلِك الزَّمَان بِأَنَّهَا طَالِق فَعِنْدَ الْإِطْلَاق كَمَا طلع الْفجْر تطلق فتتصف بِالطَّلَاق فِي جَمِيع الْغَد بِمَنْزِلَة مَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق غَدا وَإِن قَالَ نَوَيْت آخر النَّهَار لم يصدق عِنْدهمَا فِي الْقَضَاء كَمَا فِي قَوْله غَدا لِأَنَّهُ نوى التَّخْصِيص فِيمَا يكون مُوجبه الْعُمُوم
وَعند أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ يدين فِي الْقَضَاء لِأَن ذكر حرف الظّرْف دَلِيل على أَن المُرَاد جُزْء من الْغَد فالوقوع إِنَّمَا يكون فِي جُزْء وَلَكِن ذَلِك الْجُزْء مُبْهَم فِي كَلَامه فَعِنْدَ عدم النِّيَّة قُلْنَا كَمَا وجد جُزْء من الْغَد تطلق فَإِذا نوى آخر النَّهَار كَانَ هَذَا بَيَانا للمبهم وَهُوَ مُصدق فِي بَيَان مُبْهَم كَلَامه فِي الْقَضَاء بِخِلَاف قَوْله غَدا فاللفظ هُنَاكَ
(1/223)


متناول لجَمِيع الْغَد فنية آخر النَّهَار تكون تَخْصِيصًا وعَلى هَذَا لَو قَالَ إِن صمت الشَّهْر فَهُوَ على صَوْم جَمِيع الشَّهْر وَلَو قَالَ إِن صمت فِي الشَّهْر فَهُوَ على صَوْم سَاعَة بِاعْتِبَار الْمَعْنى الَّذِي قُلْنَا
وَأما ظرف الْمَكَان فبيانه فِي قَوْله أَنْت طَالِق فِي الدَّار أَو فِي الْكُوفَة فَإِنَّهُ يَقع الطَّلَاق عَلَيْهَا حَيْثُمَا تكون لِأَن الْمَكَان لَا يصلح ظرفا (للطَّلَاق) فَإِن الطَّلَاق إِذا وَقع فِي مَكَان فَهُوَ وَاقع فِي الْأَمْكِنَة كلهَا وَهِي إِذا اتصفت بِالطَّلَاق فِي مَكَان تتصف بِهِ فِي الْأَمْكِنَة كلهَا إِلَّا أَن يَقُول عنيت إِذا دخلت فَحِينَئِذٍ لَا يَقع الطَّلَاق مَا لم تدخل بِاعْتِبَار أَنه كنى بِالْمَكَانِ عَن الْفِعْل الْمَوْجُود فِيهِ أَو أضمر الْفِعْل فِي كَلَامه فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنْت طَالِق فِي دخولك الدَّار وَهَذَا هُوَ ظرف الْفِعْل على معنى أَن الْفِعْل لَا يصلح ظرفا للطَّلَاق حَقِيقَة وَلَكِن بَين الظّرْف وَالشّرط مُنَاسبَة من حَيْثُ الْمُقَارنَة أَو من حَيْثُ تعلق الْجَزَاء بِالشّرطِ بِمَنْزِلَة قوام المظروف بالظرف فَتَصِير الْكَلِمَة بِمَعْنى الشَّرْط مجَازًا
ثمَّ إِن كَانَ الْفِعْل سَابِقًا أَو مَوْجُودا فِي الْحَال يكون تنجيزا وَإِن كَانَ منتظرا يتَعَلَّق الْوُقُوع بِوُجُودِهِ كَمَا هُوَ حكم الشَّرْط
وعَلى هَذَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق فِي حيضتك وَهِي حَائِض تطلق فِي الْحَال وَإِن قَالَ أَنْت طَالِق فِي مَجِيء حيضتك فَإِنَّهَا لَا تطلق حَتَّى تحيض
وَقَالَ فِي الْجَامِع إِذا قَالَ أَنْت طَالِق فِي مَجِيء يَوْم لم تطلق حَتَّى يطلع الْفجْر من الْغَد وَلَو قَالَ فِي مُضِيّ يَوْم فَإِن قَالَ ذَلِك بِاللَّيْلِ فَهِيَ طَالِق كَمَا غربت الشَّمْس من الْغَد وَإِن قَالَ ذَلِك بِالنَّهَارِ لم تطلق حَتَّى يَجِيء مثل هَذِه السَّاعَة من الْغَد
وعَلى هَذَا قَالَ فِي السّير الْكَبِير إِذا قَالَ رَأس الْحصن آمنوني فِي عشرَة فَهُوَ أحد الْعشْرَة لِأَن معنى الظّرْف فِي الْعدَد بِهَذَا يتَحَقَّق وَالْخيَار فِي التِّسْعَة إِلَى الَّذِي آمنهم لَا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ مَا شَرط لنَفسِهِ شَيْئا فِي أَمَان من ضمهم إِلَى نَفسه ليكونوا عشرَة
وَلَو قَالَ لفُلَان عَليّ عشرَة دَرَاهِم فِي عشرَة تلْزمهُ عشرَة لِأَن الْعدَد لَا يصلح ظرفا لمثله بِلَا شُبْهَة إِلَّا أَن يَعْنِي حرف مَعَ فَإِن فِي يَأْتِي بِمَعْنى مَعَ قَالَ تَعَالَى {فادخلي فِي عبَادي} أَي مَعَ عبَادي فَإِذا قَالَ ذَلِك فَحِينَئِذٍ
وكما أَن فِي يكون بِمَعْنى مَعَ يكون بِمَعْنى من قَالَ تَعَالَى {وارزقوهم فِيهَا} يلْزمه عشرُون وَلَكِن
(1/224)


بِدُونِ هَذِه النِّيَّة لَا يلْزمه لِأَن المَال بِالشَّكِّ لَا يجب أَي مِنْهَا
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق وَاحِدَة فِي وَاحِدَة فَهِيَ طَالِق وَاحِدَة إِلَّا أَن يَقُول نَوَيْت مَعَ فَحِينَئِذٍ تطلق اثْنَتَيْنِ دخل بهَا أم لم يدْخل بهَا وَإِن قَالَ عنيت الْوَاو فَذَلِك صَحِيح أَيْضا على مَا هُوَ مَذْهَب أهل النَّحْو أَن أَكثر حُرُوف الصلات يُقَام بَعْضهَا مقَام بعض فَعِنْدَ هَذِه النِّيَّة تطلق اثْنَتَيْنِ إِن كَانَ دخل بهَا وَوَاحِدَة إِن لم يدْخل بهَا بِمَنْزِلَة قَوْله وَاحِدَة وَوَاحِدَة
وَقَالَ فِي الزِّيَادَات إِذا قَالَ أَنْت طَالِق فِي مَشِيئَة الله أَو فِي إِرَادَته لم تطلق بِمَنْزِلَة قَوْله إِن شَاءَ الله كَمَا جعل قَوْله فِي دخولك الدَّار بِمَنْزِلَة قَوْله إِن دخلت الدَّار إِلَّا فِي قَوْله فِي علم الله فَإِنَّهَا تطلق لِأَن الْعلم يسْتَعْمل عَادَة بِمَعْنى الْمَعْلُوم يُقَال علم أبي حنيفَة وَيَقُول الرجل اللَّهُمَّ اغْفِر لنا علمك فِينَا أَي معلومك وعَلى هَذَا الْمَعْنى يَسْتَحِيل جعله بِمَعْنى الشَّرْط
فَإِن قيل لَو قَالَ فِي قدرَة الله لم تطلق وَقد تسْتَعْمل الْقُدْرَة بِمَعْنى الْمَقْدُور فقد يَقُول من يستعظم شَيْئا هَذِه قدرَة الله تَعَالَى
قُلْنَا معنى هَذَا الِاسْتِعْمَال أَنه أثر قدرَة الله تَعَالَى إِلَّا أَنه قد يُقَام الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَام الْمُضَاف وَمثله لَا يتَحَقَّق فِي الْعلم
وَمن هَذَا الْجِنْس أَسمَاء الظروف وَهِي مَعَ وَقبل وَبعد وَعند
فَأَما مَعَ فَهِيَ للمقارنة حَقِيقَة وَإِن كَانَ قد تسْتَعْمل بِمَعْنى بعد قَالَ تَعَالَى {إِن مَعَ الْعسر يسرا} وعَلى اعْتِبَار حَقِيقَة الْوَضع قُلْنَا إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق وَاحِدَة مَعَ وَاحِدَة تطلق اثْنَتَيْنِ سَوَاء دخل بهَا أَو لم يدْخل بهَا وَكَذَلِكَ لَو قَالَ مَعهَا وَاحِدَة لِأَنَّهُمَا تقترنان فِي الْوُقُوع فِي الْوَجْهَيْنِ
وَلَو قَالَ لفُلَان عَليّ مَعَ كل دِرْهَم من هَذِه الدَّرَاهِم الْعشْرَة دِرْهَم فَعَلَيهِ عشرُون درهما
وَأما قبل فَهِيَ للتقديم قَالَ تَعَالَى {من قبل أَن نطمس وُجُوهًا} وَلِهَذَا لَو قَالَ لامْرَأَته وَقت الضحوة أَنْت طَالِق قبل غرُوب الشَّمْس تطلق للْحَال بِخِلَاف
(1/225)


الْملك الَّذِي كَانَ للمورث فَإِن الوارثة خلَافَة وَقد بَينا أَن عِنْده اسْتِصْحَاب الْحَال فِيمَا يرجع إِلَى الْإِبْقَاء حجَّة على الْغَيْر وَلَكنَّا نقُول هَذَا الْبَقَاء حق الْمُورث فَأَما فِي حق الْوَارِث فصفة الْمَالِكِيَّة تثبت لَهُ ابْتِدَاء واستصحاب الْحَال لَا يكون حجَّة فِيهِ بِوَجْه وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله إِذا ادّعى عينا فِي يَد إِنْسَان أَنه لَهُ مِيرَاث من أَبِيه وَأقَام الشَّاهِدين فشهدا أَن هَذَا كَانَ لِأَبِيهِ لم تقبل هَذِه الشَّهَادَة وَفِي قَول أبي يُوسُف الآخر تقبل لِأَن الوارثة خلَافَة فَإِنَّمَا يبْقى للْوَارِث الْملك الَّذِي كَانَ للمورث وَلِهَذَا يرد بِالْعَيْبِ وَيصير مغرورا فِيمَا اشْتَرَاهُ الْمُورث وَمَا ثَبت فَهُوَ بَاقٍ لاستغناء الْبَقَاء عَن دَلِيل وهما يَقُولَانِ فِي حق الْوَارِث هَذَا فِي معنى ابْتِدَاء التَّمَلُّك لِأَن صفة الْمَالِكِيَّة تثبت لَهُ فِي هَذَا المَال بعد أَن لم يكن مَالِكًا وَإِنَّمَا يكون الْبَقَاء فِي حق الْمُورث أَن لَو حضر بِنَفسِهِ يدعى أَن الْعين ملكه فَلَا جرم إِذا شهد الشَّاهِدَانِ أَنه كَانَ لَهُ كَانَت شَهَادَة مَقْبُولَة كَمَا إِذا شَهدا أَنه لَهُ فَأَما إِذا كَانَ الْمُدعى هُوَ الْوَارِث وَصفَة الْمَالِكِيَّة للْوَارِث تثبت ابْتِدَاء بعد موت الْمُورث فَهَذِهِ الشَّهَادَة لَا تكون حجَّة للْقَضَاء بِالْملكِ لَهُ لِأَن طَرِيق الْقَضَاء بهَا اسْتِصْحَاب الْحَال وَذَلِكَ غير صَحِيح
فصل
وَمن هَذِه الْجُمْلَة الإستدلال بتعارض الْأَشْبَاه وَذَلِكَ نَحْو احتجاج زفر رَحمَه الله فِي أَنه لَا يجب غسل الْمرَافِق فِي الْوضُوء لِأَن من الغايات مَا يدْخل وَمِنْهَا مَا لَا يدْخل فَمَعَ الشَّك لَا تثبت فَرضِيَّة الْغسْل فِيمَا هُوَ غَايَة بِالنَّصِّ لِأَن هَذَا فِي الْحَقِيقَة احتجاج بِلَا دَلِيل لإِثْبَات حكم فَإِن الشَّك الَّذِي يَدعِيهِ أَمر حَادث فَلَا يثبت حُدُوثه إِلَّا بِدَلِيل فَإِن قَالَ دَلِيله تعَارض الْأَشْبَاه قُلْنَا وتعارض الْأَشْبَاه أَيْضا حَادث فَلَا يثبت إِلَّا بِالدَّلِيلِ فَإِن قَالَ الدَّلِيل عَلَيْهِ مَا أعده من الغايات مِمَّا يدْخل بِالْإِجْمَاع وَمَا لَا يدْخل بِالْإِجْمَاع قُلْنَا وَهل تعلم أَن هَذَا الْمُتَنَازع فِيهِ من أحد النَّوْعَيْنِ بِدَلِيل فَإِن قَالَ أعلم ذَلِك قُلْنَا فَإِذن عَلَيْك أَن لَا تشك فِيهِ بل
(1/226)


تلْحقهُ بِمَا هُوَ من نَوعه بدليله وَإِن قَالَ لَا أعلم ذَلِك قُلْنَا قد اعْترفت بِالْجَهْلِ فَإِن كَانَ هَذَا مِمَّا يُمكن الْوُقُوف عَلَيْهِ بِالطَّلَبِ فَإِنَّمَا جهلته عَن تَقْصِير مِنْك فِي طلبه وَذَلِكَ لَا يكون حجَّة أصلا وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يُمكن الْوُقُوف عَلَيْهِ بعد الطّلب كنت مَعْذُورًا فِي الْوُقُوف فِيهِ وَلَكِن هَذَا الْعذر لَا يصير حجَّة لَك على غَيْرك مِمَّن يزْعم أَنه قد ظهر عِنْده دَلِيل إِلْحَاقه بِأحد النَّوْعَيْنِ فَعرفنَا أَن حَاصِل كَلَامه احتجاج بِلَا دَلِيل
فصل
وَمن هَذِه الْجُمْلَة الِاحْتِجَاج بالاطراد على صِحَة الْعلَّة إِمَّا وجودا أَو وجودا وعدما فَإِنَّهُ احتجاج بِلَا دَلِيل فِي الْحَقِيقَة وَمن حَيْثُ الظَّاهِر هُوَ احتجاج بِكَثْرَة أَدَاء الشَّهَادَة وَقد بَينا أَن كَثْرَة أَدَاء الشَّهَادَة وتكرارها من الشَّاهِد لَا يكون دَلِيل صِحَة شَهَادَته ثمَّ الاطراد عبارَة عَن سَلامَة الْوَصْف عَن النقوض والعوارض والناظر وَإِن بَالغ فِي الإجتهاد بِالْعرضِ على الْأُصُول الْمَعْلُومَة عِنْده فالخصم لَا يعجز من أَن يَقُول عِنْدِي أصل آخر هُوَ مُنَاقض لهَذَا الْوَصْف أَو معَارض فجهلك بِهِ لَا يكون حجَّة لَك على فَتبين من هَذَا الْوَجْه أَنه احتجاج بِلَا دَلِيل وَلكنه فَوق من تقدم فِي الإحتجاج بِهِ من حَيْثُ الظَّاهِر لِأَن من حَيْثُ الظَّاهِر الْوَصْف صَالح وَيحْتَمل أَن يكون حجَّة للْحكم إِذا ظهر أَثَره عِنْد التَّأَمُّل وَلَكِن لكَونه فِي الْحَقِيقَة اسْتِدْلَالا على صِحَّته بِعَدَمِ النقوض والعوارض لم يصلح أَن يكون حجَّة لإِثْبَات الحكم
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَن النُّصُوص بعد ثُبُوتهَا يجب الْعَمَل بهَا وَاحْتِمَال وُرُود النَّاسِخ لَا يُمكن شُبْهَة فِي الإحتجاج بهَا قبل أَن يظْهر النَّاسِخ فَكَذَلِك مَا تقدم قُلْنَا أما بعد وَفَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا احْتِمَال للنسخ فِي كل نَص كَانَ حكمه ثَابتا عِنْد وَفَاته فَأَما فِي حَال حَيَاته فَهَكَذَا نقُول إِن الِاحْتِجَاج لَا يكون صَحِيحا لِأَن احْتِمَال بَقَاء الحكم وَاحْتِمَال قيام دَلِيل النّسخ فِيهِ كَانَ بِصفة وَاحِدَة وَقد قَررنَا هَذَا فِي بَاب النّسخ
(1/227)


مَبِيعًا وَالْمَبِيع الدّين لَا يكون إِلَّا سلما وعَلى هَذَا لَو قَالَ لعَبْدِهِ إِن أَخْبَرتنِي بقدوم فلَان فَأَنت حر فَهَذَا على الْخَبَر الْحق الَّذِي يكون بعد الْقدوم لِأَن مفعول الْخَبَر مَحْذُوف هُنَا وَقد دلّ عَلَيْهِ حرف الْبَاء الَّذِي هُوَ للإلصاق كَقَوْل الْقَائِل بِسم الله أَي بدأت بِسم الله فَيكون معنى كَلَامه إِن أَخْبَرتنِي خَبرا مُلْصقًا بقدوم فلَان والقدوم اسْم لفعل مَوْجُود فَلَا يتَنَاوَل الْخَبَر بِالْبَاطِلِ
وَلَو قَالَ إِن أَخْبَرتنِي أَن فلَانا قد قدم فَهَذَا على الْخَبَر حَقًا كَانَ أَو بَاطِلا لِأَنَّهُ لما لم يذكر حرف الْبَاء فالمذكور صَالح لِأَن يكون مفعول الْخَبَر وَأَن وَمَا بعده مصدر وَالْخَبَر إِنَّمَا يكون بِكَلَام لَا يفعل فَكَأَنَّهُ قَالَ إِن أَخْبَرتنِي بِخَبَر قدوم فلَان وَالْخَبَر اسْم لكَلَام يدل على الْقدوم وَلَا يُوجد عِنْده الْقدوم لَا محَالة
وعَلى هَذَا قَالَ فِي الزِّيَادَات إِذا قَالَ أَنْت طَالِق بِمَشِيئَة الله أَو بإرادته أَو بِحكمِهِ لم تطلق وَكَذَلِكَ سَائِر أخواتها لِأَن الْبَاء للإلصاق فَيكون دَلِيلا على معنى الشَّرْط مفضيا إِلَيْهِ
وعَلى هَذَا قَالَ فِي الْجَامِع إِذا قَالَ لامْرَأَته إِن خرجت من هَذِه الدَّار إِلَّا بإذني تحْتَاج إِلَى الْإِذْن فِي كل مرّة لِأَن الْبَاء للإلصاق فَإِنَّمَا جعل الْمُسْتَثْنى خُرُوجًا مُلْصقًا بِالْإِذْنِ وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا بتجديد الْإِذْن فِي كل مرّة قَالَ تَعَالَى {وَمَا نَتَنَزَّل إِلَّا بِأَمْر رَبك} أَي مأمورين بذلك
وَلَو قَالَ إِن خرجت إِلَّا أَن آذن لَك فَهَذَا على الْإِذْن مرّة (وَاحِدَة) لِأَنَّهُ يتَعَذَّر الْحمل هَهُنَا على الِاسْتِثْنَاء لمُخَالفَة الْجِنْس فِي صِيغَة الْكَلَام فَيحمل على معنى الْغَايَة مجَازًا لما بَينهمَا من الْمُنَاسبَة وَعَلِيهِ دلّ قَوْله تَعَالَى {إِلَّا أَن يحاط بكم}
{إِلَّا أَن تقطع قُلُوبهم} أَي حَتَّى
ثمَّ قَالَ الشَّافِعِي فِي قَوْله تَعَالَى {وامسحوا برؤوسكم} إِن الْبَاء للتَّبْعِيض فَإِنَّمَا يلْزمه مسح بعض الرَّأْس وَذَلِكَ أدنى مَا يتَنَاوَلهُ الِاسْم
وَقَالَ مَالك الْبَاء صلَة للتَّأْكِيد بِمَنْزِلَة قَوْله تَعَالَى {تنْبت بالدهن} كَأَنَّهُ قَالَ وامسحوا رؤوسكم فَيلْزمهُ مسح جَمِيع الرَّأْس
وَقُلْنَا أما التَّبْعِيض فَلَا وَجه لَهُ لِأَن الْمَوْضُوع للتَّبْعِيض حرف من والتكرار والاشتراك لَا يثبت بِأَصْل الْوَضع وَلَا وَجه لحمله على الصِّلَة لما فِيهِ من معنى الإلغاء أَو الْحمل على غير فَائِدَة مَقْصُودَة
(1/228)


وَهِي التوكيد
وَلَكنَّا نقُول الْبَاء للإلصاق بِاعْتِبَار أصل الْوَضع فَإِذا قرنت بِآلَة الْمسْح يتَعَدَّى الْفِعْل بهَا إِلَى مَحل الْمسْح فَيتَنَاوَل جَمِيعه كَمَا يَقُول الرجل مسحت الْحَائِط بيَدي ومسحت رَأس الْيَتِيم بيَدي فَيتَنَاوَل كُله وَإِذا قرنت بِمحل الْمسْح يتَعَدَّى الْفِعْل بهَا إِلَى الْآلَة فَلَا تَقْتَضِي الِاسْتِيعَاب وَإِنَّمَا تَقْتَضِي إلصاق الْآلَة بِالْمحل وَذَلِكَ لَا يستوعب الْكل عَادَة ثمَّ أَكثر الْآلَة ينزل منزلَة الْكَمَال فيتأدى الْمسْح بإلصاق ثَلَاثَة أَصَابِع بِمحل الْمسْح وَمعنى التَّبْعِيض إِنَّمَا يثبت بِهَذَا الطَّرِيق لَا بِحرف الْبَاء
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَن فِي التَّيَمُّم حكم الْمسْح ثَبت بقوله تَعَالَى {فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} ثمَّ الِاسْتِيعَاب فِيهِ شَرط قُلْنَا أما على رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط فِيهِ الِاسْتِيعَاب لهَذَا الْمَعْنى وَأما على ظَاهر الرِّوَايَة فَإِنَّمَا عرفنَا الِاسْتِيعَاب هُنَاكَ إِمَّا بِإِشَارَة الْكتاب وَهُوَ أَن الله تَعَالَى أَقَامَ التَّيَمُّم فِي هذَيْن العضوين مقَام الْغسْل عِنْد تعذر الْغسْل والاستيعاب فِي الْغسْل فرض بِالنَّصِّ فَكَذَلِك فِيمَا قَامَ مقَامه أَو عرفنَا ذَلِك بِالسنةِ وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لعمَّار رَضِي الله عَنهُ يَكْفِيك ضربتان ضَرْبَة للْوَجْه وضربة للذراعين
وَمن هَذَا الْفَصْل حُرُوف الْقسم وَالْأَصْل فِيهَا بِاعْتِبَار الْوَضع الْبَاء حَتَّى يَسْتَقِيم اسْتِعْمَالهَا مَعَ إِظْهَار الْفِعْل وَمَعَ إضماره فَإِن الْبَاء للإلصاق وَهِي تدل على مَحْذُوف كَمَا بَينا وَقَول الرجل بِاللَّه بِمَعْنى أقسم (أَو أَحْلف) بِاللَّه كَمَا قَالَ تَعَالَى {يحلفُونَ بِاللَّه مَا قَالُوا} وَكَذَلِكَ يَسْتَقِيم وَصلهَا بِسَائِر الْأَسْمَاء وَالصِّفَات وَبِغير الله إِذا حلف بِهِ مَعَ التَّصْرِيح بِالِاسْمِ أَو الْكِنَايَة عَنهُ بِأَن يَقُول بِأبي أَو بك لَأَفْعَلَنَّ أَو بِهِ لَأَفْعَلَنَّ فَيصح اسْتِعْمَاله فِي جَمِيع هَذِه الْوُجُوه لمقصود الْقسم بِاعْتِبَار أصل الْوَضع
ثمَّ قد تستعار الْوَاو مَكَان الْبَاء فِي صلَة الْقسم لما بَينهمَا من الْمُنَاسبَة صُورَة وَمعنى
أما الصُّورَة فَلِأَن خُرُوج كل وَاحِد مِنْهُمَا من الْمخْرج الصَّحِيح بِضَم الشفتين وَأما الْمَعْنى فَلِأَن فِي الْعَطف إلصاق الْمَعْطُوف بالمعطوف عَلَيْهِ وحرف الْبَاء للإلصاق إِلَّا أَن الْوَاو تسْتَعْمل فِي الْمُضمر (دون الْمظهر لَا يُقَال أَحْلف وَالله لِأَنَّهُ يشبه قسمَيْنِ
(1/229)


لِأَن قَوْله وَالله وَحده قسم ظَاهرا وَكَذَا أَحْلف أَو أقسم بِخِلَاف قَوْله أَحْلف بِاللَّه فالباء لصلة الْفِعْل دون الْمُضمر لِأَن هَذَا الإستعمال لتوسعة صلَة الْقسم لَا لِمَعْنى الإلصاق فَلَو اسْتعْمل فيهمَا كَانَ مستعارا عَاما وَلَا حَاجَة إِلَى ذَلِك وَإِنَّمَا الْحَاجة إِلَى الإستعارة لصلة الْقسم حَتَّى يشبه قسمَيْنِ وَلِهَذَا لَا يسْتَعْمل مَعَ الْكِنَايَة نَحْو الْكَاف وَالْهَاء وَمَعَ الأسم الصَّرِيح يسْتَعْمل فِي جَمِيع الْأَسْمَاء وَالصِّفَات نَحْو قَوْله والرحمن والرب
ثمَّ التَّاء تسْتَعْمل أَيْضا فِي صلَة الْقسم قَالَ تَعَالَى {وتالله لأكيدن أصنامكم} وَهَذَا لما بَين حرف التَّاء وَالْوَاو من الْمُنَاسبَة فَإِنَّهُمَا من حُرُوف الزَّوَائِد فِي كَلَام الْعَرَب يُقَام أَحدهمَا مقَام الآخر فِي التراث مَعَ الوراث والتورية والوورية وَمَا أشبه ذَلِك وَلما كَانَ الْمَقْصُود بِهَذَا الإستعمال توسعة صلَة الْقسم لشدَّة الْحَاجة إِلَى ذَلِك خَاصَّة كَانَ التَّاء أخص من الْوَاو لمَكَان أَن الْوَاو مستعار لَيْسَ بِأَصْل فِي صلَة الْقسم وَلِهَذَا يخْتَص باسم الله حَتَّى لَا يَسْتَقِيم أَن يَقُول تالرحمن كَمَا يَسْتَقِيم والرحمن وَمَعَ حذف هَذِه الصلات يَسْتَقِيم الْقسم أَيْضا لاعْتِبَار معنى التَّخْفِيف والتوسعه حَتَّى إِذا قَالَ الله يكون يَمِينا وَلَكِن الْمَذْهَب عِنْد نحويى الْبَصْرَة الذّكر بِالنّصب وَعند نحويى الْكُوفَة بالخفض وَهُوَ الْأَظْهر عِنْد الْفُقَهَاء
وَمِمَّا هُوَ مَوْضُوع بِمَعْنى الْقسم قَوْله وأيم الله إِلَّا أَن الْمَذْهَب عِنْد نحويى الْكُوفَة أَن مَعْنَاهُ أَيمن وَهُوَ جمع يَمِين وَمِنْه قَول الْقَائِل: ... فَقَالَت يَمِين الله مَالك حِيلَة ... وَمَا إِن أرى عَنْك الغواية تنجلى ...
وَعند نحويى الْبَصْرَة هَذِه كلمة مَوْضُوعَة فِي صلات الْقسم لَا اشتقاق لَهَا نَحْو صه ومه والهمزة فِيهَا للوصل أَلا ترى أَنَّهَا تسْقط إِذا نقدمها حرف بِمَنْزِلَة سَائِر حُرُوف الْوَصْل وَلَو كَانَت لبِنَاء صِيغَة الْجمع لم تسْقط إِذا تقدمها حرف وَمِمَّا يُؤدى إِلَى معنى الْقسم قَوْله لعمر الله قَالَ تَعَالَى {لعمرك} وَاللَّام
(1/230)


للإبتداء وَعمر بِمَعْنى الْبَقَاء فَيكون الْمَعْنى لبَقَاء الله والبقاء من صِفَات الله تَعَالَى فَيكون هُوَ بِهَذَا اللَّفْظ مُصَرحًا بِمَا هُوَ مَقْصُود الْقسم فَيجْعَل قسما بِمَنْزِلَة قَوْله وَالله الباقى أَلا ترى أَنه لَو قَالَ لغيره جعلت لَك هذت العَبْد ملكا بِأَلف دِرْهَم كَانَ بيما لتصريحه بِمَا هُوَ مَقْصُود البيع وَيجْعَل ذَلِك بِمَنْزِلَة التَّصْرِيح بِلَفْظ البيع
وَمن ذَلِك حُرُوف الشَّرْط وهى إِن وَإِذا وَإِذا مَا وَمَتى وَمَتى مَا وَكلما وَمن وَمَا وَبِاعْتِبَار أصل الْوَضع حرف الشَّرْط على الخلوص إِن فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا معنى الْوَقْت وَإِنَّمَا يتعقبها الْفِعْل دون الأسم وهى عَلامَة الشَّرْط فَالشَّرْط فعل منتظر فِي الْمُسْتَقْبل هُوَ على خطر الْوُجُود يقْصد نَفْيه أَو إثْبَاته أَلا ترى أَنه يَسْتَقِيم أَن يَقُول إِن زرتنى أكرمتك وَإِن أعطيتنى كافيتك وَلَا يَسْتَقِيم أَن يَقُول إِن جَاءَ غَدا أكرمتك لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مجىء الْغَد معنى الْخطر وَلَا يتعقب الْكَلِمَة اسْم لِأَن معنى الْخطر فِي الْأَسْمَاء لَا يتَحَقَّق
فَإِن قيل لَا كَذَلِك فقد قَالَ الله تَعَالَى {إِن امْرُؤ هلك لَيْسَ لَهُ ولد} وَقَالَ تَعَالَى {وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا نُشُوزًا} قُلْنَا ذَلِك على معنى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير أى إِن هلك امْرُؤ وَإِن خَافت امْرَأَة فَإِن أهل اللُّغَة مجمعون على أَن الذى يتعقب حرف الشَّرْط الْفِعْل دون الأسم وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا قَالَ لامْرَأَته إِن لم أطلقك فَأَنت طَالِق إِنَّهَا لَا تطلق حَتَّى يَمُوت الزَّوْج لِأَنَّهُ جعل الشَّرْط انعدام فعل التَّطْلِيق مِنْهُ وَذَلِكَ لَا يتَيَقَّن بِهِ مَا دَامَ حَيا وَإِن مَاتَت الْمَرْأَة فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ تطلق أَيْضا قبل أَن تَمُوت بِلَا فصل لِأَن فعل التَّطْلِيق لَا يتَحَقَّق بِدُونِ الْمحل وبفوات الْمحل يتَحَقَّق الشَّرْط وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى لَا تطلق لِأَنَّهَا مَا لم تمت بِفعل التَّطْلِيق يتَحَقَّق من الزَّوْج وَبعد مَوتهَا لَا يَقع الطَّلَاق عَلَيْهَا بِخِلَاف الزَّوْج فَإِنَّهُ كَمَا أشرف على الْهَلَاك فقد وَقع الْيَأْس عَن فعل التَّطْلِيق مِنْهُ ثمَّ حكم الشَّرْط امْتنَاع ثُبُوت الحكم بِالْعِلَّةِ أصلا مالم يبطل التَّعْلِيق بِوُجُود الشَّرْط وأمثله هَذَا فِي مسَائِل الْفِقْه كَثِيرَة
وَأما إِذا فعلى قَول نحويى الْكُوفَة تسْتَعْمل هى للْوَقْت تَارَة وللشرط تَارَة
(1/231)


فيجازي بهَا مرّة إِذا أُرِيد بهَا الشَّرْط وَلَا يجازي بهَا مرّة إِذا أُرِيد بهَا الْوَقْت وَإِذا اسْتعْملت للشّرط لم يكن فِيهَا معنى الْوَقْت وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وعَلى قَول نَحْويي الْبَصْرَة هِيَ للْوَقْت بِاعْتِبَار أصل الْوَضع وَإِن اسْتعْملت للشّرط فَهِيَ لَا تَخْلُو عَن معنى الْوَقْت بِمَنْزِلَة مَتى فَإِنَّهَا للْوَقْت وَإِن كَانَ قد يجازي بهَا فَإِن المجازاة بهَا لَازِمَة فِي غير مَوضِع الِاسْتِفْهَام والمجازاة بإذا جَائِزَة غير لَازِمَة وَهَذَا قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله
وَبَيَان الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ إِذا لم أطلقك فَأَنت طَالِق أَو إِذا مَا لم أطلقك فَإِن عَنى بهَا الْوَقْت تطلق فِي الْحَال وَإِن عَنى الشَّرْط لم تطلق حَتَّى تَمُوت وَإِن لم تكن لَهُ نِيَّة فعلى قَول أبي حنيفَة لَا تطلق حَتَّى يَمُوت وعَلى قَوْلهمَا تطلق فِي الْحَال قَالَا إِن إِذا تسْتَعْمل للْوَقْت غَالِبا وتقرن بِمَا لَيْسَ فِيهِ معنى الْخطر فَإِنَّهُ يُقَال الرطب إِذا اشْتَدَّ الْحر وَالْبرد إِذا جَاءَ الشتَاء وَلَا يَسْتَقِيم مَكَانهَا إِن قَالَ تَعَالَى {إِذا الشَّمْس كورت} و {إِذا السَّمَاء انفطرت} وَذَلِكَ كَائِن لَا محَالة فَعرفنَا أَنه لَا يَنْفَكّ عَن معنى الْوَقْت اسْتِعْمَالا
وتستعمل فِي جَوَاب الشَّرْط قَالَ تَعَالَى {وَإِن تصبهم سَيِّئَة بِمَا قدمت أَيْديهم إِذا هم يقنطون} وَمَا يسْتَعْمل فِي المجازاة لَا يكون مَحْض الشَّرْط فَعرفنَا أَنَّهَا بِمَعْنى مَتى فَإِنَّهَا لَا تنفك عَن معنى الْوَقْت وَإِن كَانَ المجازاة بهَا ألزم من المجازاة بإذا
وَإِذا ثَبت هَذَا قُلْنَا قد أضَاف الطَّلَاق إِلَى وَقت فِي الْمُسْتَقْبل هُوَ خَال عَن إِيقَاع الطَّلَاق فِيهِ عَلَيْهَا وكما سكت فقد وجد ذَلِك الْوَقْت فَتطلق أَلا ترى أَنه لَو قَالَ لامْرَأَته إِذا شِئْت فَأَنت طَالِق لم تتوقت الْمَشِيئَة بِالْمَجْلِسِ بِمَنْزِلَة قَوْله مَتى شِئْت بِخِلَاف قَوْله إِن شِئْت وَأَبُو حنيفَة رَحمَه الله اعْتمد مَا قَالَ أهل الْكُوفَة إِن إِذا قد تسْتَعْمل بمحض الشَّرْط وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ الْفراء بقول الْقَائِل استغن مَا أَغْنَاك رَبك بالغنى وَإِذا تصبك خصَاصَة فَتحمل مَعْنَاهُ إِن تصبك خصَاصَة فَإِن حمل على معنى الشَّرْط لم يَقع الطَّلَاق حَتَّى يَمُوت
(1/232)


وَإِن حمل على معنى الْوَقْت وَقع الطَّلَاق فِي الْحَال وَالطَّلَاق بِالشَّكِّ لَا يَقع
وعَلى هَذَا قُلْنَا فِي قَوْله إِذا شِئْت إِنَّه لَا يتوقت بِالْمَجْلِسِ لِأَن الْمَشِيئَة صَارَت إِلَيْهَا بِيَقِين فَلَو جعلنَا الْكَلِمَة بِمَنْزِلَة إِن خرج الْأَمر من يَدهَا بِالْقيامِ وَلَو جعلناها بِمَنْزِلَة مَتى لم يخرج الْأَمر من يَدهَا بِالشَّكِّ
وَأما مَتى فَهِيَ للْوَقْت بِاعْتِبَار أصل الْوَضع وَلَكِن لما كَانَ الْفِعْل يَليهَا دون الِاسْم جعلناها فِي معنى الشَّرْط وَلِهَذَا صَحَّ المجازاة بهَا غير أَنَّهَا لَا تنفك عَن معنى الْوَقْت بِحَال فَإِذا قَالَ لامْرَأَته مَتى لم أطلقك فَأَنت طَالِق أَو مَتى مَا لم أطلقك فَأَنت طَالِق طلقت كَمَا سكت لوُجُود وَقت بعد كَلَامه لم يطلقهَا فِيهِ وَلِهَذَا لم نذْكر فِي حُرُوف الشَّرْط كلمة كل لِأَن الِاسْم يَليهَا دون الْفِعْل فَإِنَّهَا تجمع الْأَسْمَاء ويستقيم أَن يُقَال كل رجل وَلَا يَسْتَقِيم أَن يُقَال كل دخل وفيهَا معنى الشَّرْط بِاعْتِبَار أَن الِاسْم الَّذِي يتعقبها يُوصف بِفعل لَا محَالة ليتم كل الْكَلَام وَذَلِكَ الْفِعْل يصير فِي معنى الشَّرْط حَتَّى لَا ينزل الْجَزَاء إِلَّا بِوُجُودِهِ
بَيَانه فِيمَا إِذا قَالَ كل امْرَأَة أَتَزَوَّجهَا وكل عبد أشتريه وَذكرنَا فِي حُرُوف الشَّرْط كلمة كلما لِأَن الْفِعْل يتعقبها دون الِاسْم
يُقَال كلما دخل وَكلما خرج وَلَا يُقَال كلما زيد
وَقد قدمنَا الْكَلَام فِي بَيَان كلما وَمن وَمَا
وَمِمَّا هُوَ فِي معنى الشَّرْط لَو على مَا يرْوى عَن أبي يُوسُف أَنه إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق لَو دخلت الدَّار لم تطلق مَا لم تدخل كَقَوْلِه إِن دخلت لِأَن لَو تفِيد معنى الترقب فِيمَا يقرن بِهِ مِمَّا يكون فِي الْمُسْتَقْبل فَكَانَ بِمَعْنى الشَّرْط من هَذَا الْوَجْه
وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق لَو حسن خلقك عَسى أَن أراجعك تطلق فِي الْحَال لِأَن لَو هُنَا إِنَّمَا تقرن بالمراجعة الَّتِي تترقب فِي الْمُسْتَقْبل فتخلو كلمة الْإِيقَاع عَن معنى الشَّرْط
وَأما لَوْلَا فَهِيَ بِمَعْنى الِاسْتِثْنَاء لِأَنَّهَا تسْتَعْمل لنفي شَيْء بِوُجُود غَيره قَالَ تَعَالَى {وَلَوْلَا رهطك لرجمناك} وعَلى هَذَا قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله فِي قَوْله أَنْت طَالِق لَوْلَا دخولك الدَّار إِنَّهَا لَا تطلق وَتجْعَل هَذِه الْكَلِمَة بِمَعْنى الِاسْتِثْنَاء ذكره الْكَرْخِي رَحمَه الله فِي الْمُخْتَصر
(1/233)


وبالأخرى إِلَى فروع أخر فَلَا يكون انعدام الْعلَّة مَعَ بَقَاء الحكم فِي مَوضِع ثَابتا بِالْعِلَّةِ الْأُخْرَى دَلِيل فَسَاد الْعلَّة
فَأَما الْمُفَارقَة فَمن النَّاس من ظن أَنَّهَا مفاقهة ولعمري الْمُفَارقَة مفاقهة وَلَكِن فِي غير هَذَا الْموضع فَأَما على وَجه الِاعْتِرَاض على الْعِلَل المؤثرة تكون مجادلة لَا فَائِدَة فِيهَا فِي مَوضِع النزاع
وَبَيَان هَذَا من وُجُوه ثَلَاثَة أَحدهَا أَن شَرط صِحَة الْقيَاس لتعدية الحكم إِلَى الْفُرُوع تَعْلِيل الأَصْل بِبَعْض أَوْصَافه لَا بِجَمِيعِ أَوْصَافه وَقد بَينا أَنه مَتى كَانَ التَّعْلِيل بِجَمِيعِ أَوْصَاف الأَصْل لَا يكون مقايسة فبيان الْمُفَارقَة بَين الأَصْل وَالْفرع بِذكر وصف آخر لَا يُوجد ذَلِك فِي الْفَرْع وَيرجع إِلَى بَيَان صِحَة المقايسة فَأَما أَن يكون ذَلِك اعتراضا على الْعلَّة فَلَا
ثمَّ ذكر وصف آخر فِي الأَصْل يكون ابْتِدَاء دَعْوَى والسائل جَاهِل مسترشد فِي موقف الْمُنكر إِلَى أَن تتبين لَهُ الْحجَّة لَا فِي مَوضِع الدَّعْوَى وَإِن اشْتغل بِإِثْبَات دَعْوَاهُ فَذَلِك لَا يكون سعيا فِي إِثْبَات الحكم الْمَقْصُود وَإِنَّمَا يكون سعيا فِي إِثْبَات الحكم فِي الأَصْل وَهُوَ مفروغ عَنهُ وَلَا يتَّصل مَا يُثبتهُ بالفرع إِلَّا من حَيْثُ إِنَّه يَنْعَدِم ذَلِك الْمَعْنى فِي الْفَرْع وبالعدم لَا يثبت الِاتِّصَال وَقد بَينا أَن الْعَدَم لَا يصلح أَن يكون مُوجبا شَيْئا فَكَانَ هَذَا مِنْهُ اشتغالا بِمَا لَا فَائِدَة فِيهِ
وَالثَّالِث مَا بَينا أَن الحكم فِي الأَصْل يجوز أَن يكون معلولا بعلتين ثمَّ يتَعَدَّى الحكم إِلَى بعض الْفُرُوع بِإِحْدَى العلتين دون الْأُخْرَى فَبَان انعدام فِي الْفَرْع الْوَصْف الَّذِي يروم بِهِ السَّائِل الْفرق وَإِن سلم لَهُ أَنه عِلّة لإِثْبَات الحكم فِي الأَصْل فَذَلِك لَا يمْنَع الْمُجيب من أَن يعدي حكم الأَصْل إِلَى الْفَرْع بِالْوَصْفِ الَّذِي يَدعِيهِ أَنه عِلّة للْحكم وَمَا لَا يكون قدحا فِي كَلَام الْمُجيب فاشتغال السَّائِل بِهِ يكون اشتغالا بِمَا لَا يُفِيد وَإِنَّمَا المفاقهة فِي الممانعة حَتَّى يبين الْمُجيب تَأْثِير علته فالفقه حِكْمَة باطنة وَمَا يكون مؤثرا فِي إِثْبَات الحكم شرعا فَهُوَ الْحِكْمَة الْبَاطِنَة والمطالبة بِهِ تكون مفاقهة
(1/234)


فَأَما الْإِعْرَاض عَنهُ والاشتغال بِالْفرقِ يكون قبولا لما فِيهِ احْتِمَال أَن لَا يكون حجَّة لإِثْبَات الحكم واشتغالا بِإِثْبَات الحكم بِمَا لَيْسَ بِحجَّة أصلا فِي مَوضِع النزاع وَهُوَ عدم الْعلَّة فَتبين أَن هَذَا لَيْسَ من المفاقهة فِي شَيْء وَالله أعلم
أصول السرخسي
فصل الممانعة
قَالَ رَضِي الله عَنهُ اعْلَم بِأَن الممانعة أصل الِاعْتِرَاض على الْعلَّة المؤثرة من حَيْثُ إِن الْخصم الْمُجيب يَدعِي أَن حكم الْحَادِثَة مَا أجَاب بِهِ فَإِذا لم يسلم لَهُ ذَلِك يذكر وَصفا يَدعِي أَنه عِلّة مُوجبَة للْحكم فِي الأَصْل الْمجمع عَلَيْهِ وَأَن هَذَا الْفَرْع نَظِير ذَلِك الأَصْل فيتعدى ذَلِك الحكم بِهَذَا الْوَصْف إِلَى الْفَرْع وَفِي هَذَا الحكم دعويان فَهُوَ أظهر فِي الدَّعْوَى من الأول أَي حكم الْحَادِثَة وَإِن كَانَت المناظرة لَا تتَحَقَّق إِلَّا بِمَنْع دَعْوَى السَّابِق عرفنَا أَنَّهَا لَا تتَحَقَّق إِلَّا بِمَنْع هَذِه الدَّعَاوَى أَيْضا فَيكون هُوَ مُحْتَاجا إِلَى إِثْبَات دعاويه بِالْحجَّةِ والسائل مُنكر فَلَيْسَ عَلَيْهِ سوى الْمُطَالبَة لإِقَامَة الْحجَّة بِمَنْزِلَة الْمُنكر فِي بَاب الدَّعَاوَى والخصومات وَإِلَيْهِ أَشَارَ صَاحب الشَّرْع صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيْثُ قَالَ للْمُدَّعِي (أَلَك بَيِّنَة) وبالممانعة يتَبَيَّن الْعَوَارِض وَيظْهر الْمُدَّعِي من الْمُنكر والملزم من الدَّافِع بَعْدَمَا ثَبت شرعا أَن حجَّة أَحدهمَا غير حجَّة الآخر
ثمَّ الممانعة على أَرْبَعَة أوجه ممانعة فِي نفس الْعلَّة وممانعة فِي الْوَصْف الَّذِي يذكر الْعِلَل أَنه عِلّة وممانعة فِي شَرط صِحَة الْعلَّة أَنه مَوْجُود فِي ذَلِك الْوَصْف وممانعة فِي الْمَعْنى الَّذِي بِهِ صَار ذَلِك الْوَصْف عِلّة للْحكم
أما الممانعة فِي نفس الْعلَّة فَكَمَا بَينا أَن كثيرا من الْعِلَل إِذا تَأَمَّلت فِيهَا تكون احتجاجا بِلَا دَلِيل وَذَلِكَ لَا يكون حجَّة على الْخصم 
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب بَيَان الْأَحْكَام الثَّابِتَة بِظَاهِر النَّص دون الْقيَاس والرأي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ رَضِي الله عَنهُ هَذِه الْأَحْكَام تَنْقَسِم أَرْبَعَة أَقسَام الثَّابِت بِعِبَارَة النَّص وَالثَّابِت بإشارته وَالثَّابِت بدلالته وَالثَّابِت بِمُقْتَضَاهُ
فَأَما الثَّابِت بالعبارة فَهُوَ مَا كَانَ السِّيَاق لأَجله وَيعلم قبل التَّأَمُّل أَن ظَاهر النَّص متناول لَهُ وَالثَّابِت بِالْإِشَارَةِ مَا لم يكن السِّيَاق لأَجله لكنه يعلم بِالتَّأَمُّلِ فِي معنى اللَّفْظ من غير زِيَادَة فِيهِ وَلَا نُقْصَان وَبِه تتمّ البلاغة وَيظْهر الإعجاز
وَنَظِير ذَلِك من المحسوس أَن ينظر الْإِنْسَان إِلَى شخص هُوَ مقبل عَلَيْهِ وَيدْرك آخَرين بلحظات بَصَره يمنة ويسرة وَإِن كَانَ قَصده رُؤْيَة الْمقبل إِلَيْهِ فَقَط وَمن رمى سَهْما إِلَى صيد فَرُبمَا يُصِيب الصيدين بِزِيَادَة حذقه فِي ذَلِك للْعَمَل فإصابته الَّذِي قصد مِنْهُمَا مُوَافق للْعَادَة وإصابة الآخر فضل على مَا هُوَ الْعَادة حصل بِزِيَادَة حذقه وَمَعْلُوم أَنه يكون مباشرا فعل الِاصْطِيَاد فيهمَا فَكَذَلِك هُنَا الحكم الثَّابِت بِالْإِشَارَةِ والعبارة كل وَاحِد مِنْهُمَا يكون ثَابتا بِالنَّصِّ وَإِن كَانَ عِنْد التَّعَارُض قد يظْهر بَين الْحكمَيْنِ تفَاوت كَمَا نبينه
وَبَيَان هذَيْن النَّوْعَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى {للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين} فالثابت بالعبارة فِي هَذِه الْآيَة نصيب من الْفَيْء لَهُم لِأَن سِيَاق الْآيَة لذَلِك كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي أول الْآيَة {مَا أَفَاء الله على رَسُوله} الْآيَة وَالثَّابِت بِالْإِشَارَةِ أَن الَّذين هَاجرُوا من مَكَّة قد زَالَت أملاكهم عَمَّا خلفوا بِمَكَّة لاستيلاء الْكفَّار عَلَيْهَا فَإِن الله تَعَالَى سماهم فُقَرَاء وَالْفَقِير حَقِيقَة من لَا يملك المَال لَا من بَعدت يَده عَن المَال لِأَن الْفقر ضد الْغنى والغني من يملك حَقِيقَة المَال لَا من قربت يَده من المَال حَتَّى لَا يكون الْمكَاتب غَنِيا حَقِيقَة وَإِن كَانَ فِي يَده أَمْوَال وَابْن السَّبِيل غَنِي حَقِيقَة وَإِن بَعدت يَده عَن المَال لقِيَام ملكه وَمُطلق الْكَلَام مَحْمُول على حَقِيقَته وَهَذَا حكم ثَابت بِصِيغَة الْكَلَام من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان فَعرفنَا أَنه ثَابت بِإِشَارَة النَّص وَلَكِن لما كَانَ لَا يتَبَيَّن ذَلِك إِلَّا بِالتَّأَمُّلِ اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ لاختلافهم فِي التَّأَمُّل وَلِهَذَا قيل الْإِشَارَة من الْعبارَة بِمَنْزِلَة الْكِنَايَة للْعلم قطعا بِمَنْزِلَة الثَّابِت بالعبارة وَمِنْه مَا لَا يكون مُوجبا للْعلم وَذَلِكَ عِنْد اشْتِرَاك معنى الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي الِاحْتِمَال مرَادا بالْكلَام
وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى {وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا} فالثابت بالعبارة والتعريض من التَّصْرِيح أَو بِمَنْزِلَة الْمُشكل من الْوَاضِح فَمِنْهُ مَا يكون
(1/236)


مُوجبا ظُهُور الْمِنَّة للوالدة على الْوَلَد لِأَن السِّيَاق يدل على ذَلِك وَالثَّابِت بِالْإِشَارَةِ أَن أدنى مُدَّة الْحمل سِتَّة أشهر فقد ثَبت بِنَصّ آخر أَن مُدَّة الفصال حولان كَمَا قَالَ تَعَالَى {وفصاله فِي عَاميْنِ} فَإِنَّمَا يبْقى للْحَمْل سِتَّة أشهر وَلِهَذَا خَفِي ذَلِك على أَكثر الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم واختص بفهمه ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فَلَمَّا ذكر لَهُم ذَلِك قبلوا مِنْهُ واستحسنوا قَوْله
وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى {وعَلى الْمَوْلُود لَهُ رزقهن وكسوتهن بِالْمَعْرُوفِ} فالثابت بالعبارة وجوب نَفَقَتهَا على الْوَالِد فَإِن السِّيَاق لذَلِك وَالثَّابِت بِالْإِشَارَةِ أَحْكَام مِنْهَا أَن نِسْبَة الْوَلَد إِلَى الْأَب لِأَنَّهُ أضَاف الْوَلَد إِلَيْهِ بِحرف اللَّام فَقَالَ {وعَلى الْمَوْلُود لَهُ} فَيكون دَلِيلا على أَنه هُوَ الْمُخْتَص بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَهُوَ دَلِيل على أَن للْأَب تَأْوِيلا فِي نفس الْوَلَد وَمَاله فَإِن الْإِضَافَة بِحرف اللَّام دَلِيل الْملك كَمَا يُضَاف العَبْد إِلَى سَيّده فَيُقَال هَذَا العَبْد لفُلَان وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله أَنْت وَمَالك لأَبِيك ولثبوت التَّأْوِيل لَهُ فِي نَفسه وَمَاله قُلْنَا لَا يسْتَوْجب الْعقُوبَة بِإِتْلَاف نَفسه وَلَا يحد بِوَطْء جَارِيَته وَإِن علم حرمتهَا عَلَيْهِ والمسائل على هَذَا كَثِيرَة وَهُوَ دَلِيل أَيْضا على أَن الْأَب لَا يُشَارِكهُ فِي النَّفَقَة على الْوَلَد غَيره لِأَنَّهُ هُوَ الْمُخْتَص بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ وَالنَّفقَة تبتني على هَذِه الْإِضَافَة كَمَا وَقعت الْإِشَارَة إِلَيْهِ فِي الْآيَة بِمَنْزِلَة نَفَقَة العَبْد فَهِيَ إِنَّمَا تجب على سَيّده لَا يُشَارِكهُ غَيره فِيهَا وَفِيه دَلِيل أَيْضا على أَن اسْتِئْجَار الْأُم على الْإِرْضَاع فِي حَال قيام النِّكَاح بَينهمَا لَا يجوز لِأَنَّهُ جعل النَّفَقَة لَهَا عَلَيْهِ بِاعْتِبَار عمل الْإِرْضَاع بقوله تَعَالَى {والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلين} فَلَا يسْتَوْجب بدلين بِاعْتِبَار عمل وَاحِد وَهُوَ دَلِيل أَيْضا على مَا يسْتَحق بِعَمَل الْإِرْضَاع من النَّفَقَة وَالْكِسْوَة لَا يشْتَرط فِيهِ إِعْلَام الْجِنْس وَالْقدر وَإِنَّمَا يعْتَبر فِيهِ الْمَعْرُوف فَيكون دَلِيلا لأبي حنيفَة رَحمَه الله فِي جَوَاز اسْتِئْجَار الظِّئْر بطعامها وكسوتها

فصل الْقلب وَالْعَكْس
قَالَ رَضِي الله عَنهُ تَفْسِير الْقلب لُغَة جعل أَعلَى الشَّيْء أَسْفَله وأسفله أَعْلَاهُ
من قَول الْقَائِل قلبت الْإِنَاء إِذا نكسه أَو هُوَ جعل بطن الشَّيْء ظهرا وَالظّهْر بَطنا
من قَول الْقَائِل قلبت الجراب إِذا جعل بَاطِنه ظَاهرا وَظَاهره بَاطِنا وقلبت الْأَمر إِذا جعله ظهرا لبطن
وقلب الْعلَّة على هذَيْن الْوَجْهَيْنِ
وَهُوَ نَوْعَانِ أَحدهمَا جعل الْمَعْلُول عِلّة وَالْعلَّة معلولا وَهَذَا مُبْطل لِلْعِلَّةِ لِأَن الْعلَّة هِيَ الْمُوجبَة شرعا والمعلول هُوَ الحكم الْوَاجِب بِهِ فَيكون فرعا وتبعا لِلْعِلَّةِ وَإِذا جعل التبع أصلا وَالْأَصْل تبعا كَانَ ذَلِك دَلِيل بطلَان الْعلَّة
وَبَيَانه فِيمَا قَالَ الشَّافِعِي فِي الذِّمِّيّ إِنَّه يجب عَلَيْهِ الرَّجْم لِأَنَّهُ من جنس من يجلد بكره مائَة فيرجم ثيبه كَالْمُسلمِ
فيقلب عَلَيْهِ فَنَقُول فِي الأَصْل إِنَّمَا يجلد بكره لِأَنَّهُ يرْجم ثيبه فَيكون ذَلِك قلبا مُبْطلًا لعلته بِاعْتِبَار أَن مَا جعل فرعا صَار أصلا وَمَا جعله أصلا صَار تبعا
وَكَذَلِكَ قَوْله الْقِرَاءَة ركن يتَكَرَّر فرضا فِي الْأَوليين فيتكرر أَيْضا فرضا فِي الْأُخْرَيَيْنِ كالركوع
وَهَذَا النَّوْع من الْقلب إِنَّمَا يَتَأَتَّى عِنْد التَّعْلِيل بِحكم لحكم فَأَما إِذا كَانَ التَّعْلِيل بِوَصْف لَا يرد عَلَيْهِ هَذَا الْقلب إِذْ الْوَصْف لَا يكون حكما شَرْعِيًّا يثبت بِحكم آخر
وَطَرِيق المخلص عَن هَذَا الْقلب أَن لَا يذكر هَذَا على سَبِيل التَّعْلِيل بل على سَبِيل الِاسْتِدْلَال بِأحد الْحكمَيْنِ على الآخر فَإِن الِاسْتِدْلَال بِحكم على حكم طَرِيق السّلف فِي الْحَوَادِث روينَا ذَلِك عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَعَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم وَلَكِن شَرط هَذَا الِاسْتِدْلَال أَن يثبت أَنَّهُمَا نظيران متساويان فَيدل كل وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه هَذَا على ذَاك فِي حَال وَذَاكَ على هَذَا فِي حَال بِمَنْزِلَة التوأم فَإِنَّهُ يثبت حريَّة الأَصْل لأَحَدهمَا أَيهمَا كَانَ بِثُبُوتِهِ للْآخر وَيثبت الرّقّ فِي أَيهمَا كَانَ بِثُبُوتِهِ للْآخر وَذَلِكَ نَحْو مَا يَقُوله عُلَمَاؤُنَا رَحِمهم الله
وَبَيَانه فِيمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا إِن الصَّوْم عبَادَة تلْزم بِالنذرِ فتلزم بِالشُّرُوعِ كَالْحَجِّ فَلَا يَسْتَقِيم قلبهم علينا لِأَن الْحَج إِنَّمَا يلْزم بِالنذرِ لِأَنَّهُ يلْزم بِالشُّرُوعِ
(1/238)


لأَنا نستدل بِأحد الْحكمَيْنِ على الآخر بعد ثُبُوت الْمُسَاوَاة بَينهمَا من حَيْثُ إِن الْمَقْصُود بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا تَحْصِيل عبَادَة زَائِدَة هِيَ مَحْض حق الله تَعَالَى على وَجه يكون الْمَعْنى فِيهَا لَازِما وَالرُّجُوع عَنْهَا بعد الْأَدَاء حرَام وإبطالها بعد الصِّحَّة جِنَايَة فَبعد ثُبُوت الْمُسَاوَاة بَينهمَا يَجْعَل هَذَا دَلِيلا على ذَاك تَارَة وَذَاكَ على هَذَا تَارَة
وَكَذَلِكَ قَوْلنَا فِي الثّيّب الصَّغِيرَة من يكون موليا عَلَيْهِ فِي مَاله تَصرفا يكون موليا عَلَيْهِ فِي نَفسه تَصرفا كالبكر وَفِي الْبكر الْبَالِغَة من لَا يكون موليا عَلَيْهِ فِي مَاله تَصرفا لَا يكون موليا عَلَيْهِ فِي نَفسه تَصرفا كَالرّجلِ يكون اسْتِدْلَالا صَحِيحا بِأحد الْحكمَيْنِ على الآخر إِذْ الْمُسَاوَاة قد تثبت بَين التصرفين من حَيْثُ إِن ثُبُوت الْولَايَة فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا بِاعْتِبَار حَاجَة الْمولى عَلَيْهِ وعجزه عَن التَّصَرُّف بِنَفسِهِ فَلَا يَسْتَقِيم قلبهم إِذا ذكرنَا هَذَا على وَجه الِاسْتِدْلَال لِأَن جَوَاز الِاسْتِدْلَال بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا على الآخر يدل على قُوَّة المشابهة والمساواة وَهُوَ الْمَقْصُود بالاستدلال بِخِلَاف مَا علل بِهِ الشَّافِعِي فَإِنَّهُ لَا مُسَاوَاة بَين الْجلد وَالرَّجم أما من حَيْثُ الذَّات فَالرَّجْم عُقُوبَة غَلِيظَة تَأتي على النَّفس وَالْجَلد لَا وَمن حَيْثُ الشَّرْط الرَّجْم يَسْتَدْعِي من الشَّرَائِط مَا لَا يَسْتَدْعِي عَلَيْهِ الْجلد كالثيوبة
وَكَذَلِكَ لَا مُسَاوَاة بَين ركن الْقِرَاءَة وَبَين الرُّكُوع فَإِن الرُّكُوع فعل هُوَ أصل فِي الرَّكْعَة وَالْقِرَاءَة ذكر هُوَ زَائِد حَتَّى إِن الْعَاجِز عَن الْأَذْكَار الْقَادِر على الْأَفْعَال يُؤَدِّي الصَّلَاة وَالْعَاجِز عَن الْأَفْعَال الْقَادِر على الْأَذْكَار لَا يُؤَدِّيهَا وَيسْقط ركن الْقِرَاءَة بالاقتداء عندنَا وَعند خوف فَوت الرَّكْعَة بالِاتِّفَاقِ وَلَا يسْقط ركن الرُّكُوع
وَكَذَلِكَ لَا مُسَاوَاة بَين الشفع الثَّانِي وَالشَّفْع الأول فِي الْقِرَاءَة فَإِنَّهُ يسْقط فِي الشفع الثَّانِي شطر مَا كَانَ مَشْرُوعا فِي الشفع الأول وَهُوَ قِرَاءَة السُّورَة وَالْوَصْف الْمَشْرُوع فِيهِ فِي الشفع الأول وَهُوَ الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ وَمَعَ انعدام الْمُسَاوَاة لَا يُمكن الِاسْتِدْلَال بِأَحَدِهِمَا على الآخر وَالْقلب يبطل التَّعْلِيل على وَجه المقايسة
وَالنَّوْع الثَّانِي من الْقلب هُوَ جعل الظَّاهِر بَاطِنا بِأَن يَجْعَل الْوَصْف الَّذِي 

فِي المصروف إِلَيْهِ وَهِي المسكنة وَجعل الْوَاجِب فعل الْإِطْعَام فَيكون ذَلِك دَلِيلا على أَنه مَشْرُوع لاعْتِبَار حَاجَة الْمحل ثمَّ هَذِه الْحَاجة تتجدد بتجدد الْأَيَّام فَجعلنَا الْمِسْكِين الْوَاحِد فِي عشرَة أَيَّام بِمَنْزِلَة عشرَة مَسَاكِين فِي جَوَاز الصّرْف إِلَيْهِ وَلِهَذَا لم نجوز صرف جَمِيع الْكَفَّارَة إِلَى مِسْكين وَاحِد دفْعَة وَاحِدَة
فَإِن قيل فقد جوزتم صرف الْكسْوَة أَيْضا إِلَى مِسْكين وَاحِد فِي عشرَة أَيَّام وَالْحَاجة إِلَى الْكسْوَة لَا تتجدد (فِي) كل يَوْم وَإِنَّمَا ذَلِك فِي كل سِتَّة أشهر أَو أَكثر
قُلْنَا قد بَينا أَن التَّكْفِير فِي الْكسْوَة يحصل بالتمليك وَالْحَاجة الَّتِي تكون بِاعْتِبَار التَّمْلِيك لَا نِهَايَة لَهَا فتجعل متجددة حكما بتجدد الْأَيَّام وَلِهَذَا قَالَ بعض مَشَايِخنَا إِذا فرق الْإِطْعَام فِي يَوْم وَاحِد يجوز أَيْضا وَإِن أدّى الْكل مِسْكينا وَاحِدًا لِأَن تجدّد الْحَاجة بتجدد الْوَقْت مَعْلُوم وحقيقتها يتَعَذَّر الْوُقُوف عَلَيْهِ فَيجْعَل بِاعْتِبَار كل سَاعَة كَأَن الْحَاجة متجددة حكما وَلَكِن هَذَا فِي التَّمْلِيك فَأَما فِي التَّمْكِين لَا يتَحَقَّق هَذَا وَأَكْثَرهم على أَن فِي الْكسْوَة يعْتَبر هَذَا الْمَعْنى الْحكمِي فَأَما فِي الطَّعَام يعْتَبر بتجدد الْأَيَّام لِأَن الْمَنْصُوص عَلَيْهِ الْإِطْعَام وَحَقِيقَته فِي التَّمْكِين من الطَّعَام وَمعنى تجدّد الْحَاجة إِلَى ذَلِك لَا يتَحَقَّق إِلَّا بتجدد الْأَيَّام
وَمن ذَلِك قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أغنوهم عَن الْمَسْأَلَة فِي مثل هَذَا الْيَوْم فالثابت بالعبارة وجوب أَدَاء صَدَقَة الْفطر فِي يَوْم الْعِيد إِلَى الْفَقِير والسياق لذَلِك وَالثَّابِت بِالْإِشَارَةِ أَحْكَام مِنْهَا أَنَّهَا لَا تجب إِلَّا على الْغَنِيّ لِأَن الإغناء إِنَّمَا يتَحَقَّق من الْغَنِيّ وَمِنْهَا أَن الْوَاجِب الصّرْف إِلَى الْمُحْتَاج لِأَن إغناء الْغَنِيّ لَا يتَحَقَّق وَإِنَّمَا يتَحَقَّق إغناء الْمُحْتَاج وَمِنْهَا أَنه يَنْبَغِي أَن يعجل أداءها قبل الْخُرُوج إِلَى الْمصلى ليستغني عَن الْمَسْأَلَة ويحضر الْمُصَلِّي فارغ الْقلب من قوت الْعِيَال فَلَا يحْتَاج إِلَى السُّؤَال وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُف لَا يجوز صرفهَا إِلَّا إِلَى فُقَرَاء الْمُسلمين فَفِي قَوْله (فِي مثل هَذَا الْيَوْم) إِشَارَة إِلَى ذَلِك يَعْنِي أَنه يَوْم عيد للْفُقَرَاء والأغنياء جَمِيعًا وَإِنَّمَا يتم ذَلِك للْفُقَرَاء إِذا استغنوا عَن السُّؤَال فِيهِ
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رَضِي الله عَنْهُمَا هُوَ كَذَلِك وَلَكِن فِي هَذَا إِشَارَة إِلَى النّدب أَن الأولى أَن يصرفهُ إِلَى فُقَرَاء الْمُسلمين كَمَا أَن
(1/240)


الأولى أَن يعجل أداءها قبل الصَّلَاة وَإِن كَانَ التَّأْخِير جَائِزا وَمِنْهَا أَن وجوب الْأَدَاء يتَعَلَّق بِطُلُوع الْفجْر لِأَن الْيَوْم اسْم للْوَقْت من طُلُوع الْفجْر إِلَى غرُوب الشَّمْس وَإِنَّمَا يُغْنِيه عَن الْمَسْأَلَة فِي ذَلِك الْيَوْم أَدَاء فِيهِ وَمِنْهَا أَنه يتَأَدَّى الْوَاجِب بِمُطلق المَال لِأَنَّهُ اعْتبر الإغناء وَذَلِكَ يحصل بِالْمَالِ الْمُطلق وَرُبمَا يكون حُصُوله بِالنَّقْدِ أتم من حُصُوله بِالْحِنْطَةِ وَالشعِير وَالتَّمْر وَمِنْهَا أَن الأولى أَن يصرف صدقته إِلَى مِسْكين وَاحِد لِأَن الإغناء بذلك يحصل وَإِذا فرقها على الْمَسَاكِين كَانَ هَذَا فِي الإغناء دون الأول وَمَا كَانَ أكمل فِيمَا هُوَ الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فَهُوَ أفضل فَهَذِهِ أَحْكَام عرفناها بِإِشَارَة النَّص وَهُوَ معنى جَوَامِع الْكَلم الَّذِي قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُوتيت جَوَامِع الْكَلم وَاخْتصرَ لي اختصارا هَذَا مِثَال بَيَان الثَّابِت بِعِبَارَة النَّص وإشارته من الْكتاب وَالسّنة
فَأَما الثَّابِت بِدلَالَة النَّص فَهُوَ مَا ثَبت بِمَعْنى النّظم لُغَة لَا استنباطا بِالرَّأْيِ لِأَن للنظم صُورَة مَعْلُومَة وَمعنى هُوَ الْمَقْصُود بِهِ فالألفاظ مَطْلُوبَة للمعاني وَثُبُوت الحكم بِالْمَعْنَى الْمَطْلُوب بِاللَّفْظِ بِمَنْزِلَة الضَّرْب لَهُ صُورَة مَعْلُومَة وَمعنى هُوَ الْمَطْلُوب بِهِ وَهُوَ الإيلام ثمَّ ثُبُوت الحكم بِوُجُود الْمُوجب لَهُ فَكَمَا أَن فِي الْمُسَمّى الْخَاص ثُبُوت الحكم بِاعْتِبَار الْمَعْنى الْمَعْلُوم بالنظم لُغَة فَكَذَلِك فِي الْمُسَمّى الْخَاص الَّذِي هُوَ غير مَنْصُوص عَلَيْهِ يثبت الحكم بذلك الْمَعْنى وَيُسمى ذَلِك دلَالَة النَّص فَمن حَيْثُ إِن الحكم غير ثَابت فِيهِ بتناول صُورَة النَّص إِيَّاه لم يكن ثَابتا بِعِبَارَة النَّص وَمن حَيْثُ إِنَّه ثَابت بِالْمَعْنَى الْمَعْلُوم بِالنَّصِّ لُغَة كَانَ دلَالَة النَّص وَلم يكن قِيَاسا فَالْقِيَاس معنى يستنبطه بِالرَّأْيِ مِمَّا ظهر لَهُ أثر فِي الشَّرْع ليتعدى بِهِ الحكم إِلَى مَا لَا نَص فِيهِ لَا استنباط بِاعْتِبَار معنى النّظم لُغَة كَمَا فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْحِنْطَة بِالْحِنْطَةِ مثل بِمثل جعلنَا الْغلَّة هِيَ الْكَيْل وَالْوَزْن بِالرَّأْيِ فَإِن ذَلِك لَا تتناوله صُورَة النّظم وَلَا مَعْنَاهَا لُغَة وَلِهَذَا اخْتصَّ الْعلمَاء بِمَعْرِِفَة الاستنباط بِالرَّأْيِ ويشترك فِي معرفَة دلَالَة النَّص كل من لَهُ بصر فِي معنى الْكَلَام لُغَة فَقِيها أَو غير فَقِيه
وَمِثَال مَا قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَلَا تقل لَهما أُفٍّ وَلَا تنهرهما} فَإِن للتأفيف صُورَة مَعْلُومَة وَمعنى
(1/241)


لأَجله ثبتَتْ الْحُرْمَة وَهُوَ الْأَذَى حَتَّى إِن من لَا يعرف هَذَا الْمَعْنى من هَذَا اللَّفْظ أَو كَانَ من قوم هَذَا فِي لغتهم إكرام لم تثبت الْحُرْمَة فِي حَقه ثمَّ بِاعْتِبَار هَذَا الْمَعْنى الْمَعْلُوم لُغَة تثبت الْحُرْمَة فِي سَائِر أَنْوَاع الْكَلَام الَّتِي فِيهَا هَذَا الْمَعْنى كالشتم وَغَيره وَفِي الْأَفْعَال كالضرب وَنَحْوه وَكَانَ ذَلِك مَعْلُوما بِدلَالَة النَّص لَا بِالْقِيَاسِ لِأَن قدر مَا فِي التأفيف من الْأَذَى مَوْجُود فِيهِ وَزِيَادَة
وَمِثَال هَذَا مَا رُوِيَ أَن ماعزا زنى وَهُوَ مُحصن فرجم وَقد علمنَا أَنه مَا رجم لِأَنَّهُ مَاعِز بل لِأَنَّهُ زنى فِي حَالَة الْإِحْصَان فَإِذا ثَبت هَذَا الحكم فِي غَيره كَانَ ثَابتا بِدلَالَة النَّص لَا بِالْقِيَاسِ
وَكَذَلِكَ أوجب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْكَفَّارَة على الْأَعرَابِي بِاعْتِبَار جِنَايَته لَا لكَونه أَعْرَابِيًا فَمن وجدت مِنْهُ مثل تِلْكَ الْجِنَايَة يكون الحكم فِي حَقه ثَابتا بِدلَالَة النَّص لَا بِالْقِيَاسِ وَهَذَا لِأَن الْمَعْنى الْمَعْلُوم بِالنَّصِّ لُغَة بِمَنْزِلَة الْعلَّة الْمَنْصُوص عَلَيْهَا شرعا على مَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْهِرَّة إِنَّهَا لَيست بنجسة إِنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم والطوافات ثمَّ هَذَا الحكم يثبت فِي الْفَأْرَة والحية بِهَذِهِ الْعلَّة فَلَا يكون ثَابتا بِالْقِيَاسِ بل بِدلَالَة النَّص
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام للمستحاضة إِنَّه دم عرق انفجر فتوضئي لكل صَلَاة ثمَّ ثَبت ذَلِك الحكم فِي سَائِر الدِّمَاء الَّتِي تسيل من الْعُرُوق فَيكون ثَابتا بِدلَالَة النَّص لَا بِالْقِيَاسِ وَلِهَذَا جعلنَا الثَّابِت بِدلَالَة النَّص كَالثَّابِتِ بِإِشَارَة النَّص وَإِن كَانَ يظْهر بَينهمَا التَّفَاوُت عِنْد الْمُقَابلَة وكل وَاحِد مِنْهُمَا ضرب من البلاغة أَحدهمَا من حَيْثُ اللَّفْظ وَالْآخر من حَيْثُ الْمَعْنى وَلِهَذَا جَوَّزنَا إِثْبَات الْعُقُوبَات وَالْكَفَّارَات بِدلَالَة النَّص وَإِن كُنَّا لَا نجوز ذَلِك بِالْقِيَاسِ فأوجبنا حد قطاع الطَّرِيق على الردء بِدلَالَة النَّص لِأَن عبارَة النَّص الْمُحَاربَة وَصُورَة ذَلِك بِمُبَاشَرَة الْقِتَال وَمَعْنَاهَا لُغَة قهر الْعَدو والتخويف على وَجه يَنْقَطِع بِهِ الطَّرِيق وَهَذَا معنى مَعْلُوم بالمحاربة لُغَة والردء مبَاشر لذَلِك كالمقاتل وَلِهَذَا اشْتَركُوا فِي الْغَنِيمَة فيقام الْحَد على الردء بِدلَالَة النَّص من هَذِه الْوُجُوه
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله يجب الْحَد فِي اللواطة على الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ بِدلَالَة نَص الزِّنَا فالزنا اسْم لفعل معنوي لَهُ غَرَض وَهُوَ اقْتِضَاء الشَّهْوَة على قصد سفح المَاء بطرِيق حرَام لَا شُبْهَة فِيهِ وَقد وجد هَذَا كُله فِي اللواطة فاقتضاء الشَّهْوَة بِالْمحل المشتهي وَذَلِكَ بِمَعْنى الْحَرَارَة واللين أَلا ترى أَن الَّذين لَا يعْرفُونَ الشَّرْع لَا يفصلون بَينهمَا وَالْقَصْد مِنْهُ السفاح
(1/242)


لِأَن النَّسْل لَا تصور لَهُ فِي هَذَا الْمحل وَالْحُرْمَة هُنَا أبلغ من الْحُرْمَة فِي الْفِعْل الَّذِي يكون فِي الْقبل فَإِنَّهَا حُرْمَة لَا تنكشف بِحَال وَإِنَّمَا يُبدل اسْم الْمحل فَقَط فَيكون الحكم ثَابتا بِدلَالَة النَّص لَا بطرِيق الْقيَاس
وَأَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ يَقُول هُوَ قَاصِر فِي الْمَعْنى الَّذِي وَجب الْحَد بِاعْتِبَارِهِ فَإِن الْحَد مَشْرُوع زجرا وَذَلِكَ عِنْد دُعَاء الطَّبْع إِلَيْهِ وَدُعَاء الطَّبْع إِلَى مُبَاشرَة هَذَا الْفِعْل فِي الْقبل من الْجَانِبَيْنِ فَأَما فِي الدبر دُعَاء الطَّبْع إِلَيْهِ من جَانب الْفَاعِل لَا من جَانب الْمَفْعُول بِهِ وَفِي بَاب الْعُقُوبَات تعْتَبر صفة الْكَمَال لما فِي النُّقْصَان من شُبْهَة الْعَدَم ثمَّ فِي الزِّنَا إِفْسَاد الْفراش وَإِتْلَاف الْوَلَد حكما فَإِن الْوَلَد الَّذِي يتخلق من المَاء فِي ذَلِك الْمحل لَا يعرف لَهُ وَالِد لينفق عَلَيْهِ وبالنساء عجز عَن الِاكْتِسَاب والإنفاق وَلَا يُوجد هَذَا الْمَعْنى فِي الدبر فَإِنَّمَا فِيهِ مُجَرّد تَضْييع المَاء بالصب فِي غير مَحل منبت وَذَلِكَ قد يكون مُبَاحا بطرِيق الْعَزْل فَعرفنَا أَنه دون الزِّنَا فِي الْمَعْنى الَّذِي لأَجله أوجب الْحَد وَلَا مُعْتَبر بتأكد الْحُرْمَة فِي حكم الْعقُوبَة أَلا ترى أَن حُرْمَة الدَّم وَالْبَوْل آكِد من حُرْمَة الْخمر ثمَّ الْحَد يجب بِشرب الْخمر وَلَا يجب بِشرب الدَّم وَالْبَوْل للتفاوت فِي معنى دُعَاء الطَّبْع من الْوَجْه الَّذِي قَررنَا وَلِهَذَا قُلْنَا فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لَا قَود إِلَّا بِالسَّيْفِ إِن الْقصاص يجب إِذا حصل الْقَتْل بِالرُّمْحِ أَو النشابة لِأَن لعبارة النَّص معنى مَعْلُوما فِي اللُّغَة وَذَلِكَ الْمَعْنى كَامِل فِي الْقَتْل بِالرُّمْحِ والنشابة وَقد عرفنَا أَن المُرَاد بِذكر السَّيْف الْقَتْل بِهِ لَا قَبضه وَإِنَّمَا السَّيْف آلَة يحصل بِهِ الْقَتْل فَإِذا حصل بِآلَة أُخْرَى مثل ذَلِك الْقَتْل تعلق حكم الْقصاص بِهِ بِدلَالَة النَّص لَا بِالْقِيَاسِ
ثمَّ قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله الْمَعْنى الْمَعْلُوم بِذكر السَّيْف لُغَة أَنه نَاقض للبنية بِالْجرْحِ وَظُهُور أَثَره فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن فَلَا يثبت هَذَا الحكم فِيمَا لَا يماثله فِي هَذَا الْمَعْنى وَهُوَ الْحجر والعصا
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله الْمَعْنى الْمَعْلُوم بِهِ لُغَة أَن النَّفس لَا تطِيق احْتِمَاله وَدفع أَثَره فَيثبت الحكم بِهَذَا الْمَعْنى فِي الْقَتْل بالمثقل وَيكون ثَابتا بِدلَالَة النَّص قَالَا لِأَن الْقَتْل نقض البنية وَذَلِكَ بِفِعْلِهِ لَا تحتمله البنية مَعَ صفة السَّلامَة وَهَذَا الْمَعْنى فِي المثقل أظهر فَإِن إِلْقَاء حجر الرَّحَى والاسطوانة على إِنْسَان لَا تحتمله البنية بِنَفسِهَا وَالْقَتْل بِالْجرْحِ لَا تحتمله البنية بِوَاسِطَة السَّرَايَة وَإِذا كَانَ هَذَا أتم فِي الْمَعْنى الْمُعْتَبر كَانَ ثُبُوت الحكم فِيهِ
(1/243)


بِدلَالَة النَّص كَمَا فِي الضَّرْب مَعَ التأفيف
وَأَبُو حنيفَة رَحمَه الله يَقُول الْمُعْتَبر فِي بَاب الْعُقُوبَات صفة الْكَمَال فِي السَّبَب لما فِي النُّقْصَان من شُبْهَة الْعَدَم والكمال فِي نقض البنية بِمَا يكون عَاملا فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن جَمِيعًا فاعتبار مُجَرّد عدم احْتِمَال البنية إِيَّاه مَعَ صفة السَّلامَة ظَاهرا لتعدية الحكم غير مُسْتَقِيم فِيمَا يندرىء بِالشُّبُهَاتِ وَإِنَّمَا يَسْتَقِيم ذَلِك فِيمَا يثبت بِالشُّبُهَاتِ كالدية وَالْكَفَّارَة فَأَما مَا يندرىء بِالشُّبُهَاتِ وَيعْتَبر فِيهِ الْمُمَاثلَة فِي الِاسْتِيفَاء بِالنَّصِّ لَا بُد من اعْتِبَار صفة الْكَمَال فِيهِ وَدَلِيل النُّقْصَان حكم الذَّكَاة فَإِنَّهُ يخْتَص بِمَا ينْقض البنية ظَاهرا وَبَاطنا وَلَا يعْتَبر فِيهِ مُجَرّد عدم احْتِمَال البنية إِيَّاه وَمَا قَالَه إِن الْجرْح وَسِيلَة كَلَام لَا معنى لَهُ فإننا لَا نعني بِفعل الْقَتْل الْجِنَايَة على الْجِسْم وَلَا على الرّوح إِذْ لَا تتَصَوَّر بِالْجِنَايَةِ على الرّوح من الْعباد والجسم تبع وَالْمَقْصُود هُوَ النَّفس الَّذِي هُوَ عبارَة عَن الطبائع فالجناية عَلَيْهَا إِنَّمَا تتمّ بإراقة الدَّم وَذَلِكَ بِعَمَل يكون جارحا مؤثرا فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن جَمِيعًا وَلِهَذَا كَانَ الغرز بالإبرة مُوجبا للْقصَاص لِأَنَّهُ مسيل للدم مُؤثر فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن إِلَّا أَنه لَا يكون مُوجبا الْحل فِي الذَّكَاة لِأَن الْمُعْتَبر هُنَا تسييل جَمِيع الدَّم المسفوح ليتميز بِهِ الطَّاهِر من النَّجس وَلِهَذَا اخْتصَّ بِقطع الْحُلْقُوم والأوداج عِنْد التيسر وَلم يثبت حكم الْحل بالنَّار أَيْضا لِأَنَّهَا تُؤثر فِي الظَّاهِر حسما فَلَا يتَمَيَّز بِهِ الطَّاهِر من النَّجس بل يمْتَنع بِهِ من سيلان الدَّم
وَمن ذَلِك أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام لما أوجب الْكَفَّارَة على الْأَعرَابِي بِجِنَايَتِهِ الْمَعْلُومَة بِالنَّصِّ لُغَة أَوجَبْنَا على الْمَرْأَة أَيْضا مثل ذَلِك بِدلَالَة النَّص لَا بِالْقِيَاسِ فَإِن الْأَعرَابِي سَأَلَ عَن جِنَايَته بقوله هَلَكت وأهلكت
وَقد علمنَا أَنه لم يرد الْجِنَايَة على الْبضْع لِأَن فعل الْجِمَاع حصل مِنْهُ فِي مَحل مَمْلُوك لَهُ فَلَا يكون جِنَايَة لعَينه أَلا ترى أَنه لَو كَانَ نَاسِيا لصومه لم يكن ذَلِك مِنْهُ جِنَايَة أصلا فَعرفنَا أَن جِنَايَته كَانَ على الصَّوْم بِاعْتِبَار تَفْوِيت رُكْنه الَّذِي يتَأَدَّى بِهِ وَقد علم أَن ركن الصَّوْم الْكَفّ
(1/244)


عَن اقْتِضَاء شَهْوَة الْبَطن و (شَهْوَة) الْفرج وَوُجُوب الْكَفَّارَة للزجر عَن الْجِنَايَة على الصَّوْم ثمَّ دُعَاء الطَّبْع إِلَى اقْتِضَاء شَهْوَة الْبَطن أظهر مِنْهُ إِلَى اقْتِضَاء شَهْوَة الْفرج وَوقت الصَّوْم وَقت اقْتِضَاء شَهْوَة الْبَطن عَادَة يَعْنِي النَّهر فَأَما اقْتِضَاء شَهْوَة الْفرج يكون بالليالي عَادَة فَكَانَ الحكم ثَابتا بِدلَالَة النَّص من هَذَا الْوَجْه فَإِن الْجِمَاع آلَة لهَذِهِ الْجِنَايَة كَالْأَكْلِ وَقد بَينا أَنه لَا مُعْتَبر بالآلة فِي الْمَعْنى الَّذِي يَتَرَتَّب الحكم عَلَيْهِ وَهُوَ نَظِير قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لن يَجْزِي ولد وَالِده إِلَّا أَن يجده مَمْلُوكا فيشتريه فيعتقه وكما يصير معتقا بِالشِّرَاءِ يصير معتقا بِقبُول الْهِبَة وَالصَّدَََقَة فِيهِ لِأَن الشِّرَاء سَبَب لما يتم بِهِ عِلّة الْعتْق وَهُوَ الْملك وَقبُول الْهِبَة مثل الشِّرَاء فِي ذَلِك ثمَّ الْجِنَايَة على الصَّوْم بِهَذِهِ الصّفة تتمّ مِنْهَا بالتمكين كَمَا تتمّ بِهِ من الرجل بالإيلاج وَمعنى دُعَاء الطَّبْع فِي جَانبهَا كَهُوَ فِي جَانب الرجل فالكفارة تلزمها بِدلَالَة النَّص لَا بِالْقِيَاسِ
وَمن ذَلِك قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام للَّذي أكل نَاسِيا فِي شهر رَمَضَان إِن الله أطعمك وسقاك فتم على صومك ثمَّ أثبتنا هَذَا الحكم فِي الَّذِي جَامع نَاسِيا بِدلَالَة النَّص فَإِن تَفْوِيت ركن الصَّوْم حَقِيقَة لَا يخْتَلف بِالنِّسْيَانِ والعمد وَلَكِن النسْيَان معنى مَعْلُوم لُغَة وَهُوَ أَنه مَحْمُول عَلَيْهِ طبعا على وَجه لَا صنع لَهُ فِيهِ وَلَا لأحد من الْعباد فَكَانَ مُضَافا إِلَى من لَهُ الْحق وَالْجِمَاع فِي حَالَة النسْيَان مثل الْأكل فِي هَذَا الْمَعْنى فَيثبت الحكم فِيهِ بِدلَالَة النَّص لَا بِالْقِيَاسِ إِذْ الْمَخْصُوص من الْقيَاس لَا يُقَاس عَلَيْهِ غَيره
فَإِن قيل الْجِمَاع لَيْسَ نَظِير الْأكل من كل وَجه فَإِن وَقت أَدَاء الصَّوْم وَقت الْأكل عَادَة وَوقت الْأَسْبَاب المفضية إِلَى الْأكل من التَّصَرُّف فِي الطَّعَام وَغير ذَلِك فيبتلى فِيهِ بِالنِّسْيَانِ غَالِبا وَهُوَ لَيْسَ بِوَقْت الْجِمَاع عَادَة وَالصَّوْم أَيْضا يُضعفهُ عَن الْجِمَاع وَلَا يزِيد فِي شَهْوَته كَمَا يزِيد فِي شَهْوَة الْأكل فَيَنْبَغِي أَن يَجْعَل الْجِمَاع من النَّاسِي فِي الصَّوْم بِمَنْزِلَة الْأكل من النَّاسِي فِي الصَّلَاة لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا نَادِر
(1/245)


قُلْنَا نعم فِي الْجِمَاع هَذَا النَّوْع من التَّقْصِير وَلَكِن فِيهِ زِيَادَة فِي دُعَاء الطَّبْع إِلَيْهِ من حَيْثُ إِن الشبق قد يغلب على الْمَرْء على وَجه لَا يصبر عَن الْجِمَاع وَعند غَلَبَة الشبق يذهب من قلبه كل شَيْء سوى ذَلِك الْمَقْصُود وَلَا يُوجد مثل هَذَا الشبق فِي الْأكل فَتكون هَذِه الزِّيَادَة بِمُقَابلَة ذَلِك الْقُصُور حَتَّى تتَحَقَّق الْمُسَاوَاة بَينهمَا وَلَكِن لَا تعْتَبر هَذِه الزِّيَادَة عِنْد ذكر الصَّوْم فِي حق الْكَفَّارَة لِأَن غَلَبَة الشبق بِهَذِهِ الصّفة تنعدم بِإِبَاحَة الْجِمَاع لَيْلًا وَلِأَنَّهُ لَا يكون إِلَّا نَادرا وَصفَة الْكَمَال لَا تبتنى على مَا هُوَ نَادِر وَإِنَّمَا تبتنى على مَا هُوَ الْمُعْتَاد وَإِنَّمَا طَرِيق الْقيَاس فِي هَذَا مَا سلكه الشَّافِعِي رَحمَه الله حَيْثُ جعل الْمُكْره والخاطىء بِمَنْزِلَة النَّاسِي بِاعْتِبَار وصف الْعذر فَإِن الكره وَالْخَطَأ غير النسْيَان صُورَة وَمعنى فَالْحكم الثَّابِت بِالنِّسْيَانِ لَا يكون ثَابتا بالْخَطَأ والكره بِدلَالَة النَّص بل يكون بطرِيق الْقيَاس وَهُوَ قِيَاس فَاسد فَإِن الكره مُضَاف إِلَى غير من لَهُ الْحق وَهُوَ الْمُكْره وَالْخَطَأ مُضَاف إِلَى المخطىء أَيْضا وَهُوَ مِمَّا يَتَأَتَّى عَنهُ التَّحَرُّز فِي الْجُمْلَة فَلم يكن فِي معنى مَا لَا صنع للعباد فِيهِ أصلا أَلا ترى أَن الْمَرِيض يُصَلِّي قَاعِدا ثمَّ لَا تلْزمهُ الْإِعَادَة إِذا برأَ بِخِلَاف الْمُقَيد
ث وَمن ذَلِك أَن الله تَعَالَى لما أوجب الْقَضَاء على الْمُفطر فِي رَمَضَان بِعُذْر وَهُوَ الْمَرِيض وَالْمُسَافر أَوجَبْنَا على الْمُفطر بِغَيْر عذر بِدلَالَة النَّص لَا بِالْقِيَاسِ فَإِن فِي الْمَوْضِعَيْنِ يَنْعَدِم أَدَاء الصَّوْم الْوَاجِب فِي الْوَقْت وَالْمَرَض وَالسّفر عذر فِي الْإِسْقَاط لَا فِي الْإِيجَاب فَعرفنَا أَن وجوب الْقَضَاء عَلَيْهِمَا لِانْعِدَامِ الْأَدَاء فِي الْوَقْت بِالْفطرِ لُغَة وَقد وجد هَذَا الْمَعْنى بِعَيْنِه إِذا أفطر من غير عذر فَيلْزمهُ الْقَضَاء بِدلَالَة النَّص
ثمَّ قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله بِهَذَا الطَّرِيق أوجبت الْكَفَّارَة فِي قتل الْعمد لِأَن النَّص جَاءَ بِإِيجَاب الْكَفَّارَة فِي قتل الْخَطَأ وَلَكِن الْخَطَأ عذر مسْقط فَعرفنَا أَن وجوب الْكَفَّارَة بِاعْتِبَار أصل الْقَتْل دون صفة الْخَطَأ وَذَلِكَ مَوْجُود فِي الْعمد وَزِيَادَة فَتجب الْكَفَّارَة فِي الْعمد بِدلَالَة النَّص وَبِهَذَا الطَّرِيق أوجبت الْكَفَّارَة فِي الْغمُوس لِأَن فِي الْمَعْقُود على أَمر فِي الْمُسْتَقْبل وَجَبت الْكَفَّارَة بِاعْتِبَار جِنَايَته لما فِي الْإِقْدَام على الْحِنْث من هتك حُرْمَة اسْم الله تَعَالَى وَذَلِكَ مَوْجُود فِي الْغمُوس وَزِيَادَة فَإِنَّهَا محظورة لأجل الاستشهاد بِاللَّه تَعَالَى كَاذِبًا وَهَذَا هُوَ صفة الْحَظْر فِي المعقودة على أَمر فِي الْمُسْتَقْبل بعد الْحِنْث
وَلَكنَّا نقُول هَذَا الِاسْتِدْلَال
(1/246)


فَاسد لِأَن الْوَاجِب بِالنَّصِّ الْكَفَّارَة وَهِي اسْم لعبادة فِيهَا معنى الْعقُوبَة تبعا من حَيْثُ إِنَّهَا أوجبت جَزَاء وَلكنهَا تتأدى بِفعل هُوَ عبَادَة وَالْمَقْصُود بهَا نيل الثَّوَاب ليَكُون مكفرا للذنب وَإِنَّمَا يحصل ذَلِك بِمَا هُوَ عبَادَة كَمَا قَالَ تَعَالَى {إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات} فيستدعي سَببا مترددا بَين الْحَظْر وَالْإِبَاحَة لِأَن الْعُقُوبَات الْمَحْضَة سَببهَا مَحْظُور مَحْض والعبادات الْمَحْضَة سَببهَا مَا لَا حظر فِيهِ فالمتردد يَسْتَدْعِي سَببا مترددا وَذَلِكَ فِي قتل الْخَطَأ فَإِنَّهُ من حَيْثُ الصُّورَة رمى إِلَى الصَّيْد أَو إِلَى الْكَافِر وَهُوَ الْمُبَاح وَبِاعْتِبَار الْمحل يكون مَحْظُورًا لِأَنَّهُ أصَاب آدَمِيًّا مُحْتَرما فَأَما الْعمد فَهُوَ مَحْظُور مَحْض فَلَا يصلح سَببا لِلْكَفَّارَةِ وَكَذَلِكَ المعقودة على أَمر فِي الْمُسْتَقْبل فِيهَا تردد فَإِن تَعْظِيم الْمقسم بِهِ فِي الِابْتِدَاء وَذَلِكَ مَنْدُوب إِلَيْهِ وَلِهَذَا شرعت فِي بيعَة نصْرَة الْحق وفيهَا معنى الْحَظْر أَيْضا قَالَ تَعَالَى {وَلَا تجْعَلُوا الله عرضة لأيمانكم} وَقَالَ تَعَالَى {واحفظوا أَيْمَانكُم} وَالْمرَاد الْحِفْظ بالامتناع عَن الْيَمين فلكونها دَائِرَة بَين الْحَظْر وَالْإِبَاحَة تصلح سَببا لِلْكَفَّارَةِ فَأَما الْغمُوس مَحْظُور مَحْض لِأَن الْكَذِب بِدُونِ الاستشهاد بِاللَّه تَعَالَى حرَام لَيْسَ فِيهِ شُبْهَة الْإِبَاحَة فَمَعَ الاستشهاد بِاللَّه تَعَالَى أولى فَكَانَ الْغمُوس بِاعْتِبَار هَذَا الْمَعْنى كَالزِّنَا وَالرِّدَّة فَلَا يصلح سَببا لوُجُوب الْكَفَّارَة
وَلَا يدْخل عَلَيْهِ الْقَتْل بالمثقل على قَول أبي حنيفَة فَإِنَّهُ مُوجب لكفارة وَإِن كَانَ مَحْظُورًا مَحْضا لِأَن المثقل لَيْسَ بِآلَة للْقَتْل بِأَصْل الْخلقَة وَإِنَّمَا هُوَ آلَة للتأديب أَلا ترى أَن إجراءه للتأديب بِهِ وَالْمحل قَابل للتأديب مُبَاح فلتمكن الشُّبْهَة من حَيْثُ الْآلَة يصير الْفِعْل فِي معنى الدائر وَلِهَذَا لم يَجعله مُوجبا للعقوبة فَجعله مُوجبا لِلْكَفَّارَةِ وَلَا يدْخل على هَذَا قتل الْحَرْبِيّ الْمُسْتَأْمن (عمدا) فَإِنَّهُ غير مُوجب لِلْكَفَّارَةِ وَإِن لم تمكن فِيهِ شُبْهَة حَتَّى لم يكن مُوجبا للْقصَاص لِأَن امْتنَاع وجوب الْقصاص هُنَاكَ لِانْعِدَامِ الْمُمَاثلَة بَين المحلين لَا لشُبْهَة وَلِهَذَا يجب الْقصاص على الْمُسْتَأْمن بقتل الْمُسْتَأْمن
نَص عَلَيْهِ فِي السّير الْكَبِير
وَإِن كَانَ امْتنَاع وجوب الْقصاص لأجل الشُّبْهَة فَتلك الشُّبْهَة فِي الْمحل لَا فِي الْفِعْل وَفِي الْقصاص مُقَابلَة الْمحل بِالْمحل وَلِهَذَا لَا تجب الدِّيَة مَعَ وجوب الْقصاص فَأَما الْكَفَّارَة جَزَاء الْفِعْل وَلَا شُبْهَة فِي الْفِعْل هُنَاكَ بل هُوَ مَحْظُور
(1/247)


مَحْض فَلم يكن مُوجبا لِلْكَفَّارَةِ فَأَما فِي المثقل الشُّبْهَة فِي الْفِعْل بِاعْتِبَار أَن الْآلَة لَيست بِآلَة الْقَتْل وَالْفِعْل لَا يَتَأَتَّى بِدُونِ الْآلَة فاعتبرنا هَذِه الشُّبْهَة فِي الْقصاص وَالْكَفَّارَة جَمِيعًا
وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله أَيْضا يجب سُجُود السَّهْو على من زَاد أَو نقص فِي صلَاته عمدا لِأَن وجوب السُّجُود عَلَيْهِ عِنْد السَّهْو بِاعْتِبَار تمكن النُّقْصَان فِي صلَاته وَذَلِكَ مَوْجُود فِي الْعمد وَزِيَادَة فَيثبت الحكم فِيهِ بِدلَالَة النَّص
وَقُلْنَا هَذَا الِاسْتِدْلَال فَاسد لِأَن السَّبَب الْمُوجب بِالنَّصِّ شرعا هُوَ السَّهْو على مَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لكل سَهْو سَجْدَتَانِ بعد السَّلَام والسهو يَنْعَدِم إِذا كَانَ عَامِدًا
فَهَذَا هُوَ الْمِثَال فِي بَيَان الثَّابِت بِدلَالَة النَّص
وَالنَّوْع الرَّابِع وَهُوَ الْمُقْتَضى وَهُوَ عبارَة عَن زِيَادَة على الْمَنْصُوص عَلَيْهِ يشْتَرط تَقْدِيمه ليصير المنظوم مُفِيدا أَو مُوجبا للْحكم وبدونه لَا يُمكن إِعْمَال المنظوم فَكَانَ الْمُقْتَضى مَعَ الحكم مضافين إِلَى النَّص ثابتين بِهِ الحكم بِوَاسِطَة الْمُقْتَضى بِمَنْزِلَة شِرَاء الْقَرِيب يثبت بِهِ الْملك وَالْعِتْق على أَن يَكُونَا مضافين إِلَى الشِّرَاء الْعتْق بِوَاسِطَة الْملك فَعرفنَا أَن الثَّابِت بطرِيق الِاقْتِضَاء بِمَنْزِلَة الثَّابِت بِدلَالَة النَّص لَا بِمَنْزِلَة الثَّابِت بطرِيق الْقيَاس إِلَّا أَن عِنْد الْمُعَارضَة الثَّابِت بِدلَالَة النَّص أقوى لِأَن النَّص يُوجِبهُ بِاعْتِبَار الْمَعْنى لُغَة والمقتضى لَيْسَ من موجباته لُغَة وَإِنَّمَا ثَبت شرعا للْحَاجة إِلَى إِثْبَات الحكم بِهِ وَلَا عُمُوم للمقتضى عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي للمقتضى عُمُوم لِأَن الْمُقْتَضى بِمَنْزِلَة الْمَنْصُوص فِي ثُبُوت الحكم بِهِ حَتَّى كَانَ الحكم الثَّابِت بِهِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ لَا بِالْقِيَاسِ فَكَذَلِك فِي إِثْبَات صفة الْعُمُوم فِيهِ فَيجْعَل كالمنصوص
وَلَكنَّا نقُول ثُبُوت الْمُقْتَضى للْحَاجة والضرورة حَتَّى إِذا كَانَ الْمَنْصُوص مُفِيدا للْحكم بِدُونِ الْمُقْتَضى لَا يثبت الْمُقْتَضى لُغَة وَلَا شرعا وَالثَّابِت بِالْحَاجةِ يتَقَدَّر بِقَدرِهَا وَلَا حَاجَة إِلَى إِثْبَات صفة الْعُمُوم للمقتضى فَإِن الْكَلَام مُفِيد بِدُونِهِ وَهُوَ نَظِير تنَاول الْميتَة لما أُبِيح للْحَاجة تتقدر بِقَدرِهَا وَهُوَ سد الرمق وَفِيمَا وَرَاء ذَلِك من الْحمل والتمول والتناول إِلَى الشِّبَع لَا يثبت حكم الْإِبَاحَة فِيهِ بِخِلَاف الْمَنْصُوص فَإِنَّهُ عَامل بِنَفسِهِ فَيكون بِمَنْزِلَة حل الذكية يظْهر فِي حكم التَّنَاوُل وَغَيره مُطلقًا يُوضحهُ أَن الْمُقْتَضى تبع للمقتضي
(1/248)


فَإِنَّهُ شَرطه ليَكُون مُفِيدا وَشرط الشَّيْء يكون تبعه وَلِهَذَا يكون ثُبُوته بشرائط الْمَنْصُوص فَلَو جعل هُوَ كالمنصوص خرج من أَن يكون تبعا والعموم حكم صِيغَة النَّص خَاصَّة فَلَا يجوز إثْبَاته فِي الْمُقْتَضى
وعَلى هَذَا الأَصْل قُلْنَا إِذا قَالَ لغيره أعتق عَبدك عني على ألف دِرْهَم فَأعْتقهُ وَقع الْعتْق عَن الْآمِر وَعَلِيهِ الْألف لِأَن الْأَمر بِالْإِعْتَاقِ عَنهُ يَقْتَضِي تمْلِيك الْعين مِنْهُ بِالْبيعِ ليتَحَقَّق الْإِعْتَاق عَنهُ وَهَذَا الْمُقْتَضى يثبت مُتَقَدما وَيكون بِمَنْزِلَة الشَّرْط لِأَنَّهُ وصف فِي الْمحل وَالْمحل للتَّصَرُّف كالشرط فَكَذَا مَا يكون وَصفا للمحل وَإِنَّمَا يثبت بِشَرْط الْعتْق لَا بِشَرْط البيع مَقْصُودا حَتَّى يسْقط اعْتِبَار الْقبُول فِيهِ وَلَو كَانَ الْآمِر مِمَّن لَا يملك الْإِعْتَاق لم يثبت البيع بِهَذَا الْكَلَام وَلَو صرح الْمَأْمُور بِالْبيعِ بِأَن قَالَ بِعته مِنْك بِأَلف دِرْهَم وأعتقته لم يجز عَن الْآمِر وَبِهَذَا تبين أَن الْمُقْتَضى لَيْسَ كالمنصوص عَلَيْهِ فِيمَا وَرَاء مَوضِع الْحَاجة
وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو يُوسُف إِذا قَالَ أعتق عَبدك عني بِغَيْر شَيْء فَأعْتقهُ يَقع الْعتْق عَن الْآمِر لِأَن الْملك بطرِيق الْهِبَة يثبت هُنَا بِمُقْتَضى الْعتْق فَيثبت على شَرَائِط الْعتْق وَيسْقط اعْتِبَار شَرطه مَقْصُودا وَهُوَ الْقَبْض كَمَا يسْقط اعْتِبَار الْقبُول فِي البيع بل أولى لِأَن الْقبُول ركن فِي البيع وَالْقَبْض شَرط فِي الْهِبَة فَلَمَّا سقط اعْتِبَار مَا هُوَ الرُّكْن لكَونه ثَابتا بِمُقْتَضى الْعتْق فَلِأَن يسْقط اعْتِبَار مَا هُوَ شَرط أولى وَلِهَذَا لَو قَالَ أعتق عَبدك عني على ألف (دِرْهَم) ورطل من خمر يَقع الْعتْق عَن الْآمِر وَلَو أكره الْمَأْمُور على أَن يعْتق عَبده عَنهُ بِأَلف دِرْهَم يَقع الْعتْق عَن الْآمِر وَبيع الْمُكْره فَاسد وَالْقَبْض شَرط لوُقُوع الْملك فِي البيع الْفَاسِد ثمَّ سقط اعْتِبَاره إِذا كَانَ بِمُقْتَضى الْعتْق
وَأَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله قَالَا الْمُقْتَضى تبع للمقتضي وَالْقَبْض فعل لَيْسَ من جنس القَوْل وَلَا هُوَ دونه حَتَّى يُمكن إثْبَاته تبعا لَهُ وَبِدُون الْقَبْض الْملك لَا يحصل بِالْهبةِ فَلَا يُمكن تَنْفِيذ الْعتْق عَن الْآمِر وَلَا وَجه لجعل العَبْد قَابِضا نَفسه للْآمِر لِأَنَّهُ لَا يسلم لَهُ بِالْعِتْقِ شَيْء من ملك الْمولى وَإِنَّمَا يبطل ملك الْمولى ويتلاشى بِالْإِعْتَاقِ وَلَا وَجه لإِسْقَاط الْقَبْض هُنَا بطرِيق الِاقْتِضَاء لِأَن الْعَمَل بالمقتضى شَرْعِي
(1/249)


فَإِنَّمَا يعْمل فِي إِسْقَاط مَا يحْتَمل السُّقُوط دون مَا لَا يحْتَمل وَشرط الْقَبْض لوُقُوع الْملك فِي الْهِبَة لَا يحْتَمل السُّقُوط بِحَال بِخِلَاف الْقبُول فِي البيع فقد يحْتَمل السُّقُوط أَلا ترى أَن الْإِيجَاب وَالْقَبُول جَمِيعًا يحْتَمل السُّقُوط حَتَّى ينْعَقد البيع بالتعاطي من غير قَول فَلِأَن يحْتَمل مُجَرّد الْقبُول السُّقُوط كَانَ أولى
وَلَو قَالَ بِعْت مِنْك هَذَا الثَّوْب بِعشْرَة فاقطعه فَقَطعه وَلم يقل شَيْئا كَانَ البيع بَينهمَا تَاما وَالْفَاسِد من البيع مُعْتَبر بالجائز فِي الحكم لِأَن الْفَاسِد لَا يُمكن أَن يَجْعَل أصلا يتعرف حكمه من نَفسه وَإِذا كَانَ مَا ثَبت الْملك بِهِ فِي البيع الْجَائِز يحْتَمل السُّقُوط إِذا كَانَ ضمنا لِلْعِتْقِ فَكَذَلِك مَا يثبت بِهِ الْملك فِي البيع الْفَاسِد
وَبَيَان مَا ذكرنَا من الْخلاف بَيْننَا وَبَين الشَّافِعِي فِيمَا إِذا قَالَ إِن أكلت فَعَبْدي حر وَنوى طَعَاما دون طَعَام عِنْده تعْمل نِيَّته لِأَن الْأكل يَقْتَضِي مَأْكُولا وَذَلِكَ كالمنصوص عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ إِن أكلت طَعَاما وَلما كَانَ للمقتضي عُمُوم على قَوْله عمل فِيهِ نِيَّته التَّخْصِيص وَعِنْدنَا لَا تعْمل لِأَنَّهُ لَا عُمُوم للمقتضى وَنِيَّة التَّخْصِيص فِيمَا لَا عُمُوم لَهُ لَغْو بِخِلَاف مَا لَو قَالَ إِن أكلت طَعَاما وعَلى هَذَا لَو قَالَ إِن شربت أَو قَالَ إِن لبست أَو قَالَ إِن ركبت
وعَلى هَذَا قُلْنَا لَو قَالَ إِن اغْتَسَلت اللَّيْلَة وَنوى الِاغْتِسَال من الْجَنَابَة لم تعْمل نِيَّته بِخِلَاف مَا لَو قَالَ إِن اغْتَسَلت غسلا فَإِن هُنَاكَ نِيَّته تعْمل فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ إِن اغْتسل اللَّيْلَة فِي هَذِه الدَّار وَقَالَ عنيت فلَانا لم تعْمل نِيَّته لِأَن الْفَاعِل لَيْسَ فِي لَفظه وَإِنَّمَا يثبت بطرِيق الِاقْتِضَاء بِخِلَاف مَا لَو قَالَ إِن اغْتسل أحد فِي هَذِه الدَّار اللَّيْلَة
وعَلى هَذَا لَو قَالَ لامْرَأَته اعْتدي وَنوى الطَّلَاق فَإِن وُقُوع الطَّلَاق بطرِيق الِاقْتِضَاء لِأَنَّهَا لَا تَعْتَد قبل تقدم الطَّلَاق فَيصير كَأَنَّهُ قَالَ طَلقتك فاعتدي وَلَكِن ثُبُوته بطرِيق الِاقْتِضَاء وَلِهَذَا كَانَ الْوَاقِع رَجْعِيًا وَلَا تعْمل نِيَّته الثَّلَاث فِيهِ وَبعد الْبَيْنُونَة والشروع فِي الْعدة يَقع الطَّلَاق بِهَذَا اللَّفْظ
وَرُبمَا يسْتَدلّ الشَّافِعِي رَحمَه الله بِهَذَا فِي أَن الْمُقْتَضى كالمنصوص عَلَيْهِ وَهُوَ خَارج على مَا ذكرنَا فَإنَّا نجعله كالمنصوص عَلَيْهِ بِقدر الْحَاجة وَهُوَ أَن يصير الْمَنْصُوص مُفِيدا مُوجبا للْحكم فَأَما فِيمَا وَرَاء ذَلِك فَلَا
(1/250)


قَالَ رَضِي الله عَنهُ وَقد رَأَيْت لبَعض من صنف فِي هَذَا الْبَاب أَنه ألحق الْمَحْذُوف بالمقتضى وَسوى بَينهمَا فَخرج على هَذَا الأَصْل قَوْله تَعَالَى {واسأل الْقرْيَة} وَقَالَ المُرَاد الْأَهْل يثبت ذَلِك بِمُقْتَضى الْكَلَام لِأَن السُّؤَال للتبيين فَإِنَّمَا ينْصَرف إِلَى من يتَحَقَّق مِنْهُ الْبَيَان ليَكُون مُفِيدا دون من لَا يتَحَقَّق مِنْهُ وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ وَلم يرد بِهِ الْعين لِأَنَّهُ يتَحَقَّق مَعَ هَذِه الْأَعْذَار فَلَو حمل عَلَيْهِ كَانَ كذبا وَلَا إِشْكَال أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ مَعْصُوما عَن ذَلِك فَعرفنَا بِمُقْتَضى الْكَلَام أَن المُرَاد الحكم
ثمَّ حمله الشَّافِعِي على الحكم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة قولا بِالْعُمُومِ فِي الْمُقْتَضى وَجعل ذَلِك كالمنصوص عَلَيْهِ وَلَو قَالَ رفع عَن أمتِي حكم الْخَطَأ كَانَ ذَلِك عَاما وَلِهَذَا الأَصْل قَالَ لَا يَقع طَلَاق الخاطىء وَالْمكْره وَلَا يفْسد الصَّوْم بِالْأَكْلِ مكْرها
وَقُلْنَا لَا عُمُوم للمقتضي وَحكم الْآخِرَة وَهُوَ الْإِثْم مُرَاد بِالْإِجْمَاع وَبِه ترْتَفع الْحَاجة وَيصير الْكَلَام مُفِيدا فَيبقى مُعْتَبرا فِي حكم الدُّنْيَا
كَذَلِك قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ لَيْسَ المُرَاد عين الْعَمَل فَإِن ذَلِك مُتَحَقق بِدُونِ النِّيَّة وَإِنَّمَا المُرَاد الحكم ثَبت ذَلِك بِمُقْتَضى الْكَلَام
فَقَالَ الشَّافِعِي يعم ذَلِك حكم الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فِيمَا يَسْتَدْعِي الْقَصْد والعزيمة من الْأَعْمَال قولا بِعُمُوم الْمُقْتَضى
وَقُلْنَا المُرَاد حكم الْآخِرَة وَهُوَ أَن ثَوَاب الْعَمَل بِحَسب النِّيَّة لِأَن ثُبُوته بطرِيق الِاقْتِضَاء وَلَا عُمُوم للمقتضى
وَعِنْدِي أَن هَذَا سَهْو من قَائِله فَإِن الْمَحْذُوف غير الْمُقْتَضى لِأَن من عَادَة أهل اللِّسَان حذف بعض الْكَلَام للاختصار إِذا كَانَ فِيمَا بَقِي مِنْهُ دَلِيل على الْمَحْذُوف ثمَّ ثُبُوت هَذَا الْمَحْذُوف من هَذَا الْوَجْه يكون لُغَة وَثُبُوت الْمُقْتَضى يكون شرعا لَا لُغَة وعلامة الْفرق بَينهمَا أَن الْمُقْتَضى تبع يَصح بِاعْتِبَارِهِ الْمُقْتَضِي إِذا صَار كالمصرح بِهِ والمحذوف لَيْسَ بتبع بل عِنْد التَّصْرِيح بِهِ ينْتَقل الحكم إِلَيْهِ لَا أَن يثبت مَا هُوَ الْمَنْصُوص وَلَا شكّ أَن مَا ينْقل غير مَا يصحح الْمَنْصُوص
وَبَيَان هَذَا أَن فِي قَوْله أعتق عَبدك عني محذوفا وَيثبت التَّمْلِيك بطرِيق الِاقْتِضَاء ليَصِح الْمَنْصُوص وَفِي قَوْله {واسأل الْقرْيَة} الْأَهْل مَحْذُوف للاختصار
(1/251)


فَإِن فِيمَا بَقِي من الْكَلَام دَلِيل عَلَيْهِ وَعند التَّصْرِيح بِهَذَا الْمَحْذُوف يتَحَوَّل السُّؤَال عَن الْقرْيَة إِلَى الْأَهْل لَا أَن يتَحَقَّق بِهِ الْمَنْصُوص
وَكَذَلِكَ فِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام رفع عَن أمتِي الْخَطَأ فَإِن عِنْد التَّصْرِيح بالحكم يتَحَوَّل الرّفْع إِلَى الحكم لَا إِلَى مَا وَقع التَّنْصِيص عَلَيْهِ مَعَ الْمَحْذُوف
وَكَذَلِكَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لم يثبت الْعُمُوم هُنَا لِأَن الْمَحْذُوف بِمَنْزِلَة الْمُشْتَرك فِي أَنه يحْتَمل كل وَاحِد من الْأَمريْنِ على الِانْفِرَاد وَلَا عُمُوم للمشترك فَأَما أَن يَجْعَل الْمَحْذُوف ثَابتا بِمُقْتَضى الْكَلَام فَلَا
ويتبين من هَذَا أَن مَا كَانَ محذوفا لَيْسَ بطرِيق الِاقْتِضَاء فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَة الثَّابِت لُغَة فَإِن كَانَ بِحَيْثُ يحْتَمل الْعُمُوم يثبت فِيهِ صفة الْعُمُوم
وعَلى هَذَا مَا إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق أَو طَلقتك وَنوى ثَلَاثًا فَإِن على قَول الشَّافِعِي تعْمل نِيَّته لِأَن قَوْله طَالِق يَقْتَضِي طَلَاقا وَذَلِكَ كالمنصوص عَلَيْهِ فتعمل نِيَّته الثَّلَاث فِيهِ قولا بِالْعُمُومِ فِي الْمُقْتَضى
وَقُلْنَا نَحن إِن قَوْله طَالِق نعت فَرد ونعت الْفَرد لَا يحْتَمل الْعدَد وَالنِّيَّة إِنَّمَا تعْمل إِذا كَانَ الْمَنوِي من محتملات اللَّفْظ وَلَا يُمكن إِعْمَال نِيَّة الْعدَد بِاعْتِبَار الْمُقْتَضى لِأَنَّهُ لَا عُمُوم للمقتضي وَلِأَن الْمُقْتَضى لَا يَجْعَل كالمصرح بِهِ فِي أصل الطَّلَاق فَكيف يَجْعَل كالمصرح بِهِ فِي عدد الطَّلَاق وَبَيَانه أَنه إِذا قَالَ لامْرَأَته زوري أَبَاك أَو حجي وَنوى بِهِ الطَّلَاق لم تعْمل نِيَّته وَمَعْلُوم أَن مَا صرح بِهِ يَقْتَضِي ذَهَابًا لَا محَالة ثمَّ لم يَجْعَل بِمَنْزِلَة قَوْله اذهبي حَتَّى تعْمل نِيَّته الطَّلَاق فِيهِ يقرره أَن قَوْله طَالِق نعت للْمَرْأَة فَإِنَّمَا يعْتَبر فِيهِ من الْمُقْتَضى مَا يكون قَائِما بالموصوف وَالطَّلَاق من هَذَا اللَّفْظ مُقْتَضى هُوَ ثَابت بالواصف شرعا فَإِنَّهُ لَا يكون صَادِقا فِي هَذَا الْوَصْف بِدُونِ طَلَاق يَقع عَلَيْهَا فَيجْعَل موقعا ليتَحَقَّق هَذَا الْوَصْف مِنْهُ صدقا وَمثل هَذَا الْمُقْتَضى لَا يكون كالمصرح بِهِ شرعا بِمَنْزِلَة الْحَال الَّذِي هُوَ قَائِم بالمخاطب وَهُوَ بعده عَن مَوضِع الْحَج وَعَن الزِّيَارَة فَإِن اقْتِضَاء الذّهاب لما كَانَ لذَلِك الْمَعْنى لَا لما هُوَ قَائِم بالمنصوص لَا يَجْعَل كالمصرح بِهِ بِخِلَاف قَوْله أَنْت بَائِن فَإِن ذَلِك نعت فَرد نصا حَتَّى لَا يسع نِيَّة الْعدَد فِيهِ لَو نوى اثْنَتَيْنِ وَلَكِن الْبَيْنُونَة تتصل بِالْمحل فِي الْحَال وَهِي نَوْعَانِ قَاطِعَة للْملك وقاطعة للْحلّ
(1/252)


الَّذِي هُوَ وصف الْمحل فنية الثَّلَاث إِنَّمَا تميز أحد نَوْعي مَا تنَاوله نَص كَلَامه فَأَما الطَّلَاق لَا يتَّصل بِالْمحل مُوجبا حكمه فِي الْحَال بل حكم انْقِطَاع الْملك بِهِ يتَأَخَّر إِلَى انْقِضَاء الْعدة وَحكم انْقِطَاع الْحل بِهِ يتَأَخَّر إِلَى تَمام الْعدة وَإِنَّمَا يُوصف الْمحل للْحَال بِهِ لانعقاد الْعلَّة (فِيهِ) مُوجبا للْحكم فِي أَوَانه وانعقاد الْعلَّة لَا يتنوع فَلم يكن الْمَنوِي من محتملات لَفظه أصلا
وعَلى هَذَا قَوْله طَلقتك فَإِن صِيغَة الْخَبَر عَن فعل مَاض بِمَنْزِلَة قَوْله ضربتك فالمصدر الْقَائِم بِهَذِهِ الصِّيغَة يكون مَاضِيا أَيْضا فَلَا يسع فِيهِ معنى الْعُمُوم بِوَجْه بِخِلَاف قَوْله طَلِّقِي نَفسك فَإِن صيغته أَمر بِفعل فِي الْمُسْتَقْبل لطلب ذَلِك الْفِعْل مِنْهَا فالمصدر الْقَائِم بِهَذِهِ الصِّيغَة يكون مُسْتَقْبلا أَيْضا وَذَلِكَ الطَّلَاق فَيكون بِمَنْزِلَة غَيره من أَسمَاء الْأَجْنَاس فِي احْتِمَال الْعُمُوم وَالْخُصُوص فبدون النِّيَّة يثبت بِهِ أخص الْخُصُوص على احْتِمَال الْكل فَإِذا نوى الثَّلَاث عملت نِيَّته لِأَنَّهُ من محتملات كَلَامه وَإِذا نوى اثْنَتَيْنِ لم تعْمل لِأَنَّهُ لَا احْتِمَال للعدد فِي صِيغَة كَلَامه وعَلى هَذَا لَو قَالَ إِن خرجت وَنوى الْخُرُوج إِلَى مَكَان بِعَيْنِه لم تعْمل نِيَّته وَلَو نوى السّفر تعْمل نِيَّته لِأَن السّفر نوع من أَنْوَاع الْخُرُوج وَهُوَ ثَابت بِاعْتِبَار صِيغَة كَلَامه أَلا ترى أَن الْخُرُوج لغير السّفر بِخِلَاف الْخُرُوج للسَّفر فِي الحكم فَأَما الْمَكَان فَلَيْسَ من صِيغَة كَلَامه فِي شَيْء وَإِن كَانَ الْخُرُوج يكون إِلَى مَكَان لَا محَالة فَلم تعْمل نِيَّة التَّخْصِيص فِيهِ لما لم يكن من مُقْتَضى صِيغَة الْكَلَام بِخِلَاف الأول
وَكَذَلِكَ لَو قَالَ إِن ساكنت فلَانا وَنوى المساكنة فِي مَكَان بِعَيْنِه لم تعْمل نِيَّته أصلا وَلَو نوى المساكنة فِي بَيت وَاحِد تعْمل نِيَّته بِاعْتِبَار أَنه نوى أتم مَا يكون من المساكنة فَإِن أَعم مَا يكون من المساكنة فِي بَلْدَة وَالْمُطلق من المساكنة فِي عرف النَّاس فِي دَار وَاحِدَة وَأتم مَا يكون من المساكنة فِي بَيت وَاحِد فَهَذِهِ النِّيَّة ترجع إِلَى بَيَان نوع المساكنة الثَّابِتَة بِصِيغَة كَلَامه بِخِلَاف تعين الْمَكَان
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَنه لَو قَالَ لولد لَهُ أم مَعْرُوفَة وَهُوَ فِي يَده هَذَا ابْني ثمَّ جَاءَت أمه بعد موت الْمُدَّعِي فصدقته وَادعت مِيرَاثهَا مِنْهُ بِالنِّكَاحِ فَإِنَّهُ يقْضى لَهَا بِالْمِيرَاثِ
(1/253)


وَمَعْلُوم أَن النِّكَاح بَينهمَا بِمُقْتَضى دَعْوَى النّسَب ثمَّ يَجْعَل كالتصريح بِهِ حَتَّى يثبت النِّكَاح صَحِيحا وَيجْعَل قَائِما إِلَى موت الزَّوْج فَيكون لَهَا الْمِيرَاث فَلَو كَانَ ثُبُوت الْمُقْتَضى بِاعْتِبَار الْحَاجة فَقَط لما ثبتَتْ هَذِه الْأَحْكَام لِانْعِدَامِ الْحَاجة فِيهَا قُلْنَا ثُبُوت النِّكَاح هُنَا بِدلَالَة النَّص لَا بِمُقْتَضَاهُ فَإِن الْوَلَد اسْم مُشْتَرك إِذْ لَا يتَصَوَّر ولد فِينَا إِلَّا بوالد ووالدة فالتنصيص على الْوَلَد يكون تنصيصا على الْوَالِد والوالدة دلَالَة بِمَنْزِلَة التَّنْصِيص على الْأَخ يكون كالتنصيص على أَخِيه إِذْ الْأُخوة لَا تتَصَوَّر إِلَّا بَين شَخْصَيْنِ وَقد بَينا أَن الثَّابِت بِدلَالَة النَّص يكون ثَابتا بِمَعْنى النَّص لُغَة لَا أَن يكون ثَابتا بطرِيق الِاقْتِضَاء مَعَ أَن اقْتِضَاء النِّكَاح هُنَا كاقتضاء الْملك فِي قَوْله أعتق عَبدك عني على ألف (دِرْهَم) وَبَعْدَمَا ثَبت العقد بطرِيق الِاقْتِضَاء يكون بَاقِيا لَا بِاعْتِبَار دَلِيل يبْقى بل لِانْعِدَامِ دَلِيل المزيل فَعرفنَا أَنه منته بَينهمَا بالوفاة وانتهاء النِّكَاح بِالْمَوْتِ سَبَب لاسْتِحْقَاق الْمِيرَاث
وَبَعْدَمَا بَينا هَذِه الْحُدُود نقُول الثَّابِت بِمُقْتَضى النَّص لَا يحْتَمل التَّخْصِيص لِأَنَّهُ لَا عُمُوم لَهُ والتخصيص فِيمَا فِيهِ احْتِمَال الْعُمُوم وَالثَّابِت بِدلَالَة النَّص لَا يحْتَمل التَّخْصِيص أَيْضا لِأَن التَّخْصِيص بَيَان أَن أصل الْكَلَام غير متناول لَهُ وَقد بَينا أَن الحكم الثَّابِت بِالدّلَالَةِ ثَابت بِمَعْنى النَّص لُغَة وَبَعْدَمَا كَانَ معنى النَّص متناولا لَهُ لُغَة لَا يبْقى احْتِمَال كَونه غير متناول لَهُ وَإِنَّمَا يحْتَمل إِخْرَاجه من أَن يكون موبجا للْحكم فِيهِ بِدَلِيل يعْتَرض وَذَلِكَ يكون نسخا لَا تَخْصِيصًا
وَأما الثَّابِت بِإِشَارَة النَّص فَعِنْدَ بعض مَشَايِخنَا رَحِمهم الله لَا يحْتَمل الْخُصُوص أَيْضا لِأَن معنى الْعُمُوم فِيمَا يكون سِيَاق الْكَلَام لأَجله فَأَما مَا تقع الْإِشَارَة إِلَيْهِ من غير أَن يكون سِيَاق الْكَلَام لَهُ فَهُوَ زِيَادَة على الْمَطْلُوب بِالنَّصِّ وَمثل هَذَا لَا يسع فِيهِ معنى الْعُمُوم حَتَّى يكون مُحْتملا للتخصيص
قَالَ رَضِي الله عَنهُ وَالأَصَح عِنْدِي أَنه يحْتَمل ذَلِك لِأَن الثَّابِت بِالْإِشَارَةِ كَالثَّابِتِ بالعبارة من حَيْثُ إِنَّه ثَابت بِصِيغَة الْكَلَام والعموم بِاعْتِبَار الصِّيغَة فَكَمَا أَن الثَّابِت بِعِبَارَة النَّص يحْتَمل التَّخْصِيص فَكَذَلِك الثَّابِت بإشارته
(1/254)


فصل
وَقد عمل قوم فِي النُّصُوص بِوُجُوه هِيَ فَاسِدَة عندنَا
فَمِنْهَا مَا قَالَ بَعضهم إِن التَّنْصِيص على الشَّيْء باسم الْعلم يُوجب التَّخْصِيص وَقطع الشّركَة بَين الْمَنْصُوص وَغَيره من جنسه فِي الحكم لِأَنَّهُ لَو لم يُوجب ذَلِك لم يظْهر للتخصيص فَائِدَة وحاشا أَن يكون شَيْء من كَلَام صَاحب الشَّرْع غير مُفِيد وأيد هَذَا قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المَاء من المَاء فالأنصار فَهموا التَّخْصِيص من ذَلِك حَتَّى استدلوا بِهِ على نفي وجوب الِاغْتِسَال بالإكسال وهم كَانُوا أهل اللِّسَان
وَهَذَا فَاسد عندنَا بِالْكتاب وَالسّنة فَإِن الله تَعَالَى قَالَ {مِنْهَا أَرْبَعَة حرم ذَلِك الدّين الْقيم فَلَا تظلموا فِيهِنَّ أَنفسكُم} وَلَا يدل ذَلِك على إِبَاحَة الظُّلم فِي غير الْأَشْهر الْحرم وَقَالَ تَعَالَى {وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا إِلَّا أَن يَشَاء الله} ثمَّ لَا يدل ذَلِك على تَخْصِيص الِاسْتِثْنَاء بالغد دون غَيره من الْأَوْقَات فِي الْمُسْتَقْبل
وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم وَلَا يغتسلن فِيهِ من الْجَنَابَة ثمَّ لَا يدل ذَلِك على التَّخْصِيص بالجنابة دون غَيرهَا من أَسبَاب الِاغْتِسَال والأمثلة لهَذَا تكْثر
ثمَّ إِن عنوا بقَوْلهمْ إِن التَّخْصِيص يدل على قطع الْمُشَاركَة وَهُوَ أَن الحكم يثبت بِالنَّصِّ فِي الْمَنْصُوص خَاصَّة فأحد لَا يخالفهم فِي هَذَا فَإِن عندنَا فِيمَا هُوَ من جنس الْمَنْصُوص الحكم يثبت بعلة النَّص لَا بِعَيْنِه وَإِن عنوا أَن هَذَا التَّخْصِيص يُوجب نفي الحكم فِي غير الْمَنْصُوص فَهُوَ بَاطِل لِأَنَّهُ غير متناول لَهُ أصلا فَكيف يُوجب نفيا أَو إِثْبَاتًا للْحكم فِيمَا لم يتَنَاوَلهُ ثمَّ سِيَاق النَّص لإِيجَاب الحكم وَنفي الحكم ضِدّه فَلَا يجوز أَن يكون من وَاجِبَات نَص الْإِيجَاب وَلِأَن الْمَذْهَب عِنْد فُقَهَاء الْأَمْصَار جَوَاز تَعْلِيل النُّصُوص لتعدية الحكم بهَا إِلَى الْفُرُوع فَلَو كَانَ التَّخْصِيص مُوجبا نفي الحكم فِي غير الْمَنْصُوص لَكَانَ التَّعْلِيل بَاطِلا لِأَنَّهُ يكون ذَلِك قِيَاسا فِي مُقَابلَة النَّص وَمن لَا يجوز
(1/255)


الْعَمَل بِالْقِيَاسِ فَإِنَّمَا لَا يجوزه لاحْتِمَال فِيهِ بَين أَن يكون صَوَابا أَو خطأ لَا لنَصّ يمْنَع مِنْهُ بِمَنْزِلَة الْعَمَل بِخَبَر الْفَاسِق فَإِنَّهُ لَا يعْمل بِخَبَرِهِ لضعف فِي سَنَده لَا لنَصّ فِي خَبره مَانع من الْعَمَل بِهِ وَالْأَنْصَار إِنَّمَا استدلوا بلام التَّعْرِيف الَّتِي هِيَ مستغرقة للْجِنْس أَو الْمَعْهُود فِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام المَاء من المَاء وَنحن نقُول بِهِ فِي الحكم الثَّابِت لعين المَاء وَفَائِدَة التَّخْصِيص عندنَا أَن يتَأَمَّل المستنبطون فِي عِلّة النَّص فيثبتون الحكم بهَا فِي غير الْمَنْصُوص عَلَيْهِ من الْمَوَاضِع لينالوا بِهِ دَرَجَة المستنبطين وثوابهم وَهَذَا لَا يحصل إِذا ورد النَّص عَاما متناولا للْجِنْس
ويحكى عَن الثَّلْجِي رَحمَه الله أَنه كَانَ يَقُول هَذَا إِذا لم يكن الْمَنْصُوص عَلَيْهِ باسم الْعلم محصورا بِعَدَد نصا نَحْو خبر الرِّبَا فَإِن كَانَ محصورا بِعَدَد فَذَلِك يدل على نفي الحكم فِيمَا سواهَا لِأَن فِي إِثْبَات الحكم فِيمَا سواهَا إبِْطَال الْعدَد الْمَنْصُوص وَذَلِكَ لَا يجوز فبهذه الْوَاسِطَة يكون مُوجبا للنَّفْي
وَاسْتدلَّ بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خمس فواسق يقتلن فِي الْحل وَالْحرم وَبِقَوْلِهِ أحلّت لنا ميتَتَانِ وَدَمَانِ فَإِن ذَلِك يدل على نفي الحكم فِيمَا عدا الْمَذْكُور
وَالصَّحِيح أَن التَّنْصِيص لَا يدل على ذَلِك فِي شَيْء من الْمَوَاضِع لما بَينا من الْمعَانِي
ثمَّ ذكر الْعدَد لبَيَان الحكم بِالنَّصِّ ثَابت فِي الْعدَد الْمَذْكُور فَقَط وَقد بَينا أَن فِي غير الْمَذْكُور إِنَّمَا يثبت الحكم بعلة النَّص لَا بِالنَّصِّ فَلَا يُوجب ذَلِك إبِْطَال الْعدَد الْمَنْصُوص
وَمِنْهَا مَا قَالَه الشَّافِعِي رَحمَه الله إِن التَّنْصِيص على وصف فِي الْمُسَمّى لإِيجَاب الحكم يُوجب نفي ذَلِك الحكم عِنْد عدم ذَلِك الْوَصْف بِمَنْزِلَة مَا لَو نَص على نفي الحكم عِنْد عدم الْوَصْف
وَعِنْدنَا النَّص مُوجب للْحكم عِنْد وجود ذَلِك الْوَصْف وَلَا يُوجب نفي ذَلِك الحكم عِنْد انعدامه أصلا
وَبَيَان هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى {من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات} فَإِن عِنْده إِبَاحَة نِكَاح الْأمة (لما كَانَ مُقَيّدا بِصفة الْإِيمَان بِالنَّصِّ أوجب النَّفْي بِدُونِ هَذَا الْوَصْف فَلَا يجوز نِكَاح الْأمة الْكِتَابِيَّة وَعِنْدنَا لَا يُوجب ذَلِك وَلِهَذَا جَوَّزنَا نِكَاح الْأمة) الْكِتَابِيَّة وَقَالَ تَعَالَى {من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن} فَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله لما ورد حُرْمَة الربيبة بِسَبَب الدُّخُول بِامْرَأَة مُقَيّدَة بِوَصْف وَهِي أَن تكون من نِسَائِهِ أوجب ذَلِك نفي الْحُرْمَة عِنْد عدم
(1/256)


ذَلِك الْوَصْف فَلَا تثبت الْحُرْمَة بِالزِّنَا
وَعِنْدنَا لَا يُوجب النَّص نفي الحكم عِنْد انعدام الْوَصْف فَتثبت الْحُرْمَة بِالزِّنَا وَفِي الحَدِيث أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرض صَدَقَة الْفطر على كل حر وَعبد من الْمُسلمين فعلى مذْهبه أوجب هَذَا النَّص نفي الحكم عِنْد عدم الْوَصْف فَلَا تجب الصَّدَقَة عَن العَبْد الْكَافِر
وَعِنْدنَا لَا يُوجب ذَلِك وَلَكِن النَّص المختتم بِهَذَا الْوَصْف لَا يتَنَاوَل الْكفَّار وَالنَّص الْمُطلق وَهُوَ قَوْله أَدّوا عَن كل حر وَعبد يتناولهم لِأَنَّهُ غير مختتم بِهَذَا التَّقْيِيد فَيجب الْأَدَاء عَن العَبْد الْكَافِر بذلك النَّص وَهُوَ بِمَنْزِلَة من يَقُول لغيره أعتق عَبِيدِي ثمَّ يَقُول أعتق الْبيض من عَبِيدِي فَلَا يُوجب ذَلِك النَّهْي عَن إِعْتَاق غير الْبيض بَعْدَمَا كَانَ ثَابتا بِاللَّفْظِ الْمُطلق
وَاسْتدلَّ الشَّافِعِي رَحمَه الله لإِثْبَات مذْهبه عَلَيْهِ السَّلَام فِي خمس من الْإِبِل السَّائِمَة شَاة فَإِن ذَلِك يُوجب نفي الزَّكَاة فِي غير السَّائِمَة فَكَأَنَّهُ قَالَ وَلَا زَكَاة فِي غير السَّائِمَة إِذْ لَو لم يَجْعَل كَذَلِك فَلَا بُد من إِيجَاب الزَّكَاة فِي العوامل بِخَبَر الْمُطلق وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فِي خمس من الْإِبِل شَاة وبالإجماع بَيْننَا وَبَيْنكُم لَا تجب الزَّكَاة فِي غير السَّائِمَة وَلما نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ربح مَا لم يضمن أفهمنا ذَلِك إِبَاحَة ربح مَا قد ضمن كَأَنَّهُ نَص عَلَيْهِ وَلِأَن النَّص لما أوجب الحكم فِي الْمُسَمّى الْمُشْتَمل على أَوْصَاف مُقَيّدا بِوَصْف من تِلْكَ الْأَوْصَاف صَار ذَلِك الْوَصْف بِمَنْزِلَة الشَّرْط لإِيجَاب الحكم على معنى أَنه لَا يثبت الحكم بِالنَّصِّ بعد وجود الْمُسَمّى مَا لم يُوجد ذَلِك الْوَصْف فلولا ذكر الْوَصْف لَكَانَ الحكم ثَابتا قبل وجوده وَهَذَا أَمارَة الشَّرْط فَإِن قَوْله لامْرَأَته أَنْت طَالِق إِن دخلت الدَّار لَا يكون مُوجبا وُقُوع الطَّلَاق مَا لم تدخل وَبِدُون هَذَا الشَّرْط كَانَ مُوجبا للطَّلَاق قبل الدُّخُول
وَقد يكون الْوَصْف بِمَنْزِلَة الشَّرْط حَتَّى لَو قَالَ لَهَا إِن دخلت الدَّار راكبة فَأَنت طَالِق كَانَ الرّكُوب شرطا وَإِن كَانَ مَذْكُورا على سَبِيل الْوَصْف لَهَا
قَالَ وَقد ثَبت من أُصَلِّي أَن التَّقْيِيد بِالشّرطِ يفهمنا نفي الحكم عِنْد عدم الشَّرْط
(1/257)


فَكَذَلِك التَّقْيِيد بِالْوَصْفِ وَهَذَا بِخِلَاف الِاسْم فَإِنَّهُ مَذْكُور للتعريف لَا لتعليق الحكم بِهِ (فَأَما الْوَصْف الَّذِي هُوَ ذكر للْحَال وَهُوَ معنوي يصلح أَن يكون لتعليق الحكم بِهِ) فَيكون مُوجبا نفي الحكم عِنْد عَدمه دلَالَة وَلِأَن بِالِاسْمِ يثبت الحكم ابْتِدَاء كَمَا ثَبت بِالْعِلَّةِ بِخِلَاف الْوَصْف الَّذِي هُوَ فِي معنى الشَّرْط
وسنقرر هَذَا الْفرق فِي الْفَصْل الثَّانِي
وَاسْتدلَّ عُلَمَاؤُنَا بقوله تَعَالَى {وَبَنَات خَالك وَبَنَات خَالَاتك اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك} ثمَّ التَّقْيِيد بِهَذَا الْوَصْف لَا يُوجب نفي الْحل فِي اللَّاتِي لم يهاجرن مَعَه بالِاتِّفَاقِ وَقَالَ تَعَالَى {وَلَا تَأْكُلُوهَا إسرافا وبدارا أَن يكبروا} ثمَّ التَّقْيِيد بِهَذَا الْوَصْف لَا يُفِيد إِبَاحَة الْأكل بِدُونِ هَذَا الْوَصْف وَقَالَ تَعَالَى {إِنَّمَا أَنْت مُنْذر من يخشاها}
{إِنَّمَا تنذر من اتبع الذّكر} وَهُوَ نَذِير للبشر فَعرفنَا أَن التَّقْيِيد بِالْوَصْفِ لَا يفهمنا نفي الْمَنْصُوص عَلَيْهِ عِنْد عدم ذَلِك الْوَصْف ثمَّ أَكثر مَا فِيهِ أَن الْوَصْف الْمُؤثر بِمَنْزِلَة الْعلَّة للْحكم وَلَا خلاف أَن الحكم يثبت بِالْعِلَّةِ إِذا وجدت فَإِن الْعلَّة لَا توجب نفي الحكم عِنْد انعدامها فَكَذَلِك الْوَصْف الْمَذْكُور فِي النَّص يُوجب ثُبُوت الحكم عِنْد وجوده وَلَا يُوجب نفي الحكم عِنْد عَدمه وَلِهَذَا جعلنَا الْوَصْف الْمُؤثر إِذا كَانَ مَنْصُوصا عَلَيْهِ بِمَنْزِلَة الْعلَّة للْحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ فَقُلْنَا صفة السّوم بِمَنْزِلَة الْعلَّة لإِيجَاب الزَّكَاة فِي خمس من الْإِبِل وَلِهَذَا يُضَاف الزَّكَاة إِلَيْهَا فَيُقَال زَكَاة السَّائِمَة والواجبات تُضَاف إِلَى أَسبَابهَا حَقِيقَة بِمَنْزِلَة من يَقُول لغيره أعتق عَبدِي الصَّالح أَو طلق امْرَأَتي البذيئة فَإِن ذكر هَذَا الْوَصْف دَلِيل على أَنه هُوَ الْمُؤثر للْحكم
وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن الْوَصْف لَيْسَ فِي معنى الشَّرْط كَمَا زعم وَقَوله إِن دخلت راكبة إِنَّمَا جعلنَا الرّكُوب شرطا لكَونه مَعْطُوفًا على الشَّرْط فَإِن حكم الْمَعْطُوف حكم الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فَأَما الْوَصْف المقرون بِالِاسْمِ يكون بِمَنْزِلَتِهِ وَالِاسْم لَيْسَ فِي معنى الشَّرْط لإِثْبَات الحكم فَكَذَلِك الْوَصْف المقرون بِهِ
وَلَو كَانَ شرطا فعندنا تَعْلِيق الحكم بِالشّرطِ يُوجب وجود الحكم
(1/258)


عِنْد وجود الشَّرْط وَلَا يُوجب النَّفْي عِنْد عدم الشَّرْط بل ذَلِك بَاقٍ على مَا كَانَ قبل التَّعْلِيق على مَا نبينه وَإِنَّمَا لَا نوجب الزَّكَاة فِي الْحَوَامِل بِاعْتِبَار نَص آخر وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لَا زَكَاة فِي العوامل والحوامل أَو بِاعْتِبَار أَن صفة السّوم صَار بِمَنْزِلَة الْعلَّة فِي حكم الزَّكَاة على مَا قَررنَا
وعَلى هَذَا قَالَ زفر رَحمَه الله فِيمَن لَهُ أمة ولدت ثَلَاثَة أَوْلَاد فِي بطُون مُخْتَلفَة فَقَالَ الْأَكْبَر ابْني يثبت نسب الآخرين مِنْهُ لِأَن التَّنْصِيص على الدعْوَة مُقَيّدا بالأكبر لَا مُوجب لَهُ فِي نفي نسب الآخرين وَقد تبين ثُبُوت نسب الْأَكْبَر مِنْهُ أَنَّهَا كَانَت أم ولد لَهُ من ذَلِك الْوَقْت وَأم الْوَلَد فرَاش للْمولى يثبت نسب وَلَدهَا مِنْهُ بِغَيْر دَعْوَة
وَعِنْدنَا لَا يثبت نسب الآخرين مِنْهُ لَا للتَّقْيِيد بِالْوَصْفِ فَإِنَّهُ لَو أَشَارَ إِلَى الْأَكْبَر وَقَالَ هَذَا ابْني لَا يثبت نسب الآخرين مِنْهُ أَيْضا وَمَعْلُوم أَن التَّنْصِيص بِالِاسْمِ لَا يُوجب نفي الحكم فِي غير الْمُسَمّى بذلك الِاسْم وَلَكِن إِنَّمَا لَا يثبت نسبهما مِنْهُ لِأَن السُّكُوت عَن الْبَيَان بعد تحقق الْحَاجة دَلِيل النَّفْي ويفترض على الْمَرْأَة دَعْوَة النّسَب فِيمَا هُوَ مَخْلُوق من مَائه لِأَنَّهُ كَمَا لَا يحل لَهُ أَن يَدعِي نسب (مَا هُوَ غير مَخْلُوق من مَائه لَا يحل لَهُ أَن يَنْفِي نسب) الْمَخْلُوق من مَائه وَقبل الدعْوَة النّسَب يثبت مِنْهُ على سَبِيل الِاحْتِمَال حَتَّى يملك نَفْيه وَإِنَّمَا يصير مَقْطُوعًا بِهِ على وَجه لَا يملك نَفْيه بالدعوة فَكَانَ ذَلِك فرضا عَلَيْهِ
وَإِذا تقرر بِهَذَا تحقق الْحَاجة إِلَى الْبَيَان كَانَ سُكُوته عَن دَعْوَة نسب الآخرين دَلِيل النَّفْي لَا تَخْصِيصه الْأَكْبَر بالدعوة فَلهَذَا لَا يثبت نسبهما مِنْهُ
وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله إِذا قَالَ شُهُود الْوَارِث لَا نعلم لَهُ وَارِثا غَيره فِي أَرض كَذَا إِن الشَّهَادَة تقبل لِأَن هَذِه الزِّيَادَة لَا توجب عَلَيْهِم توارث آخر فِي غير ذَلِك الْموضع فكأنهم سكتوا عَن ذكر هَذِه الزِّيَادَة وَقَالُوا لَا نعلم لَهُ وَارِثا غَيره
وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد قَالَا لَا تقبل هَذِه الشَّهَادَة لَا لِأَنَّهَا توجب ذَلِك وَلَكِن لتمكن التُّهْمَة فَإِنَّهُ يحْتَمل أَنَّهُمَا خصا ذَلِك الْمَكَان للتحرز عَن الْكَذِب وعلمهما بوارث آخر لَهُ فِي غير ذَلِك الْمَكَان وَلَكِن الشَّهَادَة ترد بالتهمة فَأَما الحكم
(1/259)


لَا يثبت نفيا وَلَا إِيجَابا بالتهمة بل بِالْحجَّةِ الْمَعْلُومَة
وَأَبُو حنيفَة رَحمَه الله يَقُول كَمَا تحْتَمل هَذِه الزِّيَادَة مَا قَالَا تحْتَمل الْمُبَالغَة فِي التَّحَرُّز عَن الْكَذِب بِاعْتِبَار أَنَّهُمَا تفحصا فِي ذَلِك الْموضع دون سَائِر الْمَوَاضِع وَيحْتَمل تَحْقِيق الْمُبَالغَة فِي نفي وَارِث آخر أَي لَا نعلم لَهُ وَارِثا آخر فِي مَوضِع كَذَا مَعَ أَنه مولده ومنشؤه فأحرى أَن لَا يكون لَهُ وَارِث آخر فِي مَوضِع آخر وبمثل هَذَا الْمُحْتَمل لَا تتمكن التُّهْمَة وَلَا يمْنَع الْعَمَل بِشَهَادَتِهِمَا
وَمِنْهَا أَن الحكم مَتى تعلق بِشَرْط بِالنَّصِّ فَعِنْدَ الشَّافِعِي رَحمَه الله ذَلِك النَّص يُوجب انعدام الحكم عِنْد انعدام الشَّرْط كَمَا يُوجب وجود الحكم عِنْد وجود الشَّرْط وَعِنْدنَا لَا يُوجب النَّص ذَلِك بل يُوجب ثُبُوت الحكم عِنْد وجود الشَّرْط فَأَما انعدام الحكم عِنْد عدم الشَّرْط فَهُوَ بَاقٍ على مَا كَانَ قبل التَّعْلِيق
وَبَيَان هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات} الْآيَة فَإِن النَّص لما ورد بِحل نِكَاح الْأمة مُعَلّقا بِشَرْط عدم طول الْحرَّة جعل الشَّافِعِي ذَلِك كالتنصيص على حُرْمَة نِكَاح الْأمة عِنْد وجود طول الْحرَّة
وَعِنْدنَا النَّص لَا يُوجب ذَلِك وَلَكِن الحكم بعد هَذَا النَّص عِنْد وجود طول الْحرَّة على مَا كَانَ عَلَيْهِ أَن لَو لم يرد هَذَا النَّص وَقَالَ تَعَالَى {ويدرأ عَنْهَا الْعَذَاب أَن تشهد أَربع شَهَادَات بِاللَّه} قَالَ الشَّافِعِي لما تعلق بِالنَّصِّ دَرْء الْعَذَاب عَنْهَا بِشَرْط أَن تَأتي بِكَلِمَات اللّعان كَانَ ذَلِك تنصيصا على إِقَامَة الْحَد عَلَيْهَا إِذا لم تأت بِكَلِمَات اللّعان
وَعِنْدنَا لَا يُوجب ذَلِك حَتَّى لَا يُقَام عَلَيْهَا الْحَد وَإِن امْتنعت من كَلِمَات اللّعان
وَجه قَول الشَّافِعِي أَن التَّعْلِيق بِالشّرطِ يُؤثر فِي الحكم دون السَّبَب على اعْتِبَار أَنه لَوْلَا التَّعْلِيق لَكَانَ الحكم ثَابتا فَإِن قَوْله لعَبْدِهِ أَنْت حر مُوجب عتقه فِي الْحَال لَوْلَا قَوْله إِن دخلت الدَّار فبالتعليق يتَأَخَّر نزُول الْعتْق وَلَا يَنْعَدِم أصل السَّبَب
وَبِهَذَا تبين أَن التَّعْلِيق كَمَا يُوجب الحكم عِنْد وجود الشَّرْط يُوجب نفي الحكم قبل وجود الشَّرْط بِمَنْزِلَة التَّأْجِيل وبمنزلة خِيَار الشَّرْط فِي البيع فَإِنَّهُ يدْخل على الحكم دون السَّبَب حَتَّى يتَأَخَّر الحكم إِلَى سُقُوط الْخِيَار مَعَ قيام السَّبَب وَهُوَ نَظِير التَّعْلِيق الْحسي فَإِن تَعْلِيق الْقنْدِيل بِحَبل من
(1/260)


سَمَاء الْبَيْت يمْنَع وُصُوله إِلَى مَوضِع من الأَرْض لَوْلَا التَّعْلِيق وَلَا يعْدم أَصله وَبِهَذَا فَارق الشَّرْط الْعلَّة فَإِن الحكم يثبت ابْتِدَاء بِوُجُود الْعلَّة فَلَا يكون انعدام الحكم قبل وجود الْعلَّة مُضَافا إِلَى الْعلَّة بِاعْتِبَار أَنَّهَا نفت الحكم قبل وجودهَا بل انْعَدم لِانْعِدَامِ سَببه فَأَما الشَّرْط فمغير للْحكم بعد وجود سَببه فَكَانَ مَانِعا من ثُبُوت الحكم قبل وجوده كَمَا كَانَ مثبتا وجود الحكم عِنْد وجوده وعَلى هَذَا الأَصْل لم يجوز تَعْلِيق الطَّلَاق وَالْعتاق بِالْملكِ لِأَن تَأْثِير الشُّرُوط فِي منع حكم لولاه كَانَ مَوْجُودا بِسَبَبِهِ وَلَوْلَا التَّعْلِيق هُنَا كَانَ لَغوا وَشرط قيام الْملك فِي الْمحل عِنْد التَّعْلِيق لِأَن السَّبَب لَا يتَحَقَّق بِدُونِ الْملك وتأثير الشَّرْط فِي تَأْخِير الحكم إِلَى وجوده بعد تقرر السَّبَب بِمَنْزِلَة الْأَجَل فَيشْتَرط قيام الْملك فِي الْمحل عِنْد التَّعْلِيق ليتقرر السَّبَب ثمَّ يتَأَخَّر الحكم إِلَى وجود الشَّرْط بِالتَّعْلِيقِ وَلِهَذَا لم يجوز نِكَاح الْأمة لمن قدر على نِكَاح الْحرَّة لِأَن الْحل مُعَلّق بِشَرْط عدم طول الْحرَّة بِالنَّصِّ وَذَلِكَ يُوجب نفي الحكم عِنْد وجود طول الْحرَّة كَمَا يُوجب إثْبَاته عِنْد عدم طول الْحرَّة
هَذَا هُوَ الْمَفْهُوم من الْكَلَام فَإِن من يَقُول لغيره إِن دخل عَبدِي الدَّار فَأعْتقهُ يفهم مِنْهُ وَلَا تعتقه إِن لم يدْخل الدَّار وَالْعَمَل بالنصوص وَاجِب بمنظومها ومفهومها وَلِهَذَا جوز تَعْجِيل الْكَفَّارَة بعد الْيَمين قبل الْحِنْث لِأَن السَّبَب هُوَ الْيَمين وَلِهَذَا تُضَاف الْكَفَّارَة إِلَيْهَا وَالْأَصْل أَن الْوَاجِبَات تُضَاف إِلَى أَسبَابهَا فَأَما الْحِنْث شَرط يتَعَلَّق وجوب الْأَدَاء بِهِ ويتضح هَذَا فِيمَا إِذا قَالَ إِن فعلت كَذَا فعلي كَفَّارَة يَمِين وَالتَّعْلِيق بِالشّرطِ بِمَنْزِلَة التَّأْجِيل عِنْده فَلَا يمْنَع جَوَاز التَّعْجِيل قبله بِمَنْزِلَة الدّين الْمُؤَجل إِلَّا أَن هَذَا فِي المالي دون البدني لِأَن تَأْثِير التَّعْلِيق بِالشّرطِ فِي تَأْخِير وجوب الْأَدَاء فِي الْحُقُوق الْمَالِيَّة الْوُجُوب ينْفَصل عَن الْأَدَاء من حَيْثُ إِن الْوَاجِب قبل الْأَدَاء مَال مَعْلُوم كَمَا فِي حُقُوق الْعباد فَأَما فِي البدني الْوَاجِب فعل يتَأَدَّى بِهِ فَلَا يتَحَقَّق انْفِصَاله عَن الْأَدَاء وبالتعليق بِالشّرطِ يتَأَخَّر وجوب الْأَدَاء فَيتَأَخَّر تقرر السَّبَب أَيْضا ضَرُورَة لِأَن أَحدهمَا لَا ينْفَصل عَن الآخر
وَنَظِيره من حُقُوق الْعباد الشِّرَاء مَعَ الِاسْتِئْجَار فَإِن بشرَاء الْعين يثبت الْملك وَيتم السَّبَب قبل فعل التَّسْلِيم وبالاستئجار لَا يثبت الْملك فِي الْمَنْفَعَة قبل الِاسْتِيفَاء لِأَنَّهَا لَا تبقى وَقْتَيْنِ وَلَا يتَصَوَّر تَسْلِيمهَا بعد وجودهَا بل يقْتَرن التَّسْلِيم بالوجود فَإِنَّمَا تصير معقودا عَلَيْهَا مَمْلُوكا بِالْعقدِ عِنْد الِاسْتِيفَاء
(1/261)


فَكَذَلِك فِي حُقُوق الله تَعَالَى يفصل بَين المالي والبدني من هَذَا الْوَجْه أَلا ترى أَن من قَالَ لله عَليّ أَن أَتصدق بدرهم رَأس الشَّهْر فَتصدق بِهِ فِي الْحَال جَازَ لهَذَا الْمَعْنى
وَدَلِيلنَا على أَن التَّعْلِيق بِالشّرطِ لَا يُوجب نفي الحكم قبله من الْكتاب قَوْله تَعَالَى {فَإِذا أحصن فَإِن أتين بِفَاحِشَة} الْآيَة وَلَا خلاف أَنه يلْزمهَا الْحَد الْمَذْكُور جَزَاء على الْفَاحِشَة وَإِن لم تحصن وَقَالَ تَعَالَى {فكاتبوهم إِن علمْتُم فيهم خيرا} وَحكم الْكِتَابَة لَا يَنْتَفِي قبل هَذَا الشَّرْط
ثمَّ حَقِيقَة الْكَلَام تبتنى على معرفَة عمل الشَّرْط فَنَقُول التَّعْلِيق بِالشّرطِ تصرف فِي أصل الْعلَّة لَا فِي حكمهَا من حَيْثُ إِنَّه يتَبَيَّن بِالتَّعْلِيقِ أَن الْمَذْكُور لَيْسَ بِسَبَب قبل وجود الشَّرْط وَلَكِن بِعرْض أَن يصير سَببا عِنْد وجوده فأوان وجود الحكم ابْتِدَاء حَال وجود الشَّرْط بِمَنْزِلَة مَا ذكره الْخصم فِي الْعلَّة إِلَّا أَن فرق مَا بَينهمَا أَن الحكم يُوجد عِنْد وجود الشَّرْط ابْتِدَاء وَلكنه يُضَاف إِلَى الْعلَّة ثبوتا بِهِ وَإِلَى الشَّرْط وجودا عِنْده فَكَمَا أَن قبل وجود الْعلَّة انعدام الحكم أصل غير مُضَاف إِلَى الْعلَّة فَكَذَلِك قبل وجود الشَّرْط
وَبَيَان هَذَا الْكَلَام من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن السَّبَب هُوَ الْإِيقَاع وَالْمُعَلّق بِالشّرطِ يَمِين وَهِي غير الْإِيقَاع وينتقض الْيَمين إِذا صَار إيقاعا بِوُجُود الشَّرْط وَالثَّانِي أَن صِحَة الْإِيجَاب بِاعْتِبَار رُكْنه وَمحله أَلا ترى أَن شطر البيع كَمَا لَا يكون سَببا لِانْعِدَامِ تَمام الرُّكْن فَكَذَلِك بيع الْحر لَا يكون سَببا لِأَنَّهُ غير مُضَاف إِلَى مَحَله فَكَذَلِك فِي الطَّلَاق وَالْعتاق شطر الْكَلَام الَّذِي هُوَ إِيجَاب (كَمَا لَا يكون سَببا فَالْكَلَام الَّذِي هُوَ إِيجَاب) مَا لم يتَّصل بِالْمحل لَا يكون سَببا وَالتَّعْلِيق بِالشّرطِ يمْنَع وُصُوله إِلَى الْمحل بالِاتِّفَاقِ وَلكنه بِعرْض أَن يتَّصل بِالْمحل إِذا وجد الشَّرْط كَمَا أَن شَرط البيع بِعرْض أَن يصير سَببا إِذا وجد الشّطْر الثَّانِي
وَكَذَلِكَ شطر النّصاب لَيْسَ بِسَبَب لِلزَّكَاةِ بِمَنْزِلَة النّصاب الْكَامِل فِي ملك من لَيْسَ بِأَهْل لوُجُوب الزَّكَاة عَلَيْهِ وَهُوَ الْكَافِر وَلَكِن بِعرْض أَن يصير سَببا
وَنَظِيره من الحسيات الرَّمْي فَإِن نَفسه لَيْسَ بقتل وَلكنه بِعرْض أَن يصير قتلا إِذا اتَّصل بِالْمحل وَإِذا كَانَ هُنَاكَ مجن منع وُصُوله إِلَى الْمحل فأحد لَا يَقُول بِأَن الْمِجَن مَانع لما هُوَ قتل وَلَكِن لما كَانَ يصير قتلا لَو اتَّصل بِالْمحل عِنْد
(1/262)


عدم الْمِجَن فَكَذَلِك التَّعْلِيق بِالشّرطِ فِي الحكميات
وَبِهَذَا تبين أَنه وهم حَيْثُ جعل التَّعْلِيق كالتأجيل فَإِن التَّأْجِيل لَا يمْنَع وُصُول السَّبَب بِالْمحل لِأَن سَبَب وجوب التَّسْلِيم فِي الدّين وَالْعين جَمِيعًا العقد وَمحل الدّين الذِّمَّة والتأجيل لَا يمْنَع ثُبُوت الدّين فِي الذِّمَّة وَلَا ثُبُوت الْملك فِي الْمَبِيع وَإِنَّمَا يُؤَخر الْمُطَالبَة وَهُوَ مُحْتَمل السُّقُوط فَيسْقط الْأَجَل بالتعجيل ويتحقق أَدَاء الْوَاجِب وَهنا التَّعْلِيق يمْنَع الْوُصُول إِلَى الْمحل وَقبل الْوُصُول (إِلَى الْمحل) لَا يتم السَّبَب وَلَا يتَصَوَّر أَدَاء الْوَاجِب قبل تَمام السَّبَب وَلِهَذَا لم نجوز التَّكْفِير قبل الْحِنْث لِأَن أدنى دَرَجَات السَّبَب أَن يكون طَرِيقا إِلَى الحكم وَالْيَمِين مَانع من الْحِنْث الَّذِي تعلق بِهِ وجوب الْكَفَّارَة على مَا قَرَّرَهُ فَإِنَّهَا مُوجبَة للبر وَالْبر يفوت بِالْحِنْثِ وَفِي الْحِنْث نقض الْيَمين كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَلَا تنقضوا الْأَيْمَان بعد توكيدها} ويستحيل أَن يُقَال فِي شَيْء إِنَّه سَبَب لحكم لَا يثبت ذَلِك الحكم إِلَّا بعد انتقاضه فَعرفنَا أَنه بِعرْض أَن يصير سَببا عِنْد وجود الشَّرْط فَلهَذَا كَانَ مُضَافا إِلَيْهِ وَقبل أَن يصير سَببا لَا يتَحَقَّق الْأَدَاء وفرقه بَين المالي والبدني بَاطِل فَإِن بعد تَمام السَّبَب الْأَدَاء جَائِز فِي البدني والمالي جَمِيعًا وَإِن تَأَخّر وجوب الْأَدَاء كالمسافر إِذا صَامَ فِي شهر رَمَضَان وَهَذَا لِأَن الْوَاجِب لله على العَبْد فعل هُوَ عبَادَة فَأَما المَال وَمَنَافع الْبدن فَإِنَّهُ يتَأَدَّى الْوَاجِب بهما فَكَمَا أَن فِي الْبدن مَعَ تملق وجوب الْأَدَاء بِالشّرطِ لَا يكون السَّبَب تَاما فَكَذَلِك فِي المالي بِخِلَاف حُقُوق الْعباد فَإِن الْوَاجِب للعباد مَال لَا فعل لِأَن الْمَقْصُود مَا ينْتَفع مِنْهُ العَبْد أَو ينْدَفع عَنهُ الخسران بِهِ وَذَلِكَ بِالْمَالِ دون الْفِعْل وَلِهَذَا إِذا ظفر بِجِنْس حَقه فاستوفى تمّ الِاسْتِيفَاء وَإِن لم يُوجد فعل هُوَ أَدَاء مِمَّن عَلَيْهِ
فَأَما حُقُوق الله تَعَالَى وَاجِبَة بطرِيق الْعِبَادَة وَنَفس المَال لَيْسَ بِعبَادة إِنَّمَا الْعِبَادَة اسْم لعمل يباشره العَبْد بِخِلَاف هوى النَّفس لابتغاء مرضاة الله تَعَالَى وَفِي هَذَا المالي والبدني سَوَاء وَهَذَا التَّعْلِيق لَا يشبه بتعليق الْقنْدِيل بالحبل لِأَن الْقنْدِيل كَانَ مَوْجُودا بِذَاتِهِ قبل التَّعْلِيق فَعرفنَا أَن عمل التَّعْلِيق فِي تَفْرِيغ الْمَكَان الَّذِي كَانَ مَشْغُولًا بِهِ من الأَرْض قبل التَّعْلِيق وَهنا قبل التَّعْلِيق مَا كَانَ الحكم مَوْجُودا فَكَانَ تَأْثِير التَّعْلِيق فِي تَأْخِير السَّبَبِيَّة للْحكم إِلَى وجود
(1/263)


الشَّرْط وَلِهَذَا جَوَّزنَا تَعْلِيق الطَّلَاق وَالْإِعْتَاق بِالْملكِ لِأَن الْمُتَعَلّق قبل وجود الشَّرْط يَمِين وَمحل الِالْتِزَام بِالْيَمِينِ الذِّمَّة فَأَما الْملك فِي الْمحل إِنَّمَا يشْتَرط لإِيجَاب الطَّلَاق وَالْإِعْتَاق وَهَذَا الْكَلَام للْحَال لَيْسَ بِإِيجَاب وَلكنه بِعرْض أَن يصير إِيجَابا فَإِن تَيَقنا بِوُجُود الْملك فِي الْمحل حِين يصير إِيجَابا بوصوله إِلَى الْمحل صححنا التَّعْلِيق بِاعْتِبَارِهِ وَإِن لم نتيقن بذلك بِأَن كَانَ الشَّرْط مِمَّا لَا أثر لَهُ فِي إِثْبَات الْملك فِي الْمحل شرطنا الْملك فِي الْحَال ليصير كَلَامه إِيجَابا عِنْد وجود الشَّرْط بِاعْتِبَار الظَّاهِر وَهُوَ أَن مَا علم ثُبُوته فَالْأَصْل بَقَاؤُهُ وَلَكِن بِهَذَا الظَّاهِر دون الْملك الَّذِي يتَيَقَّن بِهِ عِنْد وجود الشَّرْط فصحة التَّعْلِيق بِاعْتِبَار ذَلِك النَّوْع دَلِيل على صِحَة التَّعْلِيق بِاعْتِبَار هَذَا الْملك بطرِيق أولى وَلَيْسَ التَّعْلِيق كاشتراط الْخِيَار فِي البيع فَإِن ذَلِك لَا يدْخل على أصل السَّبَب لِأَن البيع لَا يحْتَمل الْحَظْر وَفِي جعله مُتَعَلقا بِشَرْط لَا نَدْرِي أَن يكون أَو لَا يكون حظر تَامّ وَلِهَذَا كَانَ الْقيَاس أَن لَا يجوز البيع مَعَ خِيَار الشَّرْط وَلَكِن السّنة جوزت ذَلِك لحَاجَة النَّاس بِاعْتِبَار أَن الْخِيَار دخل على الحكم دون السَّبَب فَإِن الحكم يحْتَمل التَّأْخِير عَن السَّبَب فَجعل الحكم مُتَعَلقا بِشَرْط إِسْقَاط الْخِيَار مَعَ ثُبُوت السَّبَب لِأَن السَّبَب مُحْتَمل للْفَسْخ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُود وَهُوَ دفع الضَّرَر يحصل بِهَذَا الطَّرِيق وَهُوَ أقل غررا فَأَما الطَّلَاق وَالْعتاق فَأصل السَّبَب فيهمَا يحْتَمل التَّعْلِيق بِالشّرطِ فَإِذا وجد التَّعْلِيق نصا يثبت الْحَظْر الْكَامِل فيهمَا بِأَن تعلق صيرورتهما سَببا بِوُجُود الشَّرْط
وَالدَّلِيل على الْفرق من جِهَة الحكم أَنه لَو حلف أَن لَا يَبِيع فَبَاعَ بِشَرْط الْخِيَار حنث فِي يَمِينه
وَلَو حلف أَن لَا يُطلق امْرَأَته فعلق طَلاقهَا بِالشّرطِ لم يَحْنَث مَا لم يُوجد الشَّرْط وعَلى هَذَا جَوَّزنَا نِكَاح الْأمة لمن لَهُ طول الْحرَّة لِأَن التَّعْلِيق بِالشّرطِ لَا يُوجب نفي الحكم قبله فَيجْعَل الْحل ثَابتا قبل وجود هَذَا الشَّرْط بِالْآيَاتِ الْمُوجبَة لحل الْإِنَاث للذكور
وَهَكَذَا نقُول فِي قَوْله إِن دخل عَبدِي الدَّار
(1/264)


فَأعْتقهُ فَإِن ذَلِك لَا يُوجب نفي الحكم قبله حَتَّى إِنَّه لَو كَانَ قَالَ أَولا أعتق عَبدِي ثمَّ قَالَ أعْتقهُ إِن دخل الدَّار جَازَ لَهُ أَن يعتقهُ قبل الدُّخُول بِالْأَمر الأول وَلَا يَجْعَل هَذَا الثَّانِي نهيا عَن الأول
(فَإِن قيل لَا خلاف أَن الحكم الْمُتَعَلّق بِالشّرطِ يثبت عِنْد وجود الشَّرْط وَإِذا كَانَ الحكم ثَابتا هُنَا قبل وجود الشَّرْط فَكيف يتَصَوَّر ثُبُوته عِنْد وجود الشَّرْط إِذْ لَا يجوز أَن يكون الحكم الْوَاحِد ثَابتا فِي الْحَال ومتعلقا بِشَرْط منتظر قُلْنَا حل الْوَطْء لَيْسَ بِثَابِت قبل النِّكَاح وَلكنه مُتَعَلق بِشَرْط النِّكَاح فِي الْآيَات الَّتِي لَيْسَ فِيهَا هَذَا الشَّرْط الزَّائِد ومتعلق بهَا وَبِهَذَا الشَّرْط فِي هَذِه الْآيَة وَإِنَّمَا يتَحَقَّق مَا ادّعى من التضاد فِيمَا هُوَ مَوْجُود فَأَما فِيمَا هُوَ مُتَعَلق فَلَا لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون الحكم مُتَعَلقا بِشَرْط وَذَلِكَ الحكم بِعَيْنِه مُتَعَلقا بِشَرْط آخر قبله أَو بعده أَلا ترى أَن من قَالَ لعَبْدِهِ إِذا جَاءَ يَوْم الْخَمِيس فَأَنت حر ثمَّ قَالَ إِذا جَاءَ يَوْم الْجُمُعَة فَأَنت حر كَانَ الثَّانِي صَحِيحا وَإِن كَانَ مَجِيء يَوْم الْجُمُعَة لَا يكون إِلَّا بعد مَجِيء يَوْم الْخَمِيس حَتَّى لَو أخرجه من ملكه فجَاء يَوْم الْخَمِيس ثمَّ أَعَادَهُ إِلَى ملكه فجَاء يَوْم الْجُمُعَة يعْتق بِاعْتِبَار التَّعْلِيق الثَّانِي)
فَإِن قيل مَعَ هَذَا لَا يجوز أَن يكون الشَّيْء الْوَاحِد كَمَال الشَّرْط لإِثْبَات حكم وَهُوَ بعض الشَّرْط لإِثْبَات ذَلِك الحكم أَيْضا وَمَا قُلْتُمْ يُؤَدِّي إِلَى هَذَا فَإِن عقد النِّكَاح كَمَال الشَّرْط فِي سَائِر الْآيَات سوى قَوْله تَعَالَى {وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا} وَهُوَ بعض الشَّرْط فِي هَذِه الْآيَة إِذا قُلْتُمْ بِأَن الحكم يثبت ابْتِدَاء عِنْد وجود هَذَا الشَّرْط
قُلْنَا إِنَّمَا لَا يجوز هَذَا بِنَصّ وَاحِد فَأَما بنصين فَهُوَ جَائِز أَلا ترى أَنه لَو قَالَ لعَبْدِهِ أَنْت حر إِن أكلت ثمَّ قَالَ أَنْت حر إِن أكلت وشربت صَحَّ كل وَاحِد مِنْهُمَا وَيكون الْأكل كَمَال الشَّرْط بِالتَّعْلِيقِ الأول وَبَعض الشَّرْط فِي التَّعْلِيق الثَّانِي حَتَّى لَو بَاعه فَأكل فِي غير ملكه ثمَّ اشْتَرَاهُ فَشرب فَإِنَّهُ يعْتق لتَمام الشَّرْط فِي التَّعْلِيق الثَّانِي وَهُوَ فِي ملكه
وعَلى هَذَا الأَصْل قَالَ زفر رَحمَه الله إِن التَّعْلِيق لَا يبطل بِفَوَات الْمحل حَتَّى لَو قَالَ لامْرَأَته إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق ثَلَاثًا ثمَّ طَلقهَا ثَلَاثًا لم يبطل التَّعْلِيق
(1/265)


وَلَو قَالَ لأمته إِن دخلت الدَّار فَأَنت حرَّة ثمَّ أعْتقهَا لم يبطل التَّعْلِيق حَتَّى إِذا ارْتَدَّت وَلَحِقت بدار الْحَرْب فسبيت وملكها ثمَّ دخلت الدَّار عتقت قَالَ لِأَن التَّعْلِيق بِالشّرطِ يمْنَع الْوُصُول إِلَى الْمحل والمتعلق بِالشّرطِ لَا يكون طَلَاقا وَلَا سَببا للطَّلَاق قبل وجود الشَّرْط وَاشْتِرَاط الْمَحَلِّيَّة لتَمام السَّبَب وَثُبُوت الحكم عِنْد الْوُصُول إِلَيْهِ بِمَنْزِلَة اشْتِرَاط الْملك فَكَمَا لَا يبطل التَّعْلِيق بعد صِحَّته بانعدام الْملك فِي الْمحل بِأَن بَاعَ العَبْد أَو أبان الْمَرْأَة وَانْقَضَت عدتهَا فَكَذَلِك لَا يبطل بانعدام الْمَحَلِّيَّة وَهَذَا لِأَن توهم الْمَحَلِّيَّة عِنْد وجود الشَّرْط قَائِم كتوهم الْملك وَإِذا كَانَ يَصح ابْتِدَاء التَّعْلِيق بِاعْتِبَار توهم الْملك عِنْد وجود الشَّرْط فِي هَذِه الْيَمين لِأَن الْملك الْمَوْجُود عِنْد التَّعْلِيق متوهم الْبَقَاء عِنْد وجود الشَّرْط لَا مُتَيَقن الْبَقَاء فَلِأَن يبْقى التَّعْلِيق صَحِيحا بِاعْتِبَار هَذَا التَّوَهُّم كَانَ أولى أَلا ترى أَن التَّعْلِيق بِالْملكِ يبْقى بِاعْتِبَار هَذَا الْمَعْنى حَتَّى إِذا قَالَ لأجنبية كلما تَزَوَّجتك فَأَنت طَالِق ثَلَاثًا فَتَزَوجهَا وَطلقت ثَلَاثًا ثمَّ تزَوجهَا ثَانِيًا بعد زوج تطلق أَيْضا
وَلَكنَّا نقُول بانعدام الْمحل يبطل التَّعْلِيق لِأَن صِحَة التَّعْلِيق بِاعْتِبَار الْمَحْلُوف بِهِ وَهُوَ مَا يصير طَلَاقا عِنْد وجود الشَّرْط وَلَا تصور لذَلِك بِدُونِ الْمحل وبالتطليقات الثَّلَاث تحقق فَوَات الْمحل لِأَن الحكم الْأَصْلِيّ للطَّلَاق زَوَال صفة الْحل عَن الْمحل وَلَا تصور لذَلِك بعد حُرْمَة الْمحل بالتطليقات الثَّلَاث فلانعدام الْمَحْلُوف بِهِ من هَذَا الْوَجْه يبطل التَّعْلِيق لَا لِأَن الْمُتَعَلّق بِالشّرطِ تَطْلِيقَات ذَلِك الْملك
وَتَحْقِيق هَذَا أَنه لَا بُد لصِحَّة التَّعْلِيق من الْمحل (أَيْضا) حَتَّى لَا يَصح التَّعْلِيق بِالْعِتْقِ مُضَافا إِلَى الْبَهِيمَة إِلَّا أَن قيام الْملك فِي الْمحل لَا يشْتَرط لِأَن التَّعْلِيق بِالشّرطِ لَيْسَ هُوَ الطَّلَاق الْمَمْلُوك وَإِذا كَانَت صِحَة التَّعْلِيق تستدعي الْمحل لم يبْق صَحِيحا بعد فَوَات الْمحل لِأَن فِيمَا يرجع إِلَى الْمحل الْبَقَاء بِمَنْزِلَة الِابْتِدَاء وتوهم الْمَحَلِّيَّة على الْوَجْه الَّذِي قَالَ لَا يعْتَبر لصِحَّة التَّعْلِيق فِي الِابْتِدَاء فَإِنَّهُ لَو قَالَ لأجنبية إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق أَو قَالَ ذَلِك للمطلقة ثَلَاثًا لم يَصح التَّعْلِيق وَإِن كَانَ يتَوَهَّم الْملك والمحلية عِنْد وجود الشَّرْط فَإِذا لم يعْتَبر ذَلِك لصِحَّة التَّعْلِيق فِي الِابْتِدَاء لَا يعْتَبر لبَقَائه صَحِيحا بِخِلَاف مَا إِذا صرح بِالْإِضَافَة إِلَى الْملك فَإِن اعْتِبَار ذَلِك التَّعْلِيق بالتيقن بِالْملكِ والمحلية عِنْد
(1/266)


وجود الشَّرْط
يُوضحهُ أَن الْمُتَعَلّق وَإِن لم تكن التطليقات الْمَمْلُوكَة لَهُ وَلَكِن فِي التَّعْلِيق شُبْهَة ذَلِك على معنى أَنه مَا صَحَّ إِلَّا بِاعْتِبَارِهِ بِمَنْزِلَة الْغَصْب فَإِن مُوجبه رد الْعين وَلَكِن فِيهِ شُبْهَة وجوب ضَمَان الْقيمَة بِهِ وَقد اعْتبرنَا الشُّبْهَة حَتَّى أثبتنا الْملك عِنْد تقرر الضَّمَان من وَقت الْغَصْب فَهُنَا أَيْضا لَا بُد من اعْتِبَار هَذِه الشُّبْهَة وَبَعْدَمَا أوقع الثَّلَاث قد ذهبت التطليقات الْمَمْلُوكَة كلهَا فَلهَذَا لَا يبْقى التَّعْلِيق
وَمن هَذِه الْجُمْلَة مَا قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله إِن الْمُطلق مَحْمُول على الْمُقَيد سَوَاء كَانَ فِي حَادِثَة وَاحِدَة أَو فِي حادثتين لِأَن الشَّيْء الْوَاحِد لَا يجوز أَن يكون مُطلقًا ومقيدا وَالْمُطلق سَاكِت والمقيد نَاطِق فَكَانَ هُوَ أولى بِأَن يَجْعَل أصلا وَيَبْنِي الْمُطلق عَلَيْهِ فَيثبت الحكم مُقَيّدا بهما كَمَا فِي نُصُوص الزَّكَاة فَإِن الْمُطلق عَن صفة السّوم مَحْمُول على الْمُقَيد بِصفة السّوم فِي حكم الزَّكَاة بالِاتِّفَاقِ
وَكَذَلِكَ نُصُوص الشَّهَادَة فَإِن الْمُطلق عَن صفة الْعَدَالَة مَحْمُول على الْمُقَيد بهَا فِي اشْتِرَاط الْعَدَالَة فِي الشَّهَادَات كلهَا وَكَذَلِكَ نُصُوص الْهَدَايَا فَإِن الْمُطلق عَن التَّبْلِيغ وَهُوَ هدي الْمُتْعَة وَالْقرَان مَحْمُول على الْمُقَيد بالتبليغ وَهُوَ جَزَاء الصَّيْد يَعْنِي قَوْله {هَديا بَالغ الْكَعْبَة} حَتَّى يجب التَّبْلِيغ فِي الْهَدَايَا كلهَا
وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ فِي حادثتين لِأَن التَّقْيِيد بِالْوَصْفِ بِمَنْزِلَة التَّعْلِيق بِالشّرطِ على مَا قَررنَا وكما أوجب نفي الحكم فِيهِ قبل وجود الشَّرْط أوجب فِي نَظِيره اسْتِدْلَالا بِهِ وَلِهَذَا شَرط الْإِيمَان فِي الرَّقَبَة فِي كَفَّارَة الْيَمين وَالظِّهَار اسْتِدْلَالا بكفارة الْقَتْل لِأَن الْكل كَفَّارَة بالتحرير فَيكون بَعْضهَا نَظِير بعض بِمَنْزِلَة الطَّهَارَة فَإِن تَقْيِيد الْأَيْدِي بالمرافق فِي الْوضُوء جعل تقييدا فِي نَظِيره وَهُوَ التَّيَمُّم لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا طَهَارَة وَهَذَا بِخِلَاف مقادير الْكَفَّارَات والعبادات من الصَّلَوَات وَغَيرهَا لِأَن ثُبُوتهَا بالنصوص باسم الْعلم لَا بِالصّفةِ الَّتِي تجْرِي مجْرى الشَّرْط وَقد بَينا أَن اسْم الْعلم لَا يُوجب نفي الحكم قبل وجوده فِي الْمُسَمّى بِهِ فَكيف يُوجب ذَلِك فِي غَيره وَلَا يلْزَمنِي على هَذَا التَّتَابُع فِي صَوْم كَفَّارَة الْيَمين فَإِنِّي لَا أوجبه اسْتِدْلَالا بالمقيد بالتتابع فِي صَوْم الظِّهَار وَالْقَتْل لِأَن هَذَا الْمُطلق يُعَارض فِيهِ نَظَائِره من النُّصُوص فَمِنْهَا مُقَيّد بِصفة التَّتَابُع وَمِنْهَا مُقَيّد بِصفة التَّفَرُّق يَعْنِي صَوْم الْمُتْعَة قَالَ تَعَالَى {وَسَبْعَة إِذا رجعتم} حَتَّى لَو لم يفرق الصَّوْم فِيهَا لم يجز فَلَا يكون حملهَا على أَحدهمَا بِأولى من الآخر وَلأَجل هَذَا التَّعَارُض أثبتنا فِيهَا حكم الْإِطْلَاق
بِالصَّوْمِ الْمُقَيد بالتتابع فِي بَاب الْكَفَّارَات فَذَلِك يلزمكم اشْتِرَاط صفة الْإِيمَان فِي الرَّقَبَة فِي كَفَّارَة الْيَمين اعْتِبَارا بنظيرها فِي كَفَّارَة الْقَتْل
وَعِنْدنَا هَذَا أبعد من الأول لِأَن الْعلَّة وَاحِدَة هُنَاكَ وَالْحكم مُخْتَلف وَهنا الحكم وَالْعلَّة جَمِيعًا مُخْتَلف فَكيف يُمكن تعرف حكم من حكم آخر أَو تعرف عِلّة من عِلّة أُخْرَى ثمَّ الدَّلِيل لنا من الْكتاب قَوْله تَعَالَى {لَا تسألوا} ثمَّ هَذَا يلزمكم فَإِنَّكُم أثبتم صفة التَّتَابُع
(1/267)


فِي صَوْم كَفَّارَة الْيَمين اعْتِبَارا {عَن أَشْيَاء إِن تبد لكم تَسُؤْكُمْ} وَفِي الرُّجُوع إِلَى الْمُقَيد ليعرف مِنْهُ حكم الْمُطلق إقدام على هَذَا الْمنْهِي عَنهُ لما فِيهِ من ترك الْإِبْهَام فِيمَا أبهم الله تَعَالَى وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ أبهموا مَا أبهم الله وَاتبعُوا مَا بَين
وَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ أم الْمَرْأَة مُبْهمَة فأبهموها
وَإِنَّمَا أَرَادَ قَوْله {وَأُمَّهَات نِسَائِكُم} فَإِن حرمتهَا مُطلقَة وَحُرْمَة الربيبة مُقَيّدَة بقوله تَعَالَى {من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن} وَهَذَا غير مَذْكُور على وَجه الشَّرْط بل على وَجه الزِّيَادَة فِي تَعْرِيف النِّسَاء فَإِن النِّسَاء الْمَذْكُورَة فِي قَوْله {وَأُمَّهَات نِسَائِكُم} معرف بِالْإِضَافَة إِلَيْنَا وَفِي قَوْله تَعَالَى {من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن} زِيَادَة تَعْرِيف أَيْضا بِمَنْزِلَة قَول الرجل عبد امْرَأَتي وَعبد امْرَأَتي الْبَيْضَاء فَلَا يكون ذَلِك فِي معنى الشَّرْط حَتَّى يكون دَلِيلا على نفي الحكم قبل وجوده كَمَا توهمه الْخصم
وَكَذَلِكَ فِي كَفَّارَة الْقَتْل ذكر صفة الْإِيمَان فِي الرَّقَبَة لتعريف الرَّقَبَة الْمَشْرُوعَة كَفَّارَة لَا على وَجه الشَّرْط
وَإِنَّمَا لَا يجزىء الْكَافِر لِأَنَّهَا غير مَشْرُوعَة لَا لِانْعِدَامِ شَرط الْجَوَاز فِيمَا هُوَ مَشْرُوع كَمَا لَا تجزىء إِرَاقَة الدَّم وتحرير نصف الرَّقَبَة لِأَن الْكَفَّارَة مَا عرفت إِلَّا شرعا فَمَا لَيْسَ بمشروع لَا يحصل بِهِ التَّكْفِير وَفِي الْموضع الَّذِي هُوَ مَشْرُوع يحصل بِهِ التَّكْفِير وَلَا شكّ أَن انعدام كَونه مَشْرُوعا فِي مَوضِع لَا يُوجب نفي كَونه مَشْرُوعا فِي مَوضِع آخر وَلَو كَانَ مُوجبا لذَلِك لم يجز الْعَمَل بِهِ مَعَ النَّص الْمُطلق الَّذِي هُوَ دَلِيل كَونه مَشْرُوعا
وَبِهَذَا تبين أَن فِيمَا ذهب إِلَيْهِ قولا بتناقض الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة أَو ترك الْعَمَل بِبَعْضِهَا
ثمَّ للمطلق حكم وَهُوَ الْإِطْلَاق فَإِن للإطلاق معنى مَعْلُوما وَله حكم مَعْلُوم وللمقيد كَذَلِك فَكَمَا لَا يجوز حمل الْمُقَيد على الْمُطلق لإِثْبَات حكم الْإِطْلَاق فِيهِ لَا يجوز حمل الْمُطلق على الْمُقَيد لإِثْبَات حكم التَّقْيِيد فِيهِ وَلَئِن سلمنَا
(1/268)


أَن الْقَيْد الْمَذْكُور بِمَنْزِلَة الشَّرْط وَأَنه يُوجب نفي الحكم قبله فِيهِ فَلَا يُوجب ذَلِك فِي غَيره مَا لم تثبت الْمُمَاثلَة (بَينهمَا وَلَا مماثلة) فِي الْمَعْنى بَين أم الْمَرْأَة وابنتها لِأَن أم الْمَرْأَة تبرز إِلَى زوج ابْنَتهَا قبل الزفاف عَادَة والربيبة تمنع من ذَلِك بعد الزفاف فضلا عَمَّا قبله
وَكَذَلِكَ لَا مماثلة بَين سَبَب كَفَّارَة الْقَتْل وَبَين سَائِر أَسبَاب الْكَفَّارَة فَإِن الْقَتْل بِغَيْر حق لَا يكون فِي معنى الْجِنَايَة كالظهار أَو الْيَمين وَلَا مماثلة فِي الحكم أَيْضا فالرقبة عين فِي كَفَّارَة الْقَتْل وَلَا مدْخل للإطعام فِيهَا وَالصَّوْم مُقَدّر بشهرين مُتَتَابعين وَفِي الظِّهَار للإطعام مدْخل عِنْد الْعَجز عَن الصَّوْم وَفِي الْيَمين يتَخَيَّر بَين ثَلَاثَة أَشْيَاء وَيَكْفِي إطْعَام عشرَة مَسَاكِين وَعند الْعَجز يتَأَدَّى بِصَوْم ثَلَاثَة أَيَّام فَمَعَ انعدام الْمُمَاثلَة فِي السَّبَب وَالْحكم كَيفَ يَجْعَل مَا يدل على نفي الحكم فِي كَفَّارَة الْقَتْل دَلِيلا على النَّفْي فِي كَفَّارَة الْيَمين وَالظِّهَار وَإِذا كَانَ هُوَ لَا يعْتَبر الصَّوْم فِي كَفَّارَة الْيَمين بِالصَّوْمِ فِي سَائِر الْكَفَّارَات فِي صفة التَّتَابُع لِانْعِدَامِ الْمُمَاثلَة فَكيف يَسْتَقِيم مِنْهُ اعْتِبَار الرَّقَبَة فِي كَفَّارَة الْيَمين بِالرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَة الْقَتْل وَمَا ذكره من الْعذر بَاطِل فالمطلق فِي كَفَّارَة إِنَّمَا يحمل على الْمُقَيد فِي الْكَفَّارَة أَيْضا وَلَيْسَ فِي صَوْم الْكَفَّارَة مُقَيّد بالتفرق فَإِن صَوْم الْمُتْعَة لَيْسَ بكفارة بل هُوَ نسك بِمَنْزِلَة إِرَاقَة الدَّم الَّذِي كَانَ الصَّوْم خلفا عَنهُ ثمَّ هُوَ غير مُقَيّد بالتفرق فَإِنَّهُ وَإِن فرقه قبل الرُّجُوع لَا يجوز وَلكنه مُضَاف إِلَى وَقت بِحرف إِذا كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَسَبْعَة إِذا رجعتم} والمضاف إِلَى وَقت لَا يجوز قبل ذَلِك الْوَقْت كَصَوْم رَمَضَان قبل شُهُود الشَّهْر وَصَلَاة الظّهْر قبل زَوَال الشَّمْس
وَعِنْدنَا شَرط التَّتَابُع فِيهِ لَيْسَ بِحمْل الْمُطلق على الْمُقَيد بل بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ (فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات) وقراءته لَا تكون دون خبر يرويهِ وَقد كَانَ مَشْهُور إِلَى عهد أبي حنيفَة رَحمَه الله وبالخبر الْمَشْهُور تثبت الزِّيَادَة على النَّص على مَا نبينه
فَإِن قيل لماذا لم تجْعَلُوا قِرَاءَته كنص آخر ثمَّ عملتم بهما جَمِيعًا كَمَا فَعلْتُمْ فِي صَدَقَة الْفطر حَيْثُ أوجبتم الصَّدَقَة عَن العَبْد الْكَافِر بِالنَّصِّ الْمُطلق وَعَن العَبْد الْمُسلم بِالنَّصِّ الْمُقَيد قُلْنَا لِأَن الحكم هُنَا وَاحِد وَهُوَ تأدي الْكَفَّارَة بِالصَّوْمِ فبعدما صَار مُقَيّدا
(1/269)


بِنَصّ لَا يبْقى ذَلِك الحكم بِعَيْنِه مُطلقًا
فَأَما فِي صَدَقَة الْفطر النصان فِي بَيَان السَّبَب دون الحكم وَأحد السببين لَا يَنْفِي السَّبَب الآخر فَيجوز أَن يكون ملك العَبْد الْمُطلق سَببا لوُجُوب صَدَقَة الْفطر بِأحد النصين وَملك العَبْد الْمُسلم سَببا بِالنَّصِّ الآخر
وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله يجوز التَّيَمُّم بِكُل مَا هُوَ من جنس الأَرْض بِاعْتِبَار النَّص الْمُطلق وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام جعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا وبالتراب بِاعْتِبَار النَّص الْمُقَيد وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام التُّرَاب طهُور الْمُسلم لِأَن الْمحل مُخْتَلف وَإِن كَانَ الحكم وَاحِدًا فيستقيم إِثْبَات الْمَحَلِّيَّة بِاعْتِبَار كل نَص فِي شَيْء آخر فَأَما التَّيَمُّم إِلَى الْمرَافِق فَلم نشترطه بِحمْل الْمُطلق على الْمُقَيد إِذْ لَو جَازَ ذَلِك لَكَانَ الأولى إِثْبَات التَّيَمُّم فِي الرَّأْس وَالرجل اعْتِبَارا بِالْوضُوءِ وَإِنَّمَا عرفنَا ذَلِك بِنَصّ فِيهِ وَهُوَ حَدِيث الأسلع أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم علمه التَّيَمُّم ضربتين ضَرْبَة للْوَجْه وضربة للذراعين إِلَى الْمرْفقين وَهُوَ مَشْهُور يثبت بِمثلِهِ التَّقْيِيد فَإِذا صَار مُقَيّدا لَا يبْقى ذَلِك الحكم بِعَيْنِه مُطلقًا
فَأَما صفة السَّائِمَة فِي الزَّكَاة فَهُوَ ثَابت بِالنَّصِّ الْمُقَيد وَإِنَّمَا لَا نوجب الزَّكَاة فِي غير السَّائِمَة لنَصّ مُوجب للنَّفْي وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لَا زَكَاة فِي العوامل لَا بِاعْتِبَار حمل الْمُطلق على الْمُقَيد
وَاشْتِرَاط الْعَدَالَة فِي الشَّهَادَات بِاعْتِبَار وجوب التَّوَقُّف (وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} أَي توقفوا) فِي خبر الْفَاسِق بِالنَّصِّ وَبِاعْتِبَار قَوْله تَعَالَى {مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء} وَالْفَاسِق لَا يكون مرضيا لَا بِحمْل الْمُطلق على الْمُقَيد
وَاشْتِرَاط التَّبْلِيغ فِي الْهَدَايَا بِاعْتِبَار النَّص الْوَارِد فِيهِ وَهُوَ أَن الله تَعَالَى بعد ذكر الْهَدَايَا قَالَ {ثمَّ محلهَا إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق} أَو بِمُقْتَضى اسْم الْهَدْي فَإِنَّهُ اسْم لما يهدي إِلَى مَوضِع
وبمجرد اسْم الْكَفَّارَة لَا تثبت الْمُمَاثلَة بَين وَاجِبَات مُتَفَاوِتَة فِي أَنْفسهَا ليتعرف حكم بَعْضهَا من بعض كَمَا لَا تثبت الْمُمَاثلَة بَين الصَّلَوَات فِي مِقْدَار الرَّكْعَات والشرائط نَحْو الْخطْبَة وَالْجَمَاعَة فِي صَلَاة الْجُمُعَة حَتَّى يعْتَبر بَعْضهَا بِبَعْض وَإِن جمعهَا اسْم الصَّلَاة
وَصَارَ حَاصِل الْكَلَام أَن النَّفْي ضد الْإِثْبَات فالنص الْمُوجب لإِثْبَات حكم لَا يُوجب ضد ذَلِك الحكم بعبارته
(1/270)


وَلَا بإشارته وَلَا بدلالته وَلَا بِمُقْتَضَاهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ من جملَة مَا لَا يسْتَغْنى عَنهُ حَتَّى يكون مقتضيا إِيَّاه فإثبات النَّفْي بِهِ بعد هَذَا لَا يكون إِلَّا إِثْبَات الحكم بِلَا دَلِيل والاحتجاج بِلَا حجَّة وَذَلِكَ بَاطِل على مَا نثبته فِي بَابه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَنحن إِذا قُلْنَا يثبت بالمطلق حكم الْإِطْلَاق وبالمقيد حكم التَّقْيِيد فقد عَملنَا بِكُل دَلِيل بِحَسب الْإِمْكَان والتفاوت بَين الْعَمَل بِالدَّلِيلِ وَبَين الْعَمَل بِلَا دَلِيل لَا يخفى على كل متأمل
وَمن هَذَا الْجِنْس مَا قَالَه الشَّافِعِي رَحمَه الله إِن الْأَمر بالشَّيْء يَقْتَضِي النَّهْي عَن ضِدّه وَالنَّهْي عَن الشَّيْء يكون أمرا بضده وَقد بَينا فَسَاد هَذَا الْكَلَام فِيمَا سبق
وَمن هَذِه الْجُمْلَة قَول بعض الْعلمَاء إِن الْعَام يخْتَص بِسَبَبِهِ وَعِنْدنَا هَذَا على أَرْبَعَة أوجه أَحدهَا أَن يكون السَّبَب مَنْقُولًا مَعَ الحكم نَحْو مَا رُوِيَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَهَا فَسجدَ وَأَن ماعزا زنى فرجم وَنَحْو قَوْله تَعَالَى {إِذا تداينتم بدين إِلَى أجل مُسَمّى فاكتبوه} وَهَذَا يُوجب تَخْصِيص الحكم بِالسَّبَبِ الْمَنْقُول لِأَنَّهُ لما نقل مَعَه فَذَلِك تنصيص على أَنه بِمَنْزِلَة الْعلَّة للْحكم الْمَنْصُوص وكما لَا يثبت الحكم بِدُونِ علية لَا يبْقى بِدُونِ الْعلَّة مُضَافا إِلَيْهَا بل الْبَقَاء بِدُونِهَا يكون مُضَافا إِلَى عِلّة أُخْرَى
وَالثَّانِي أَن لَا يكون السَّبَب مَنْقُولًا وَلَكِن الْمَذْكُور مِمَّا لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وَلَا يكون مفهوما بِدُونِ السَّبَب الْمَعْلُوم بِهِ فَهَذَا يتَقَيَّد بِهِ أَيْضا نَحْو قَول الرجل أَلَيْسَ لي عنْدك كَذَا فَيَقُول بلَى أَو يَقُول أَكَانَ من الْأَمر كَذَا فَيَقُول نعم أَو أجل
فَهَذِهِ الْأَلْفَاظ لَا تستقل بِنَفسِهَا مفهومة الْمَعْنى فتتقيد بالسؤال الْمَذْكُور الَّذِي كَانَ سَببا لهَذَا الْجَواب حَتَّى جعل إِقْرَارا بذلك وَبِاعْتِبَار أصل اللُّغَة بلَى مَوْضُوع للجواب عَن صِيغَة نفي فِيهِ معنى الِاسْتِفْهَام كَمَا قَالَ تَعَالَى {أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى} وَنعم جَوَاب لما هُوَ مَحْض الِاسْتِفْهَام قَالَ تَعَالَى {فَهَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا قَالُوا نعم} وَأجل تصلح لَهما
وَقد تسْتَعْمل بلَى وَنعم فِي جَوَاب مَا لَيْسَ باستفهام على أَن يقدر فِيهِ معنى الِاسْتِفْهَام أَو يكون مستعارا عَنهُ
هَذَا مَذْهَب أهل اللُّغَة
(1/271)


فَأَما مُحَمَّد رَحمَه الله فقد ذكر فِي كتاب الْإِقْرَار مسَائِل بناها على هَذِه الْكَلِمَات من غير اسْتِفْهَام فِي السُّؤَال أَو احْتِمَال اسْتِفْهَام وَجعلهَا إِقْرَارا صَحِيحا بطرِيق الْجَواب وَكَأَنَّهُ ترك اعْتِبَار حَقِيقَة اللُّغَة فِيهَا لعرف الِاسْتِعْمَال
وَالثَّالِث أَن يكون مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ مَفْهُوم الْمَعْنى وَلكنه خرج جَوَابا للسؤال وَهُوَ غير زَائِد على مِقْدَار الْجَواب فَبِهَذَا يتَقَيَّد بِمَا سبق وَيصير مَا ذكر فِي السُّؤَال كالمعاد فِي الْجَواب لِأَنَّهُ بِنَاء عَلَيْهِ
وَبَيَان هَذَا فِيمَا إِذا قَالَ لغيره تعال تغد معي فَقَالَ إِن تغديت فَعَبْدي حر فَهَذَا يخْتَص بذلك الْغَدَاء وَلَو قَالَت لَهُ امْرَأَته إِنَّك تَغْتَسِل فِي هَذِه الدَّار اللَّيْلَة من جَنَابَة فَقَالَ إِن اغْتَسَلت فَعَبْدي حر فَإِنَّهُ يخْتَص بذلك الِاغْتِسَال الْمَذْكُور فِي السُّؤَال
وَالرَّابِع أَن يكون مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ زَائِدا على مَا يتم بِهِ الْجَواب بِأَن يَقُول إِن تغديت الْيَوْم أَو إِن اغْتَسَلت اللَّيْلَة فموضع الْخلاف هَذَا الْفَصْل
فعندنا لَا يخْتَص مثل هَذَا الْعَام بِسَبَبِهِ لِأَن فِي تَخْصِيصه بِهِ إِلْغَاء الزِّيَادَة وَفِي جعله نصا مُبْتَدأ اعْتِبَار الزِّيَادَة الَّتِي تكلم بهَا وإلغاء الْحَال وَالْعَمَل بالْكلَام لَا بِالْحَال فإعمال كَلَامه مَعَ إِلْغَاء الْحَال أولى من إِلْغَاء بعض كَلَامه وَفِيمَا لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ قيدناه بِالسَّبَبِ بِاعْتِبَار أَن الْكل صَار بِمَنْزِلَة الْمَذْكُور وبمنزلة كَلَام وَاحِد فَلَا يجوز إِعْمَال بعضه دون الْبَعْض فَفِي هَذَا الْموضع لِأَن لَا يجوز إِعْمَال بعض كَلَامه وإلغاء الْبَعْض كَانَ أولى إِلَّا أَن يَقُول نَوَيْت الْجَواب فَحِينَئِذٍ يدين فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَتجْعَل تِلْكَ الزِّيَادَة للتوكيد
وعَلى قَول بعض الْعلمَاء هَذَا يحمل على الْجَواب أَيْضا بِاعْتِبَار الْحَال فَيكون ذَلِك عملا بالمسكوت وتركا للْعَمَل بِالدَّلِيلِ لِأَن الْحَال مسكوت عَنهُ وَالِاسْتِدْلَال بالمسكوت يكون اسْتِدْلَالا بِلَا دَلِيل فَكيف يجوز بِاعْتِبَارِهِ ترك الْعَمَل بِالدَّلِيلِ وَهُوَ الْمَنْصُوص وَالدَّلِيل على صِحَة مَا قُلْنَا إِن بَين أهل التَّفْسِير اتِّفَاقًا أَن نزُول آيَة الظِّهَار كَانَ بِسَبَب خَوْلَة ثمَّ لم يخْتَص الحكم بهَا ونزول آيَة الْقَذْف كَانَ بِسَبَب قصَّة عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا ثمَّ لم يخْتَص بهَا ونزول آيَة اللّعان كَانَ بِسَبَب مَا قَالَ سعد بن عبَادَة ثمَّ لم يخْتَص بِهِ وَدخل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة
(1/272)


فَوَجَدَهُمْ يسلفون فِي الثِّمَار السّنة والسنتين فَقَالَ من أسلم فليسلم فِي كيل مَعْلُوم وَوزن مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم فقد كَانَ سَبَب هَذَا النَّص إسْلَامهمْ إِلَى أجل مَجْهُول ثمَّ لم يخْتَص هَذَا النَّص بذلك السَّبَب
وأمثلة هَذَا كثير فَعرفنَا أَن الْعَام لَا يخْتَص بِسَبَبِهِ
وَمن هَذِه الْجُمْلَة تَخْصِيص الْعَام بغرض الْمُتَكَلّم فَإِن من النَّاس من يَقُول يخْتَص الْكَلَام بِمَا يعلم من غَرَض الْمُتَكَلّم لِأَنَّهُ يظْهر بِكَلَامِهِ غَرَضه فَيجب بِنَاء كَلَامه فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص والحقيقة وَالْمجَاز على مَا يعلم من غَرَضه وَيجْعَل ذَلِك الْغَرَض كالمذكور
وعَلى هَذَا قَالُوا الْكَلَام الْمَذْكُور للمدح والذم وَالثنَاء وَالِاسْتِثْنَاء لَا يكون لَهُ عُمُوم لأَنا نعلم أَنه لم يكن غَرَض الْمُتَكَلّم بِهِ الْعُمُوم
وَعِنْدنَا هَذَا فَاسد لِأَنَّهُ ترك مُوجب الصِّيغَة بِمُجَرَّد التشهي وَعمل بالمسكوت فَإِن الْغَرَض مسكوت عَنهُ فَكيف يجوز الْعَمَل بالمسكوت وَترك الْعَمَل بالمنصوص بِاعْتِبَارِهِ وَلَكِن الْعَام يعرف بصيغته فَإِذا وجدت تِلْكَ الصِّيغَة وَأمكن الْعَمَل بحقيقتها يجب الْعَمَل والإمكان قَائِم مَعَ اسْتِعْمَال الصِّيغَة للمدح والذم (فَإِن الْمَدْح الْعَام وَالثنَاء الْعَام من عَادَة أهل اللِّسَان وَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاء والذم) وَاعْتِبَار الْغَرَض اعْتِبَار نوع احْتِمَال ولأجله لَا يجوز ترك الْعَمَل بِحَقِيقَة الْكَلَام
وَمن ذَلِك مَا قَالَه بعض الْأَحْدَاث من الْفُقَهَاء إِن الْقُرْآن فِي النّظم يُوجب الْمُسَاوَاة فِي الحكم وَبَيَان هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَلَا رفث وَلَا فسوق وَلَا جِدَال فِي الْحَج} فَإِن هَذِه جمل قرن بَعْضهَا بِبَعْض بِحرف النّظم وَهُوَ الْوَاو وَقَالُوا يَسْتَوِي حكمهَا فِي الْحَج
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة} إِن ذَلِك يُوجب سُقُوط الزَّكَاة عَن الصَّبِي لِأَن الْقرَان فِي النّظم دَلِيل الْمُسَاوَاة فِي الحكم فَلَا تجب الزَّكَاة على من لَا تجب عَلَيْهِ الصَّلَاة
وَعِنْدنَا هَذَا فَاسد وَهُوَ من جنس الْعَمَل بالمسكوت وَترك الْعَمَل بِالدَّلِيلِ لأَجله فَإِن كلا من الْجمل مَعْلُوم بِنَفسِهِ وَلَيْسَ فِي وَاو النّظم دَلِيل الْمُشَاركَة بَينهمَا فِي الحكم إِنَّمَا ذَلِك فِي وَاو الْعَطف وَفرق مَا بَينهمَا أَن وَاو النّظم تدخل بَين جملتين كل وَاحِدَة مِنْهُمَا تَامَّة بِنَفسِهَا مستغنية عَن خبر الآخر كَقَوْل الرجل جَاءَنِي زيد وَتكلم عَمْرو فَذكر الْوَاو بَينهمَا لحسن النّظم
وَبَيَان هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى {لنبين لكم ونقر فِي الْأَرْحَام مَا نشَاء} وَقَالَ بِهِ
(1/273)


لَا للْعَطْف تَعَالَى {فَإِن يَشَأْ الله يخْتم على قَلْبك ويمح الله الْبَاطِل} وَأما وَاو الْعَطف فَإِنَّهُ يدْخل بَين جملتين أَحدهمَا نَاقص وَالْآخر تَامّ بِأَن لَا يكون خبر النَّاقِص مَذْكُورا فَلَا يكون مُفِيدا بِنَفسِهِ وَلَا بُد من جعل الْخَبَر الْمَذْكُور للْأولِ خَبرا للثَّانِيَة حَتَّى يصير مُفِيدا كَقَوْل الرجل جَاءَنِي زيد وَعَمْرو فَهَذَا الْوَاو للْعَطْف لِأَنَّهُ لم يذكر لعَمْرو خَبرا وَلَا يُمكن جعل (هَذَا) الْخَبَر الأول خَبرا لَهُ إِلَّا بِأَن يَجْعَل الْوَاو للْعَطْف حَتَّى يصير ذَلِك الْخَبَر كالمعاد لِأَن مُوجب الْعَطف الِاشْتِرَاك بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ فِي الْخَبَر فَمن قَالَ بالْقَوْل الأول فقد ذهب إِلَى التَّسْوِيَة بَين وَاو الْعَطف وواو النّظم بِاعْتِبَار أَن الْوَاو فِي أصل اللُّغَة للْعَطْف وَمُوجب الْعَطف الِاشْتِرَاك وَمُطلق الِاشْتِرَاك يَقْتَضِي التَّسْوِيَة فَذَلِك دَلِيل على أَن الْقرَان فِي النّظم يُوجب الْمُسَاوَاة فِي الحكم
ثمَّ الأَصْل أَنا نفهم من خطاب صَاحب الشَّرْع مَا يتفاهم من المخاطبات بَيْننَا وَمن يَقُول امْرَأَته طَالِق وَعَبده حر إِن دخل الدَّار فَإِنَّهُ يقْصد الِاشْتِرَاك بَين الْمَذْكُورين فِي التَّعْلِيق بِالشّرطِ وَذَلِكَ يفهم من كَلَامه حَتَّى يَجْعَل الْكل مُتَعَلقا بِالشّرطِ وَإِن كَانَ كل وَاحِد من الْكَلَامَيْنِ تَاما لكَونه مُبْتَدأ وخبرا مَفْهُوم الْمَعْنى بِنَفسِهِ فَعَلَيهِ يحمل أَيْضا مُطلق كَلَام صَاحب الشَّرْع
وَلَكنَّا نقُول الْمُشَاركَة فِي الْخَبَر عِنْد وَاو الْعَطف لحَاجَة الْجُمْلَة النَّاقِصَة إِلَى الْخَبَر لَا لعين الْوَاو وَهَذِه الْحَاجة تنعدم فِي وَاو النّظم لِأَن كل وَاحِد من الْكَلَامَيْنِ تَامّ بِمَا ذكر لَهُ من الْخَبَر فَكَانَ هَذَا الْوَاو ساكتا عَمَّا يُوجب الْمُشَاركَة فإثبات الْمُشَاركَة بِهِ يكون اسْتِدْلَالا بالمسكوت يُوضحهُ أَنه لَو كَانَت الْمُشَاركَة تثبت بِاعْتِبَار هَذَا الْوَاو لثبتت فِي خبر كل جملَة إِذْ لَيْسَ خبر إِحْدَى الجملتين بذلك بِأولى من الآخر وَهَذَا خلاف مَا عَلَيْهِ إِجْمَاع أهل اللِّسَان فَأَما إِذا قَالَ امْرَأَته طَالِق وَعَبده حر إِن دخل الدَّار فَكل وَاحِد مِنْهُمَا تَامّ فِي نَفسه إيقاعا لَا تَعْلِيقا بِالشّرطِ وَالتَّعْلِيق تصرف سوى الْإِيقَاع فَفِيمَا يرجع إِلَى التَّعْلِيق إِحْدَى الجملتين نَاقِصَة فأثبتنا الْمُشَاركَة بَينهمَا فِي حكم التَّعْلِيق بواو الْعَطف حَتَّى إِذا لم يذكر الشَّرْط وَكَانَ كَلَامه إيقاعا لم تثبت الْمُشَاركَة بَينهمَا فِي الْخَبَر وَجعل وَاو النّظم مائَة دِينَار وَلفُلَان ألف دِرْهَم إِلَّا عشرَة يَجْعَل الِاسْتِثْنَاء من آخر الْمَالَيْنِ ذكرا لِأَن بِالِاسْتِثْنَاءِ لَا يخرج الْكَلَام من أَن يكون إِقْرَارا وَبِاعْتِبَار الْإِقْرَار كل وَاحِد من الجملتين تَامَّة فَيكون الْوَاو للنظم وينصرف الِاسْتِثْنَاء إِلَى مَا يَلِيهِ خَاصَّة
وعَلى هَذَا قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذين تَابُوا}
(1/274)


لتحسين الْكَلَام بِهِ فَإِنَّهُ مُسْتَعْمل كَمَا بَينا وَلِهَذَا لَو قَالَ لفُلَان عَليّ إِن هَذَا الْوَاو للنظم حَتَّى ينْصَرف الِاسْتِثْنَاء إِلَى سمة الْفسق دون مَا تقدمه
وَالشَّافِعِيّ يَجْعَل هَذَا الْوَاو للْعَطْف وَالْوَاو الَّذِي فِي قَوْله {وَلَا تقبلُوا لَهُم} للنظم حَتَّى يكون الِاسْتِثْنَاء منصرفا إِلَيْهِمَا دون الْجلد فَلَا يسْقط الْجلد بِالتَّوْبَةِ
وَالصَّحِيح مَا قُلْنَا فَإِن من حَيْثُ الصِّيغَة معنى الْعَطف يتَحَقَّق فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَا تقبلُوا} وَلَا يتَحَقَّق فِي قَوْله تَعَالَى {وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ} لِأَن قَول الْقَائِل اجْلِسْ وَلَا تَتَكَلَّم يكون عطفا صَحِيحا فَكَذَلِك قَوْله تَعَالَى {فاجلدوا}
{وَلَا تقبلُوا} لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا خطاب للأئمة فَأَما قَوْله تَعَالَى {وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ} لَيْسَ بخطاب للأئمة وَلَكِن إِخْبَار عَن وصف القاذفين فَلَا يصلح مَعْطُوفًا على مَا هُوَ خطاب فجعلناه للنظم وَكَذَلِكَ من حَيْثُ الْمَعْنى قَوْله تَعَالَى {وَلَا تقبلُوا} صَالح لِأَن يكون متمما للحد مَعْطُوفًا على الْجلد فَإِن إهدار قَوْله فِي الشَّهَادَات شرعا مؤلم كالجلد وَهَذَا الْأَلَم عِنْد الْعُقَلَاء يزْدَاد على ألم الْجلد فيصلح متمما للحد زاجرا عَن سَببه وَلِهَذَا خُوطِبَ بِهِ الْأَئِمَّة فَإِن إِقَامَة الْحَد إِلَيْهِم فَأَما قَوْله تَعَالَى {وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ} فَمَعْنَاه العاصون وَذَلِكَ بَيَان لجريمة الْقَاذِف فَلَا يصلح جَزَاء على الْقَذْف حَتَّى يكون متمما للحد بل الْمَقْصُود بِهِ إِزَالَة إِشْكَال كَانَ يَقع عَسى وَهُوَ أَن الْقَذْف خبر متميل وَرُبمَا يكون حسبَة إِذا كَانَ الرَّامِي صَادِقا وَله أَرْبَعَة من الشُّهُود وَالزَّانِي مصر فَكَانَ يَقع الْإِشْكَال أَنه لما كَانَ سَببا لوُجُوب عُقُوبَة تندرىء بِالشُّبُهَاتِ فأزال الله هَذَا الْإِشْكَال بقوله {وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ} أَي العاصون بهتك ستر الْعِفَّة من غير فَائِدَة حِين عجزوا عَن إِقَامَة أَرْبَعَة من الشُّهَدَاء وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي قَوْله تَعَالَى {فَإذْ لم يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِك عِنْد الله هم الْكَاذِبُونَ} ويتبين بِهَذَا التَّحْقِيق أَن الْعَمَل بِالنَّصِّ كَمَا يُوجِبهُ فِيمَا قُلْنَا فَإنَّا جعلنَا الْعَجز عَن إِقَامَة أَرْبَعَة كَمَا هُوَ مُوجب حرف ثمَّ فَإِنَّهُ للتعقيب مَعَ التَّرَاخِي وَجَعَلنَا الْوَاو فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَا تقبلُوا} للْعَطْف فَكَانَ رد الشَّهَادَة متمما للحد كَمَا هُوَ مُوجب من الشُّهَدَاء
(1/275)


مضموما إِلَى الْقَذْف ليتَحَقَّق بهما السَّبَب الْمُوجب للعقوبة وَاو الْعَطف وَجَعَلنَا الْوَاو فِي قَوْله تَعَالَى {وَأُولَئِكَ} للنظم كَمَا هُوَ مُقْتَضى صِيغَة الْكَلَام
وَالشَّافِعِيّ ترك الْعَمَل بِحرف ثمَّ وَجعل نفس الْقَذْف مُوجبا للحد وَجعل الْوَاو فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَا تقبلُوا} للنظم وَفِي قَوْله {وَأُولَئِكَ} للْعَطْف وكل ذَلِك مُخَالف لمقْتَضى صِيغَة الْكَلَام فَكَانَ الصَّحِيح مَا قُلْنَاهُ
وَمن هَذِه الْجُمْلَة حكم الْجمع الْمُضَاف إِلَى جمَاعَة نَحْو قَوْله تَعَالَى {خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة} وَقَوله تَعَالَى {وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم} فَإِن من النَّاس من يَقُول حِكْمَة حَقِيقَة الْجَمَاعَة فِي حق كل وَاحِد مِمَّن أضيف إِلَيْهِم وَزَعَمُوا أَن حَقِيقَة الْكَلَام هَذَا فَإِن الْمُضَاف إِلَى جمَاعَة يكون مُضَافا إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم وَإِذا كَانَت الصِّيغَة الَّتِي بهَا حصلت الْإِضَافَة صِيغَة الْجَمَاعَة وَبهَا يثبت الحكم فِي كل وَاحِد مِنْهُم مَا هُوَ مُقْتَضى هَذِه الصِّيغَة قولا بِحَقِيقَة الْكَلَام أَلا ترى أَن الْإِضَافَة لَو حصلت بِصِيغَة الْفَرد تثبت فِي كل وَاحِد مِنْهُم الحكم الَّذِي هُوَ مُوجب تِلْكَ الصِّيغَة
وَعِنْدنَا هَذَا فَاسد وَهُوَ من جنس القَوْل بالمسكوت وَلَكِن مُقْتَضى هَذِه الصِّيغَة مُقَابلَة الْآحَاد بالآحاد على مَا قَالَ فِي الْجَامِع إِذا قَالَ لامرأتين لَهُ إِذا ولدتما وَلدين فأنتما طالقان فَولدت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا ولدا طلقتا وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ إِذا حضتما حيضتين أَو قَالَ إِذا دخلتما هَاتين الدَّاريْنِ فَدخلت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا دَارا فهما طالقان وَلَا يشْتَرط دُخُول كل وَاحِدَة مِنْهُمَا فِي الدَّاريْنِ جَمِيعًا وَمَا قُلْنَاهُ هُوَ الْمَعْلُوم من مخاطبات النَّاس فَإِن الرجل يَقُول لبس الْقَوْم ثِيَابهمْ وحلقوا رؤوسهم وركبوا دوابهم وَإِنَّمَا يفهم من ذَلِك أَن كل وَاحِد مِنْهُم لبس ثَوْبه وَركب دَابَّته وَحلق رَأسه وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَول الشَّاعِر وَإِنَّا نرى أقدامنا فِي نعَالهمْ وآنفنا بَين اللحى والحواجب وَالْمرَاد مَا قُلْنَا وَكتاب الله يشْهد بِهِ قَالَ تَعَالَى {جعلُوا أَصَابِعهم فِي آذانهم واستغشوا ثِيَابهمْ} وَالْمرَاد أَن كل وَاحِد مِنْهُم جعل أُصْبُعه فِي أُذُنه لَا فِي آذان الْجَمَاعَة واستغشى ثَوْبه وَقَالَ تَعَالَى {فقد صغت قُلُوبكُمَا} وَالْمرَاد فِي حق كل وَاحِدَة مِنْهُمَا قَلبهَا وَقَالَ تَعَالَى {فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا}
(1/276)


وَالْمرَاد قطع يَد وَاحِدَة من كل وَاحِد مِنْهُمَا لَا قطع جَمِيع مَا يُسمى يدا من كل وَاحِد مِنْهُمَا لاتفاقنا على أَن بِالسَّرقَةِ الْوَاحِدَة لَا تقطع إِلَّا يَد وَاحِدَة من السَّارِق وَقد بَينا أَن مُطلق الْكَلَام مَحْمُول على مَا يتفاهمه النَّاس فِي مخاطباتهم فَهُوَ اعْتِبَار الصِّيغَة بِدُونِ الْإِضَافَة وَالْمَنْصُوص عَلَيْهِ الصِّيغَة مَعَ الْإِضَافَة إِلَى الْجَمَاعَة وَمَعَ الْإِضَافَة إِلَى الْجَمَاعَة مُوجب الصِّيغَة حَقِيقَة لَيْسَ مَا ادعوا بل مُوجبه مَا قُلْنَا لِأَن مَا ادعوا يثبت بِدُونِ الْإِضَافَة إِلَى الْجَمَاعَة (وَمَا قُلْنَا لَا يثبت بِدُونِ الْإِضَافَة إِلَى الْجَمَاعَة) فَعرفنَا أَن حَقِيقَة الْعَمَل بالمنصوص فِيمَا قُلْنَا وَفِيمَا قَالُوا ترك الْعَمَل بِالدَّلِيلِ الْمَنْصُوص وَعمل بالمسكوت فَيكون فَاسِدا
هَذَا بَيَان الطَّرِيق فِيمَا هُوَ فَاسد من وُجُوه الْعَمَل بالمنصوص كَمَا ذهب إِلَيْهِ بعض النَّاس وَقد بَينا الطَّرِيق الصَّحِيح من ذَلِك فِي أول الْبَاب فَمن فهم الطَّرِيقَيْنِ يَتَيَسَّر عَلَيْهِ تَمْيِيز الصَّحِيح من الِاسْتِدْلَال بِجَمِيعِ النُّصُوص وَالْفَاسِد وَإِن خَفِي عَلَيْهِ شَيْء فَهُوَ يخرج بِالتَّأَمُّلِ على مَا بَينا من كل طَرِيق وَالله أعلم
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب بَيَان الْحجَّة الشَّرْعِيَّة وأحكامها - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ رَضِي الله عَنهُ اعْلَم بِأَن الْحجَّة لُغَة اسْم من قَول الْقَائِل حج أَي غلب وَمِنْه يُقَال لج فحج وَيَقُول الرجل حاججته فحججته أَي ألزمته بِالْحجَّةِ فَصَارَ مَغْلُوبًا ثمَّ سميت الْحجَّة فِي الشَّرِيعَة لِأَنَّهُ يلْزمنَا حق الله تَعَالَى بهَا على وَجه يَنْقَطِع بهَا الْعذر وَيجوز أَن يكون مأخوذا من معنى الرُّجُوع إِلَيْهِ كَمَا قَالَ الْقَائِل يحجون بَيت الزبْرِقَان المزعفرا أَي يرجعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْه حج الْبَيْت فَإِن النَّاس يرجعُونَ إِلَيْهِ معظمين لَهُ قَالَ تَعَالَى {وَإِذ جعلنَا الْبَيْت مثابة للنَّاس وَأمنا} والمثابة الْمرجع فسميت الْحجَّة لوُجُوب الرُّجُوع إِلَيْهَا من حَيْثُ الْعَمَل بهَا شرعا وَيَسْتَوِي إِن الرُّجُوع إِلَيْهَا بِالْعَمَلِ بهَا وَاجِب شرعا فِي الْوَجْهَيْنِ على مَا نبينه فِي بَاب خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَالْبَيِّنَة كالحجة فَإِنَّهَا مُشْتَقَّة من الْبَيَان وَهُوَ أَن يظْهر للقلب وَجه الْإِلْزَام بهَا سَوَاء كَانَ ظهورا مُوجبا للْعلم أَو دون ذَلِك لِأَن الْعَمَل يجب فِي الْوَجْهَيْنِ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {فِيهِ آيَات بَيِّنَات} أَي عَلَامَات ظاهرات كَانَت مُوجبَة
(1/277)


للْعلم قطعا أَو كَانَت مُوجبَة للْعَمَل دون الْعلم قطعا لِأَن
والبرهان كَذَلِك فَإِنَّهُ مُسْتَعْمل اسْتِعْمَال الْحجَّة فِي لِسَان الْفُقَهَاء
وَأما الْآيَة فمعناها لُغَة الْعَلامَة قَالَ الله تَعَالَى {فِيهِ آيَات بَيِّنَات} وَقَالَ الْقَائِل وَغير آيها الْعَصْر ومطلقها فِي الشَّرِيعَة ينْصَرف إِلَى مَا يُوجب الْعلم قطعا وَلِهَذَا سميت معجزات الرُّسُل آيَات قَالَ الله تَعَالَى {وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى تسع آيَات بَيِّنَات} وَقَالَ تَعَالَى {فاذهبا بِآيَاتِنَا}
فَإِن قيل من النَّاس من جحد رِسَالَة الرُّسُل بعد رُؤْيَة المعجزات وَالْوُقُوف عَلَيْهَا وَلَو كَانَت مُوجبَة للْعلم قطعا لما أنكرها أحد بعد المعاينة قُلْنَا هَذِه الْآيَات لَا توجب الْعلم خَبرا فَإِنَّهَا لَو أوجبت ذَلِك انْعَدم الثَّوَاب وَالْعِقَاب بهَا أصلا وَإِنَّمَا توجب الْعلم بِاعْتِبَار التَّأَمُّل فِيهَا عَن إنصاف لَا عَن تعنت وَمَعَ هَذَا التَّأَمُّل يثبت الْعلم بهَا قطعا وَإِنَّمَا جَحدهَا من جَحدهَا للإعراض عَن هَذَا التَّأَمُّل كَمَا ذكر الله تَعَالَى فِي قَوْله {وَقَالُوا قُلُوبنَا فِي أكنة مِمَّا تدعونا إِلَيْهِ} وَفِي قَوْله {لَا تسمعوا لهَذَا الْقُرْآن والغوا فِيهِ} وَقد كَانَ فيهم من جحد تعنتا بَعْدَمَا علم يَقِينا كَمَا قَالَ تَعَالَى {وجحدوا بهَا واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} وَأما الدَّلِيل فَهُوَ فعيل من فَاعل الدّلَالَة بِمَنْزِلَة عليم من عَالم وَمِنْه قَوْلهم يَا دَلِيل المتحيرين أَي هاديهم إِلَى مَا يزِيل الْحيرَة عَنْهُم وَمِنْه سمي دَلِيل الْقَافِلَة أَي هاديهم إِلَى الطَّرِيق فَسُمي باسم فعله وَفِي الشَّرِيعَة هُوَ اسْم لحجة منطق يظْهر بِهِ مَا كَانَ خفِيا فَإِن مَا قدمْنَاهُ يكون مُوجبا تَارَة ومظهرا تَارَة وَالدَّلِيل خَاص لما هُوَ مظهر
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَن الدُّخان دَلِيل على النَّار وَالْبناء دَلِيل على الْبَانِي عِنْده كَمَا قَالَ تَعَالَى {قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين} وَقَالَ تَعَالَى {فوجدا فِيهَا} وَلَا نطق
(1/278)


هُنَاكَ قُلْنَا إِنَّمَا يُطلق الِاسْم على ذَلِك مجَازًا بِحُصُول معنى الظُّهُور {جدارا يُرِيد أَن ينْقض فأقامه} وَقَالَ الْقَائِل وعظتك أَحْدَاث صمت وكل ذَلِك مجَاز
ثمَّ الدَّلِيل مجَازًا كَانَ أَو حَقِيقَة يكون مظْهرا ظهورا مُوجبا للْعلم بِهِ أَو دون ذَلِك
وَالشَّاهِد كالدليل سَوَاء كَانَ مظْهرا على وَجه يثبت الْعلم بِهِ أَو لَا يثبت بِهِ علم الْيَقِين بِمَنْزِلَة الشَّهَادَات على الْحُقُوق فِي مجَالِس الْحُكَّام
قَالَ رَضِي الله عَنهُ ثمَّ اعْلَم بِأَن الْأُصُول فِي الْحجَج الشَّرْعِيَّة ثَلَاثَة الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْأَصْل الرَّابِع وَهُوَ الْقيَاس هُوَ الْمَعْنى المستنبط من هَذِه الْأُصُول الثَّلَاثَة
وَهِي تَنْقَسِم قسمَيْنِ قسم مُوجب للْعلم قطعا ومجوز غير مُوجب للْعلم وَإِنَّمَا سميناه مجوزا لِأَنَّهُ يجب الْعَمَل بِهِ وَالْأَصْل أَن الْعَمَل بِغَيْر علم لَا يجوز قَالَ تَعَالَى {وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم} فسميناه مجوزا بِاعْتِبَار أَنه يجب الْعَمَل بِهِ وَإِن لم يكن مُوجبا للْعلم قطعا
فَأَما الْمُوجب للْعلم من الْحجَج الشَّرْعِيَّة أَنْوَاع أَرْبَعَة كتاب الله وَسنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المسموع مِنْهُ وَالْمَنْقُول عَنهُ بالتواتر وَالْإِجْمَاع
وَالْأَصْل فِي كل ذَلِك لنا السماع من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي أسمعنا مَا أُوحِي إِلَيْهِ من الْقُرْآن بقرَاءَته علينا وَالْمَنْقُول عَنهُ بطرِيق متواتر بِمَنْزِلَة المسموع عَنهُ فِي وُقُوع الْعلم بِهِ على مَا نبينه وَكَذَلِكَ الْإِجْمَاع فَإِن إِجْمَاع هَذِه الْأمة إِنَّمَا كَانَت حجَّة مُوجبَة للْعلم بِالسَّمَاعِ من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الله تَعَالَى لَا يجمع أمته على الضَّلَالَة وَالسَّمَاع مِنْهُ مُوجب للْعلم لقِيَام الدّلَالَة على أَن الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام يكون مَعْصُوما عَن الْكَذِب وَالْقَوْل بِالْبَاطِلِ
فَهَذَا بَيَان قَوْلنَا إِن الأَصْل فِي ذَلِك كُله السماع من رَسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أصول السرخسي
فصل فِي بَيَان الْكتاب وَكَونه حجَّة
قَالَ رَضِي الله عَنهُ اعْلَم بِأَن الْكتاب هُوَ الْقُرْآن الْمنزل على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَكْتُوب فِي دفات الْمَصَاحِف الْمَنْقُول إِلَيْنَا على الأحرف السَّبْعَة الْمَشْهُورَة نقلا متواترا لِأَن مَا دون الْمُتَوَاتر لَا يبلغ دَرَجَة العيان وَلَا يثبت بِمثلِهِ الْقُرْآن مُطلقًا وَلِهَذَا قَالَت الْأمة لَو صلى بِكَلِمَات تفرد بهَا ابْن مَسْعُود لم تجز صلَاته لِأَنَّهُ لم يُوجد
(1/279)


فِيهِ النَّقْل الْمُتَوَاتر وَبَاب الْقُرْآن بَاب يَقِين وإحاطة فَلَا يثبت بِدُونِ النَّقْل الْمُتَوَاتر كَونه قُرْآنًا وَمَا لم يثبت أَنه قُرْآن فتلاوته فِي الصَّلَاة كتلاوة خبر فَيكون مُفْسِدا للصَّلَاة
فَإِن قيل بِكَوْنِهِ معجزا يثبت أَنه قُرْآن بِدُونِ النَّقْل الْمُتَوَاتر
قُلْنَا لَا خلاف أَن مَا دون الْآيَة غير معجز وَكَذَلِكَ الْآيَة القصيرة وَلِهَذَا لم يجوز أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله الصَّلَاة إِلَّا بِقِرَاءَة ثَلَاث آيَات قصار أَو آيَة طَوِيلَة لِأَن المعجز السُّورَة وأقصر السُّور ثَلَاث آيَات يَعْنِي الْكَوْثَر
وَأَبُو حنيفَة رَحمَه الله قَالَ الْوَاجِب بِالنَّصِّ قِرَاءَة مَا تيَسّر من الْقُرْآن وبالآية القصيرة يحصل ذَلِك فيتأدى فرض الْقِرَاءَة وَإِن كَانَ يكره الِاكْتِفَاء بذلك وَجَاء فِيمَا ذكرنَا أَن مَا دون الْآيَة وَالْآيَة القصيرة لَيْسَ بمعجز وَهُوَ قُرْآن يثبت بِهِ الْعلم قطعا فَظهر أَن الطَّرِيق فِيهِ النَّقْل الْمُتَوَاتر مَعَ أَن كَونه معجزا دَلِيل على صدق الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا يخبر بِهِ وَلَيْسَ بِدَلِيل فِي نَفسه على أَنه كَلَام الله لجَوَاز أَن يقدر الله تَعَالَى رَسُوله على كَلَام يعجز الْبشر عَن مثله كَمَا أقدر عِيسَى على إحْيَاء الْمَوْتَى وعَلى أَن يخلق من الطين كَهَيئَةِ الطير فينفخ فِيهِ فَيكون طيرا بِإِذن الله
فَعرفنَا أَن الطَّرِيق فِيهِ النَّقْل الْمُتَوَاتر
وَإِنَّمَا اعْتبرنَا الْإِثْبَات فِي دفات الْمَصَاحِف لِأَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم إِنَّمَا أثبتوا الْقُرْآن فِي دفات الْمَصَاحِف لتحقيق النَّقْل الْمُتَوَاتر فِيهِ وَلِهَذَا أمروا بتجريد الْقُرْآن فِي الْمَصَاحِف وكرهوا التعاشير وأثبتوا فِي الْمَصَاحِف مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ ثمَّ نقل إِلَيْنَا نقلا متواترا فَثَبت بِهِ الْعلم قطعا وَلما ثَبت بِهَذَا الطَّرِيق أَنه كَلَام الله تَعَالَى ثَبت أَنه حجَّة مُوجبَة للْعلم قطعا لعلمنا يَقِينا أَن كَلَام الله لَا يكون إِلَّا حَقًا
فَإِن قيل فالتسمية نقلت إِلَيْنَا مَكْتُوبَة فِي الْمَصَاحِف بقلم الْوَحْي لمبدأ الْفَاتِحَة ومبدأ كل سُورَة سوى سُورَة بَرَاءَة ثمَّ لم تجعلوها آيَة من الْفَاتِحَة وَلَا من أول كل سُورَة مَعَ النَّقْل الْمُتَوَاتر من الْوَجْه الَّذِي قررتم قُلْنَا قد ذكر أَبُو بكر الرَّازِيّ رَحمَه الله أَن الصَّحِيح من الْمَذْهَب عندنَا أَن التَّسْمِيَة آيَة منزلَة من الْقُرْآن لَا من أول السُّورَة وَلَا من آخرهَا وَلِهَذَا كتبت للفصل بَين السُّور فِي الْمُصحف بِخَط على حِدة لتَكون
(1/280)


الْكِتَابَة بقلم الْوَحْي دَلِيلا على أَنَّهَا منزلَة للفصل وَالْكِتَابَة بِخَط على حِدة دَلِيلا على أَنَّهَا لَيست من أول السُّورَة وَظَاهر مَا ذكر فِي الْكتاب عُلَمَاؤُنَا يشْهد بِهِ فَإِنَّهُم قَالُوا ثمَّ يفْتَتح الْقِرَاءَة ويخفي بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فقد قطعُوا التَّسْمِيَة عَن التَّعَوُّذ وأدخلوها فِي الْقِرَاءَة وَلَكِن قَالُوا لَا يجْهر بهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ من ضَرُورَة كَونهَا آيَة من الْقُرْآن الْجَهْر بهَا بِمَنْزِلَة الْفَاتِحَة فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَإِنَّمَا قَالُوا يخفي بهَا ليعلم أَنَّهَا لَيست بِآيَة من أول الْفَاتِحَة فَإِن الْمُتَعَيّن فِي حق الإِمَام الْجَهْر بِالْفَاتِحَةِ وَالسورَة فِي الْأَوليين وعَلى هَذَا نقُول يكره للْجنب وَالْحَائِض قِرَاءَة التَّسْمِيَة على قصد قِرَاءَة الْقُرْآن لِأَن من ضَرُورَة كَونهَا آيَة من الْقُرْآن حُرْمَة الْقِرَاءَة على الْجنب وَالْحَائِض وَلَكِن لَا يتَأَدَّى بهَا فرض الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَة عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله لاشتباه الْآثَار وَاخْتِلَاف الْعلمَاء وَأدنى دَرَجَات الِاخْتِلَاف الْمُعْتَبر إيراث الشُّبْهَة بِهِ وَمَا كَانَ فرضا مَقْطُوعًا بِهِ لَا يتَأَدَّى بِمَا فِيهِ شُبْهَة ولسنا نعني الشُّبْهَة فِي كَونهَا من الْقُرْآن بل فِي كَونهَا آيَة تَامَّة فَإِنَّهُ لَا خلاف فِي أَنَّهَا من الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى {وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم}
فَإِن قيل فقد أثبتم بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات كَونه قُرْآنًا فِي حق الْعَمَل بِهِ وَلم يُوجد فِيهِ النَّقْل الْمُتَوَاتر وَلم تثبتوا فِي التَّسْمِيَة مَعَ النَّقْل الْمُتَوَاتر كَونهَا آيَة من الْقُرْآن فِي حكم الْعَمَل وَهُوَ وجوب الْجَهْر بهَا فِي الصَّلَاة وتأدي الْقِرَاءَة بهَا
قُلْنَا نَحن مَا أثبتنا بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود كَون تِلْكَ الزِّيَادَة قُرْآنًا وَإِنَّمَا جعلنَا ذَلِك بِمَنْزِلَة خبر رَوَاهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعلمنا أَنه مَا قَرَأَ بهَا إِلَّا سَمَاعا من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَخَبره مَقْبُول فِي وجوب الْعَمَل بِهِ وبمثل هَذَا الطَّرِيق لَا يُمكن إِثْبَات هَذَا الحكم فِي التَّسْمِيَة لِأَن بِرِوَايَة الْخَبَر وَإِن علم صِحَّته لَا يثبت حكم جَوَاز الصَّلَاة وَلِأَنَّهُ لَيْسَ من ضَرُورَة كَونهَا آيَة من الْقُرْآن وجوب الْجَهْر بهَا على مَا بَينا أَن الْفَاتِحَة لَا يجْهر بهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَمَا كَانَ ثُبُوته بطرِيق الِاقْتِضَاء يتَقَدَّر الحكم فِيهِ بِقدر الضَّرُورَة لِأَنَّهُ لَا عُمُوم للمقتضى
ثمَّ قَالَ كثير من مَشَايِخنَا إِن إعجاز الْقُرْآن فِي النّظم وَفِي الْمَعْنى جَمِيعًا خُصُوصا على قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله حَيْثُ قَالَا بِالْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ فِي الصَّلَاة لَا يتَأَدَّى فرض الْقِرَاءَة وَإِن كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ أَنه هُوَ المُرَاد لِأَن الْفَرْض قِرَاءَة المعجز وَذَلِكَ فِي النّظم وَالْمعْنَى جَمِيعًا
قَالَ رَضِي الله عَنهُ وَالَّذِي يَتَّضِح لي أَنه لَيْسَ مُرَادهم من هَذَا أَن
(1/281)


الْمَعْنى بِدُونِ النّظم غير معجز فالأدلة على كَون الْمَعْنى معجزا ظَاهِرَة مِنْهَا أَن المعجز كَلَام الله (وَكَلَام الله تَعَالَى) غير مُحدث وَلَا مَخْلُوق والألسنة كلهَا محدثة الْعَرَبيَّة والفارسية وَغَيرهمَا فَمن يَقُول الإعجاز لَا يتَحَقَّق إِلَّا بالنظم فَهُوَ لَا يجد بدا من أَن يَقُول بِأَن المعجز مُحدث وَهَذَا مِمَّا لَا يجوز القَوْل بِهِ وَالثَّانِي أَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بعث إِلَى النَّاس كَافَّة (وَآيَة نبوته الْقُرْآن الَّذِي هُوَ معجز فَلَا بُد من القَوْل بِأَنَّهُ حجَّة لَهُ على النَّاس كَافَّة) وَمَعْلُوم أَن عجز العجمي عَن الْإِتْيَان بِمثل الْقُرْآن بلغَة الْعَرَب لَا يكون حجَّة عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يعجز أَيْضا عَن الْإِتْيَان بِمثل شعر امرىء الْقَيْس وَغَيره بلغَة الْعَرَب وَإِنَّمَا يتَحَقَّق عَجزه عَن الْإِتْيَان بِمثل الْقُرْآن بلغته فَهَذَا دَلِيل وَاضح على أَن معنى الإعجاز فِي الْمَعْنى تَامّ وَلِهَذَا جوز أَبُو حنيفَة رَحمَه الله الْقِرَاءَة بِالْفَارِسِيَّةِ فِي الصَّلَاة ولكنهما قَالَا فِي حق من لَا يقدر على الْقِرَاءَة بِالْعَرَبِيَّةِ الْجَواب هَكَذَا وَهُوَ دَلِيل على أَن الْمَعْنى عِنْدهمَا معجز فَإِن فرض الْقِرَاءَة سَاقِط عَمَّن لَا يقدر على قِرَاءَة المعجز أصلا وَلم يسْقط عَنهُ الْفَرْض أصلا بل يتَأَدَّى بِالْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ فَأَما إِذا كَانَ قَادِرًا على الْقِرَاءَة بِالْعَرَبِيَّةِ لم يتأد الْفَرْض فِي حَقه بِالْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ عِنْدهمَا لَا لِأَنَّهُ غير معجز وَلَكِن لِأَن مُتَابعَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالسَّلَف فِي أَدَاء هَذَا الرُّكْن فرض فِي حق من يقدر عَلَيْهِ وَهَذِه الْمُتَابَعَة فِي الْقِرَاءَة بِالْعَرَبِيَّةِ إِلَّا أَن أَبَا حنيفَة اعْتبر هَذَا فِي كَرَاهَة الْقِرَاءَة بِالْفَارِسِيَّةِ فَأَما فِي تأدي أصل الرُّكْن بِقِرَاءَة الْقُرْآن فَإِنَّهُ اعْتبر مَا قَرَّرْنَاهُ
فصل فِي بَيَان حد الْمُتَوَاتر من الْأَخْبَار وموجبها
الْمُتَوَاتر مَا اتَّصل بِنَا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر
مَأْخُوذ من قَول الْقَائِل تَوَاتَرَتْ الْكتب إِذا اتَّصَلت بَعْضهَا بِبَعْض فِي الْوُرُود مُتَتَابِعًا وحد ذَلِك أَن يَنْقُلهُ قوم لَا يتَوَهَّم اجْتِمَاعهم وتواطؤهم على الْكَذِب لِكَثْرَة عَددهمْ وتباين أمكنتهم عَن قوم مثلهم هَكَذَا إِلَى أَن يتَّصل برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيكون أَوله كآخره وأوسطه كطرفيه وَذَلِكَ نَحْو نقل أعداد الرَّكْعَات وأعداد الصَّلَوَات
(1/282)


ومقادير الزَّكَاة والديات وَمَا أشبه ذَلِك وَهَذَا لِأَن الِاتِّصَال لَا يتَحَقَّق إِلَّا بعد انْقِطَاع شُبْهَة الِانْفِصَال وَإِذا انْقَطَعت شُبْهَة الِانْفِصَال ضاهى ذَلِك المسموع من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَن النَّاس على همم شَتَّى وَذَلِكَ يَبْعَثهُم على التباين فِي الْأَهْوَاء والمرادات فَلَا يردهم عَن ذَلِك إِلَى شَيْء وَاحِد إِلَّا جَامع أَو مَانع وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا اتِّفَاق صنعوه أَو سَماع اتَّبعُوهُ فَإِذا انْقَطَعت تُهْمَة الاختراع لِكَثْرَة عَددهمْ وتباين أمكنتهم تعين جِهَة السماع وَلِهَذَا كَانَ مُوجبا علم الْيَقِين عِنْد جُمْهُور الْفُقَهَاء
وَمن النَّاس من يَقُول الْخَبَر لَا يكون حجَّة أصلا
وَلَا يَقع الْعلم بِهِ بِوَجْه وَكَيف يَقع الْعلم بِهِ والمخبرون هم الَّذين توَلّوا نَقله وَإِنَّمَا وُقُوع الْعلم بِمَا لَيْسَ من صنع الْبشر وَيكون خَارِجا عَن مقدورهم فَأَما مَا يكون من صنع الْبشر ويتحقق مِنْهُم الِاجْتِمَاع على اختراعه قلوا أَو كَثُرُوا فَذَلِك لَا يكون مُوجبا للْعلم أصلا هَذَا قَول فريق مِمَّن يُنكر رِسَالَة الْمُرْسلين وَهَذَا الْقَائِل سَفِيه يزْعم أَنه لَا يعرف نَفسه وَلَا دينه وَلَا دُنْيَاهُ وَلَا أمه وَلَا أَبَاهُ بِمَنْزِلَة من يُنكر العيان من السوفسطائية فَلَا يكون الْكَلَام مَعَه على سَبِيل الِاحْتِجَاج وَالِاسْتِدْلَال فَكيف يكون ذَلِك وَمَا يثبت بالاستدلال من الْعلم دون مَا ثَبت بالْخبر الْمُتَوَاتر فَإِن هَذَا يُوجب علما ضَرُورِيًّا وَالِاسْتِدْلَال لَا يُوجب ذَلِك وَإِنَّمَا الْكَلَام مَعَه من حَيْثُ التَّقْرِير عِنْد الْعُقَلَاء بِمَا لَا يشك هُوَ وَلَا أحد من النَّاس فِي أَنه مُكَابَرَة وَجحد لما يعلم اضطرارا بِمَنْزِلَة الْكَلَام مَعَ من يزْعم أَنه لَا حَقِيقَة للأشياء المحسوسة
فَنَقُول إِذا رَجَعَ الْإِنْسَان إِلَى نَفسه علم أَنه مَوْلُود اضطرارا بالْخبر كَمَا علم أَن وَلَده مَوْلُود بالمعاينة وَعلم أَن أَبَوَيْهِ كَانَا من جنسه بالْخبر كَمَا علم أَن أَوْلَاده من جنسه بالعيان وَعلم أَنه كَانَ صَغِيرا ثمَّ شَابًّا بالْخبر كَمَا علم ذَلِك من وَلَده بالعيان وَعلم أَن السَّمَاء وَالْأَرْض كَانَتَا قبله على هَذِه الصّفة بالْخبر كَمَا يعلم أَنَّهُمَا على هَذِه الصّفة للْحَال بالعيان وَعلم أَن آدم أَبُو الْبشر على وَجه لَا يتَمَكَّن فِيهِ شُبْهَة فَمن أنكر شَيْئا من هَذِه الْأَشْيَاء فَهُوَ مكابر جَاحد لما هُوَ مَعْلُوم ضَرُورَة بِمَنْزِلَة من أنكر العيان
وَلَا نقُول إِن هَذَا الْعلم يحصل بِفعل المخبرين بل بِمَا هُوَ من صنع الله تَعَالَى وَهُوَ أَنه خلق الْخلق أطوارا على طباع مُخْتَلفَة وهمم متباينة يَبْعَثهُم على ذَلِك الِاخْتِلَاف والتباين فالاتفاق بعد ذَلِك مَعَ الْأَسْبَاب الْمُوجبَة للِاخْتِلَاف لَا يكون إِلَّا بِجَامِع يجمعهُمْ على ذَلِك كَمَا قَررنَا وَفِيه حِكْمَة
(1/283)


بَالِغَة وَهُوَ بَقَاء الْأَحْكَام بعد وَفَاة الْمُرْسلين على مَا كَانَت عَلَيْهِ فِي حياتهم فَإِن النُّبُوَّة ختمت برسولنا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى النَّاس كَافَّة وَقد أمرنَا بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ والتيقن بِمَا يخبر بِهِ قَالَ تَعَالَى {فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول} وَهَذَا الْخطاب يتَنَاوَل الْمَوْجُودين فِي عصره وَالَّذين يُؤمنُونَ بِهِ إِلَى قيام السَّاعَة وَمَعْلُوم أَن الطَّرِيق فِي الرُّجُوع إِلَيْهِ لَيْسَ إِلَّا الرُّجُوع إِلَى مَا نقل عَنهُ بالتواتر فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن هَذَا كالمسموع مِنْهُ فِي حَيَاته وَقد قَامَت الدّلَالَة على أَنه كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يتَكَلَّم إِلَّا بِالْحَقِّ خُصُوصا فِيمَا يرجع إِلَى بَيَان الدّين فَيثبت مِنْهُ بِالسَّمَاعِ علم الْيَقِين
وَمن النَّاس من يَقُول إِن مَا يثبت بالتواتر علم طمأنينة الْقلب لَا علم الْيَقِين وَمعنى هَذَا أَنه يثبت الْعلم بِهِ مَعَ بَقَاء توهم الْغَلَط أَو الْكَذِب وَلَكِن لرجحان جَانب الصدْق تطمئِن الْقُلُوب إِلَيْهِ فَيكون ذَلِك علم طمأنينة مثل مَا يثبت بِالظَّاهِرِ لَا علم الْيَقِين
قَالُوا لِأَن التَّوَاتُر إِنَّمَا يثبت بِمَجْمُوع آحَاد وَمعنى احْتِمَال الْكَذِب ثَابت فِي خبر كل وَاحِد من تِلْكَ الْآحَاد فبالاجتماع لَا يَنْعَدِم هَذَا الِاحْتِمَال بِمَنْزِلَة اجْتِمَاع السودَان على شَيْء لَا يعْدم صفة السوَاد الْمَوْجُود فِي كل وَاحِد مِنْهُم قبل الِاجْتِمَاع وَهَذَا لِأَنَّهُ كَمَا يتَوَهَّم أَن يجتمعوا على الصدْق فِيمَا ينقلون يتَوَهَّم أَن يجتمعوا على الْكَذِب إِذْ الْخَبَر يحْتَمل كل وَاحِد من الوصفين على السوَاء أَلا ترى أَن النَّصَارَى وَالْيَهُود اتَّفقُوا على قتل عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام وصلبه ونقلوا ذَلِك فِيمَا بَينهم نقلا متواترا وَقد كَانُوا أَكثر منا عددا ثمَّ كَانَ ذَلِك كذبا لَا أصل لَهُ وَالْمَجُوس اتَّفقُوا على نقل معجزات زرادشت وَقد كَانُوا أَكثر منا عددا ثمَّ كَانَ ذَلِك كذبا لَا أصل لَهُ
فَعرفنَا أَن احْتِمَال التواطؤ على الْكَذِب لَا يَنْتَفِي بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر وَمَعَ بَقَائِهِ لَا يثبت علم الْيَقِين فَإِنَّمَا الثَّابِت بِهِ علم طمأنينة بِمَنْزِلَة من يعلم حَيَاة رجل ثمَّ يمر بداره فَيسمع النوح وَيرى آثَار التهيؤ لغسل الْمَيِّت وَدَفنه فيخبرونه أَنه قد مَاتَ ويعزونه ويعزيهم فيتبدل بِهَذَا الْحَادِث الْعلم الَّذِي كَانَ (لَهُ) حَقِيقَة ويعلمه مَيتا على وَجه طمأنينة الْقلب مَعَ احْتِمَال أَن ذَلِك
(1/284)


كُله حِيلَة مِنْهُم وتلبيس لغَرَض كَانَ لأَهله فِي ذَلِك فَهَذَا مثله
وَهَذَا قَول رذل أَيْضا فَإِن هَذَا الْقَائِل إِنَّه لَا يعلم الرُّسُل عَلَيْهِم السَّلَام حَقِيقَة وَلَا يَصح إيمَانه مَا لم يعرف الرُّسُل حَقِيقَة فَهُوَ بِمَنْزِلَة من يزْعم أَنه لَا يعرف الصَّانِع حَقِيقَة فَعرفنَا أَنه مُفسد لدينِهِ بِاخْتِيَار هَذَا القَوْل ثمَّ هُوَ جَاحد لما يُعلمهُ كل عَاقل ضَرُورَة فَإنَّا إِذا رَجعْنَا إِلَى مَوضِع الْمعرفَة وَهُوَ الْقلب وَوجدنَا أَن الْمعرفَة بالمتواتر من الْأَخْبَار يثبت على الْوَجْه الَّذِي يثبت بالعيان لأَنا نعلم أَن فِي الدُّنْيَا مَكَّة وبغداد بالْخبر على وَجه لَيْسَ فِيهِ احْتِمَال الشَّك كَمَا نعلم بَلْدَتنَا بالمعاينة ونعرف الْجِهَة إِلَى مَكَّة يَقِينا بالْخبر كَمَا نَعْرِف الْجِهَة إِلَى مَنَازلنَا يَقِينا بالمعاينة وَمن أَرَادَ الْخُرُوج من هَذِه الْبَلدة إِلَى بُخَارى يَأْخُذ فِي السّير إِلَى نَاحيَة الْمغرب كَمَا أَن من أَرَادَ أَن يخرج إِلَى كاشغر يَأْخُذ فِي السّير إِلَى نَاحيَة الْمشرق وَلَا يشك فِي ذَلِك أحد وَلَا يخطئه بِوَجْه وَإِنَّمَا عرف ذَلِك بالْخبر فَلَو لم يكن ذَلِك مُوجبا علم الْيَقِين لَكَانَ هُوَ مخاطرا بِنَفسِهِ وَمَاله خُصُوصا فِي زمَان الْخَوْف فَيَنْبَغِي أَن يكون فعله ذَلِك خطأ وَفِي اتِّفَاق النَّاس كلهم على خِلَافه مَا يدْفع زعم هَذَا الزاعم
وَمَا استدلوا بِهِ من نقل النَّصَارَى وَالْيَهُود قتل الْمَسِيح وصلبه فَهُوَ وهم لِأَن النَّقْل الْمُتَوَاتر لم يُوجد فِي ذَلِك فَإِن النَّصَارَى إِنَّمَا نقلوا ذَلِك عَن أَرْبَعَة نفر كَانُوا مَعَ الْمَسِيح فِي بَيت إِذْ الحواريون كَانُوا قد اختفوا أَو تفَرقُوا حِين هم الْيَهُود بِقَتْلِهِم وَإِنَّمَا بَقِي مَعَ الْمَسِيح أَرْبَعَة نفر يوحنا ويوقنا وَمتْن ومارقيش ويتحقق من هَذِه الْأَرْبَعَة التواطؤ على مَا هُوَ كذب لَا أصل لَهُ وَقد بَينا أَن حد التَّوَاتُر مَا يَسْتَوِي طرفاه ووسطه وَالْيَهُود إِنَّمَا نقلوا ذَلِك عَن سَبْعَة نفر كَانُوا دخلُوا الْبَيْت الَّذِي كَانَ فِيهِ الْمَسِيح وَأُولَئِكَ يتَحَقَّق مِنْهُم التواطؤ على الْكَذِب وَقد رُوِيَ أَنهم كَانُوا لَا يعْرفُونَ الْمَسِيح حَقِيقَة حَتَّى دلهم عَلَيْهِ رجل يُقَال لَهُ يهوذا وَكَانَ يَصْحَبهُ قبل ذَلِك فاجتعل مِنْهُم ثَلَاثِينَ درهما وَقَالَ إِذا رَأَيْتُمُونِي أقبل رجلا فاعلموا أَنه صَاحبكُم وبمثل هَذَا لَا يحصل مَا هُوَ حد التَّوَاتُر
فَإِن قيل الصلب قد شَاهده الْجَمَاعَة الَّتِي لَا يتَصَوَّر مِنْهُم التواطؤ على الْكَذِب عَادَة فَيتَحَقَّق مَا هُوَ حد التَّوَاتُر فِي الْإِخْبَار بصلبه
قُلْنَا لَا كَذَلِك فَإِن فعل الصلب
(1/285)


إِنَّمَا تناوشوه عدد قَلِيل من النَّاس ثمَّ سَائِر النَّاس يعتمدون خبرهم أَن المصلوب فلَان وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ من بعد من غير تَأمل فِيهِ فَفِي الطباع نفرة عَن التَّأَمُّل فِي المصلوب والحلي تَتَغَيَّر بِهِ أَيْضا فيتمكن فِيهِ الِاشْتِبَاه بِاعْتِبَار هَذِه الْوُجُوه فَعرفنَا أَنه كَمَا لَا يتَحَقَّق النَّقْل الْمُتَوَاتر فِي قَتله لَا يتَحَقَّق فِي صلبه وَالثَّانِي أَن النَّقْل الْمُتَوَاتر مِنْهُم فِي قتل رجل علموه عِيسَى وصلبه وَهَذَا النَّقْل مُوجب علم الْيَقِين فِيمَا نقلوه وَلَكِن لم يكن الرجل عِيسَى وَإِنَّمَا كَانَ مشبها بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَلَكِن شبه لَهُم} وَقد جَاءَ فِي الْخَبَر أَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لمن كَانَ مَعَه من يُرِيد مِنْكُم أَن يلقِي الله شبهي عَلَيْهِ فَيقْتل وَله الْجنَّة فَقَالَ رجل أَنا فَألْقى الله تَعَالَى شبه عِيسَى عَلَيْهِ فَقتل وَرفع عِيسَى إِلَى السَّمَاء
فَإِن قيل هَذَا القَوْل فِي نِهَايَة من الْفساد لِأَن فِيهِ قولا بِإِبْطَال المعارف أصلا وبتكذيب العيان وَإِذا جوزتم هَذَا فَمَا يؤمنكم من مثله فِيمَا ينْقل بالتواتر عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن السامعين إِنَّمَا سمعُوا ذَلِك من رجل كَانَ عِنْدهم أَنه مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يكن إِيَّاه وَإِنَّمَا ألْقى الله شبهه على غَيره وَمَعَ هَذَا القَوْل لَا يتَحَقَّق الْإِيمَان بالرسل لمن يعانيهم لجَوَاز أَن يكون شبه الرُّسُل ملقى على غَيرهم كَيفَ وَالْإِيمَان بالمسيح كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِم فِي ذَلِك الْوَقْت فَمن ألقِي عَلَيْهِ شبه الْمَسِيح فقد كَانَ الْإِيمَان بِهِ وَاجِبا بزعمكم وَفِي هَذَا قَول بِأَن الله تَعَالَى أوجب على عباده الْكفْر بِالْحجَّةِ فَأَي قَول أقبح من هَذَا قُلْنَا
الْأَمر لَيْسَ كَمَا توهمتم فَإِن إِلْقَاء شبه الْمَسِيح على غَيره غير مستبعد فِي الْقُدْرَة وَلَا فِي الْحِكْمَة بل فِيهِ حِكْمَة بَالِغَة وَهُوَ دفع شَرّ الْأَعْدَاء عَن الْمَسِيح فقد كَانُوا عزموا على قَتله وَفِي هَذَا دفع عَنهُ مَكْرُوه الْقَتْل بِوَجْه لطيف وَللَّه لطائف فِي دفع الْأَذَى عَن الرُّسُل عَلَيْهِم السَّلَام وَالَّذين قصدوه بِالْقَتْلِ قد علم الله مِنْهُم أَنهم لَا يُؤمنُونَ بِهِ فَألْقى شبهه على غَيره على سَبِيل الاستدراج لَهُم ليزدادوا طغيانا ومرضا إِلَى مرضهم وَمثل ذَلِك لَا يتَوَهَّم فِي حق قوم يأْتونَ الرُّسُل ليؤمنوا بِهِ ويتعظوا بوعظه فَظهر أَن الْفَاسِد قَول من يَقُول بِأَن هَذَا يُؤَدِّي إِلَى إبِْطَال المعارف والتكذيب بالرسل وَيرد ظَاهر قَوْله تَعَالَى {وَلَكِن شبه لَهُم} وَبَيَان أَن هَذَا غير مستبعد ظهر إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة مرّة فِي صُورَة شيخ من أهل نجد وَمرَّة فِي صُورَة سراقَة بن مَالك وكلم الْمُشْركين فِيمَا كَانُوا هموا بِهِ فِي بَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِيه نزل قَوْله تَعَالَى {وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا}
(1/286)


فِي الْقُدْرَة غير مُشكل فَإِن إِلْقَاء الشّبَه دون إِيجَاد الأَصْل لَا محَالة وَقد الْآيَة وَرَأَتْ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا دحْيَة الْكَلْبِيّ مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا أخْبرته بذلك قَالَ كَانَ معي جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَرَأى ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا جِبْرِيل أَيْضا فِي صُورَة دحْيَة الْكَلْبِيّ ورأته الصَّحَابَة حِين أَتَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي صُورَة أَعْرَابِي ثَائِر الرَّأْس يسْأَله معالم الدّين فَعرفنَا أَن مثل هَذَا غير مستبعد فِي زمن الرُّسُل وَأرى الله تَعَالَى الْمُشْركين فِي أعين الْمُسلمين قَلِيلا يَوْم بدر مَعَ كَثْرَة عَددهمْ لِأَنَّهُ لَو أَرَاهُم كثرتهم وعدتهم لامتنعوا من قِتَالهمْ فَأَرَاهُم بِصفة الْقلَّة حَتَّى رَغِبُوا فِي قِتَالهمْ وقتلوهم كَمَا قَالَ تَعَالَى {ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا} فَعرفنَا أَن مثله غير مستبعد
فَأَما نقل الْمَجُوس مَا نقلوه عَن زرادشت فَذَلِك كُله تخييلات بِمَنْزِلَة فعل المشعوذين أَو لعب النِّسَاء وَالصبيان إِلَّا مَا ينْقل أَنه أَدخل قَوَائِم فرس الْملك كشتاسب فِي بَطْنه ثمَّ أخرجه وَهَذَا إِنَّمَا ينْقل أَنه فعله فِي مجْلِس الْملك بَين يَدي خواصه وَأُولَئِكَ يتَصَوَّر مِنْهُم الِاجْتِمَاع على الْكَذِب فَلَا يثبت (بِهِ) النَّقْل الْمُتَوَاتر كَيفَ وَقد رُوِيَ أَن الْملك لما اختبره وَعلم خبثه ودهاءه وواطأه على أَن يُؤمن بِهِ وَيجْعَل هُوَ أحد أَرْكَان دينه دَعَاهُ النَّاس إِلَى تَعْظِيم الْمُلُوك وتحسين أفعالهم ومراعاة حُقُوقهم فِي كل حق وباطل وَيكون هُوَ من وَرَائه بِالسَّيْفِ يجْبر النَّاس على الدُّخُول فِي دينه وَحَملهمْ على هَذِه المواطأة حَاجتهم إِلَى ذَلِك فَإِنَّهُ لم يكن لذَلِك الْملك بَيت قديم فِي الْملك فَكَانَ النَّاس لَا يعظمونه فاحتالوا بِهَذِهِ الْحِيلَة ثمَّ نقلوا عَنهُ أمورا بعد ذَلِك بَين يَدي الْملك وخاصته وكل ذَلِك كذب لَا أصل لَهُ
فَإِن قيل مثل هَذِه المواطأة لَا تنكتم عَادَة فَكيف انكتم فِي ذَلِك الْوَقْت حَتَّى اتَّفقُوا على الْإِيمَان بِهِ وَكَذَلِكَ من بعدهمْ إِلَى زمَان طَوِيل وَجعلُوا ينقلون ذَلِك نقلا
(1/287)


متواترا قُلْنَا إِنَّمَا لَا تنكتم المواطأة الَّتِي تكون بَين جمع عَظِيم فَأَما مَا يكون بَين الْملك وخواصه تنكتم فَإِنَّهُم رصد لحفظ الْأَسْرَار وَإِنَّمَا يخصهم الْملك بِهَذَا الشَّرْط لِأَن تَدْبِير الْملك لَا يتم مستويا إِلَّا بِحِفْظ الْأَسْرَار وَهَذَا مَعْرُوف فِي عَادَة أهل كل زمَان أَن المواطأة الَّتِي تكون بَين الْملك وخواصه لَا تظهر للعوام فَعرفنَا أَنه لَا يُوجد النَّقْل الْمُوجب لعلم الْيَقِين فِي شَيْء من هَذِه الْأَخْبَار
فَأَما أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَضي عَنْهُم فقد كَانُوا من قبائل مُخْتَلفَة وَكَانُوا عددا لَا يتَوَهَّم اجْتِمَاعهم وتواطؤهم على الاختراع عَادَة لكثرتهم فَعرفنَا أَن مَا نقلوه عَنهُ بِمَنْزِلَة المسموع مِنْهُ فِي كَونه مُوجبا علم الْيَقِين لِأَنَّهُ لما انْتَفَى تُهْمَة احْتِمَال المواطأة تعين جِهَة السماع
فَإِن قيل مَعَ هَذَا توهم الِاتِّفَاق على الْكَذِب غير مُنْقَطع لِأَنَّهُ لَيْسَ شَرط التَّوَاتُر اجْتِمَاع أهل الدُّنْيَا وَإِذا اجْتمع أهل بَلْدَة أَو عامتهم على شَيْء يثبت بِهِ التَّوَاتُر كَيفَ وَقد نقل الْأَخْبَار عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَصْحَابه وهم كَانُوا عسكره لما تحقق مِنْهُم الِاجْتِمَاع على صحبته مَعَ تبَاين أمكنتهم فَذَلِك يُوهم الِاتِّفَاق مِنْهُم على نقل مَا لَا أصل لَهُ قُلْنَا مثل هَذَا الِاتِّفَاق من الْجمع الْعَظِيم خلاف الْعَادة وَهُوَ نَادِر غَايَة وَعَادَة وَالْبناء على مَا هُوَ مُعْتَاد الْبشر أَلا ترى أَن المعجزات توجب الْعلم بِالنُّبُوَّةِ قطعا لكَونهَا خَارِجَة عَن حد مُعْتَاد الْبشر وَلَو أَن وَاحِدًا قَالَ فِي زَمَاننَا صعدت السَّمَاء وَكلمت الْمَلَائِكَة نقطع القَوْل بِأَنَّهُ كَاذِب لكَون مَا يخبر بِهِ خَارِجا عَمَّا هُوَ الْمُعْتَاد والتوهم بعد ذَلِك غير مُعْتَبر وَلِهَذَا قُلْنَا لَو شهد شَاهِدَانِ على رجل أَنه طلق امْرَأَته يَوْم النَّحْر بِمَكَّة وآخران أَنه أعتق عَبده فِي ذَلِك الْيَوْم بِعَيْنِه بكوفة لَا تقبل الشَّهَادَة لِأَن كَون الْإِنْسَان فِي يَوْم وَاحِد بِمَكَّة وكوفة مُسْتَحِيل عَادَة فَيسْقط مَا وَرَاءه من التَّوَهُّم يُوضحهُ أَنه لَو كَانَ هُنَا توهم الِاتِّفَاق على الْكَذِب لظهر ذَلِك فِي عصرهم أَو بعد ذَلِك إِذا تطاول الزَّمَان فقد كَانُوا ثَلَاثِينَ ألفا أَو أَكثر والمواطأة فِيمَا بَين مثل هَذَا الْجمع الْعَظِيم لَا ينكتم عَادَة بل يظْهر كَيفَ وَقد اخْتَلَط بهم المُنَافِقُونَ وجواسيس الْكَفَرَة كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَفِيكُمْ سماعون لَهُم} وَقد كَانَ فِي الْمُسلمين أَيْضا من يلقِي إِلَى الْكفَّار
(1/288)


بالمودة وَيظْهر لَهُم سر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْحَرْب وَغَيره وَالْإِنْسَان يضيق صَدره عَن سره حَتَّى يفشيه إِلَى غَيره ويستكتمه ثمَّ السَّامع يفشيه إِلَى غَيره حَتَّى يصير ظَاهرا عَن قريب فَلَو كَانَ هُنَا توهم المواطأة لظهر ذَلِك فَالْقَوْل بِأَنَّهُ كَانَ بَينهم مواطأة وانكتم أصلا شبه الْمحَال وَهُوَ بِمَنْزِلَة قَول من يزْعم أَن الْكفَّار عارضوا الْقُرْآن بِمثلِهِ ثمَّ انكتم ذَلِك فَإِن هَذَا الْكَلَام بالِاتِّفَاقِ بَين الْمُسلمين شبه الْمحَال لِأَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام تحداهم فِي محافلهم أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن أَو سُورَة مِنْهُ فَلَو قدرُوا على ذَلِك لما أَعرضُوا عَنهُ إِلَى بذل النُّفُوس وَالْأَمْوَال وَالْحرم فِي غَزَوَاته وَلَو عارضوه بِهِ لما خَفِي ذَلِك فقد كَانَ الْمُشْركُونَ يَوْمئِذٍ أَكثر من الْمُسلمين وَلَو لم يظْهر الْآن فِيمَا بَين الْمُسلمين لظهر فِي ديار الشّرك إِذْ لَا خوف لَهُم وَتلك الْمُعَارضَة حجَّة لَهُم لَو كَانَت وَالْإِنْسَان على نقل الْحجَّة يكون أحرص مِنْهُ على نقل الشُّبْهَة كَيفَ وَقد نقلت كَلَام مسليمة ومخاريق المتنبئين من غير أَن يكون لشَيْء من ذَلِك أصل فَكَمَا تبين بِهَذَا التَّقْرِير انْقِطَاع توهم الْمُعَارضَة وَكَون الْقُرْآن حجَّة مُوجبَة للْعلم قطعا فَكَذَلِك يَنْقَطِع هَذَا التَّوَهُّم فِي الْمُتَوَاتر من الْأَخْبَار
فَإِن قيل لكَونه خلاف الْعَادة أثبتنا علم طمأنينة الْقلب بِهِ وَلكَون الِاتِّفَاق مُتَوَهمًا لم نثبت بِهِ علم الْيَقِين كَمَا ذكرنَا من حَال من رأى آثَار الْمَوْت فِي دَار إِنْسَان وَأخْبر بِمَوْتِهِ
قُلْنَا طمأنينة الْقلب فِي الأَصْل إِنَّمَا تكون بِمَعْرِِفَة حَقِيقَة الشَّيْء فَإِن امْتنع ثُبُوت ذَلِك فِي مَوضِع فَذَلِك لغفلة من النَّاظر حَيْثُ اكْتفى بِالظَّاهِرِ وَلَو تَأمل وجد فِي طلب الْبَاطِن لظهر عِنْده التلبيس وَالْفساد كَمَا يكون فِي حق الْمخبر بِمَوْت الْمَيِّت وَإِنَّمَا تتَحَقَّق هَذِه الْغَفْلَة فِي مَوضِع يكون وَرَاء مَا غَايَته حد آخر بِمَنْزِلَة مَا يرَاهُ النَّائِم فِي مَنَامه فَإِن عِنْده أَن مَا يرَاهُ هُوَ الْحَقِيقَة فِي ذَلِك الْوَقْت وَلَكِن لما كَانَ وَرَاء هَذَا الْحَد حد آخر للمعرفة فَوْقه وَهُوَ مَا يكون فِي حَالَة الْيَقَظَة فباعتبار هَذِه الْمُقَابلَة يظْهر أَن مَا يرَاهُ فِي النّوم لم يكن مُوجبا للمعرفة حَقِيقَة فَأَما هُنَا لَيْسَ وَرَاء الطُّمَأْنِينَة الثَّابِتَة بِخَبَر التَّوَاتُر حد آخر للْعلم فَوْقه على مَا بَينا أَن الثَّابِت بِخَبَر التَّوَاتُر وَالثَّابِت بالمعاينة فِي وُقُوع الْعلم بِهِ سَوَاء فالموجب للْعلم هُنَا معنى فِي قُوَّة الدَّلِيل وَهُوَ انْقِطَاع
(1/289)


توهم المواطأة وَمثل هَذَا كلما ازْدَادَ الْمَرْء التَّأَمُّل فِيهِ ازْدَادَ يَقِينا فالتشكيك فِيهِ يكون دَلِيل نُقْصَان الْعقل بِمَنْزِلَة التشكيك فِي حقائق الْأَشْيَاء المحسوسة والطمأنينة الَّتِي تكون بِاعْتِبَار كَمَال الْعقل تكون عبارَة عَن معرفَة الشَّيْء حَقِيقَة لَا محَالة
وَبِهَذَا يتَبَيَّن فَسَاد قَوْلهم إِنَّه لَيْسَ فِي الْجَمَاعَة إِلَّا اجْتِمَاع الْأَفْرَاد لِأَن مثل هَذِه الطُّمَأْنِينَة لَا تثبت بِخَبَر الْفَرد وتوهم الْكَذِب فِي ذَلِك الْخَبَر غير خَارج عَن حد الْمُعْتَاد
ثمَّ هَذَا بَاطِل فَإِن الْوَاحِد منا يُمكنهُ أَن يتَكَلَّم بحروف الهجاء كلهَا وَهل لقَائِل أَن يَقُول لقدرته على ذَلِك يتَوَهَّم مِنْهُ أَن يَأْتِي بِمثل الْقُرْآن فَفِيهِ تِلْكَ الْحُرُوف بِعَينهَا وَكَذَلِكَ الغبي منا يُمكنهُ أَن يتَكَلَّم بِكُل حِكْمَة من شعر امرىء الْقَيْس وَغَيره ثمَّ لَا يَقُول أحد إِنَّه لقدرته على ذَلِك يقدر على (إنْشَاء) قصيدة مثل تِلْكَ القصيدة وَقد يتَكَلَّم الْإِنْسَان عَن ظن وفراسة فَيُصِيب مرّة ثمَّ لَا يَقُول أحد إِنَّه يُصِيب فِي كل مَا يتَكَلَّم (بِهِ) بِهَذَا الطَّرِيق اعْتِبَارا للجملة بالفرد واتفاق مثل هَذَا الْجمع على الصدْق كَانَ بِجَامِع جمعهم عَلَيْهِ وَهُوَ دُعَاء الدّين والمروءة على الصدْق وَإِنَّمَا تَدعِي انْقِطَاع توهم اتِّفَاقهم مَعَ اخْتِلَاف الطبائع والأهواء من غير جَامع يجمعهُمْ على ذَلِك فَأَما عِنْد وجود الْجَامِع فَهُوَ مُوَافق للمعتاد
فَإِن قيل لَو تَوَاتر الْخَبَر عِنْد القَاضِي بِأَن الَّذِي فِي يَد زيد ملك عَمْرو لم يقْض لَهُ بِالْملكِ بِدُونِ إِقَامَة الْبَيِّنَة وَلَو ثَبت لَهُ علم الْيَقِين بذلك لتمكن من الْقَضَاء بِهِ
قُلْنَا هَذَا أَولا يلْزم الْخصم فَإِنَّهُ يثبت علم طمأنينة الْقلب بِخَبَر التَّوَاتُر وَبِه يتَمَكَّن من الْقَضَاء لِأَن بِشَهَادَة الشَّاهِدين لَا يثبت فَوق ذَلِك
فَأَما عندنَا فَيحْتَمل أَن يُقَال بِأَنَّهُ يقْضِي لِأَنَّهُ مَأْمُور شرعا بِأَن يقْضِي بِالْعلمِ وَيحْتَمل أَن لَا يقْضِي بِمَنْزِلَة مَا لَو صَار مَعْلُوما لَهُ بمعاينة السَّبَب قبل أَن يُقَلّد الْقَضَاء فِيمَا ثَبت مَعَ الشُّبُهَات وَفِيمَا يندرىء بِالشُّبُهَاتِ من الْحُدُود الَّتِي هِيَ لله تَعَالَى وَإِن صَار مَعْلُوما لَهُ بَعْدَمَا قلد الْقَضَاء لم يقْض بِهِ مَا لم تشهد
(1/290)


الشُّهُود وَعلم الْيَقِين يثبت لَهُ بمعاينة السَّبَب لَا محَالة أَلا ترى أَن الشَّاهِد لَو قَالَ أخبر لم يجز للْقَاضِي أَن يقْضِي بقوله وَفِيمَا يرجع إِلَى الْعلم لَا فرق بَين قَوْله أشهد وَبَين قَوْله أخبر فَعرفنَا أَن فِي بَاب الْقَضَاء تعْتَبر الشَّرَائِط سوى الْعلم بالشَّيْء ليتَمَكَّن القَاضِي من الْقَضَاء بِهِ
ثمَّ الْمَذْهَب عِنْد عُلَمَائِنَا أَن الثَّابِت بالمتواتر من الْأَخْبَار علم ضَرُورِيّ كَالثَّابِتِ بالمعاينة
وَأَصْحَاب الشَّافِعِي يَقُولُونَ الثَّابِت بِهِ علم يَقِين وَلكنه مكتسب لَا ضَرُورِيّ بِمَنْزِلَة مَا يثبت من الْعلم بِالنُّبُوَّةِ عِنْد معرفَة المعجزات فَإِنَّهُ علم يَقِين وَلكنه مكتسب لَا ضَرُورِيّ وَهَذَا لِأَن فِيمَا يكون ضَرُورِيًّا لَا يتَحَقَّق الِاخْتِلَاف فِيمَا بَين النَّاس وَإِذا وجدنَا النَّاس مُخْتَلفين فِي ثُبُوت علم الْيَقِين بالْخبر الْمُتَوَاتر عرفنَا أَنه مكتسب
وَلَكنَّا نقُول هَذَا فَاسد فَإِنَّهُ لَو كَانَ طَرِيق هَذَا الْعلم الِاكْتِسَاب لاختص بِهِ من يكون من أهل الِاكْتِسَاب ورأينا أَنه لَا يخْتَص هَذَا الْعلم بِمن يكون من أهل الِاكْتِسَاب فَكل وَاحِد منا فِي صغره كَانَ يعلم أَبَاهُ وَأمه بالْخبر كَمَا يُعلمهُ بعد الْبلُوغ وَلَو كَانَ طَرِيقه الِاكْتِسَاب لتمكن الْمَرْء من أَن يتْرك هَذَا الِاكْتِسَاب فَلَا يَقع لَهُ الْعلم وبالاتفاق الْعلم الَّذِي يحصل بِخَبَر التَّوَاتُر لَا يتَمَكَّن الْمَرْء من دَفعه بكسب يباشره أَو بالامتناع من اكتسابه فَعرفنَا أَنه ثَابت ضَرُورَة
فَأَما المعجزة فهناك يحْتَاج إِلَى (أَن) تميز المعجزة من المخرقة وتمييز مَا يكون فِي حد مَقْدُور الْبشر مِمَّا يكون خَارِجا من ذَلِك وَلَا طَرِيق إِلَى هَذَا التَّمْيِيز إِلَّا بالاستدلال فَعرفنَا أَن الْعلم الثَّابِت بِهِ طَرِيقه طَرِيق الِاسْتِدْلَال وَقد بَينا أَنه لَا خلاف بَين من لَهُم عقول كَامِلَة فِي الْعلم الْوَاقِع بِخَبَر الْمُتَوَاتر وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف ناشىء من نُقْصَان الْعقل لبَعض النَّاس وَترك التَّأَمُّل وَذَلِكَ دَلِيل وسواس يعتري بعض النَّاس كَمَا يكون فِي الْمَعْلُوم بالحواس وبالاتفاق لَا يعْتَبر هَذَا الِاخْتِلَاف فِي الْمَعْلُوم بالحواس وَيكون الْعلم الْوَاقِع بِهِ ضَرُورِيًّا فَكَذَلِك فِي الْمَعْلُوم بِخَبَر التَّوَاتُر
ثمَّ اخْتلف مَشَايِخنَا فِيمَا هُوَ متواتر الْفَرْع آحَاد الأَصْل من الْأَخْبَار وَهُوَ الَّذِي تسميه الْفُقَهَاء فِي حيّز التَّوَاتُر وَالْمَشْهُور من الْأَخْبَار فَكَانَ أَبُو بكر
(1/291)


الرَّازِيّ رَحمَه الله يَقُول هَذَا أحد قسمي الْمُتَوَاتر على معنى أَنه يثبت بِهِ علم الْيَقِين وَلكنه علم اكْتِسَاب كَمَا قَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي الْقسم الآخر وَكَانَ عِيسَى بن أبان رَحمَه الله يَقُول لَا يكون الْمُتَوَاتر إِلَّا مَا يُوجب الْعلم ضَرُورِيًّا فَأَما النَّوْع الثَّانِي فَهُوَ مَشْهُور وَلَيْسَ بمتواتر وَهُوَ الصَّحِيح عندنَا
وَبَيَان هَذَا النَّوْع فِي كل حَدِيث نَقله عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عدد يتَوَهَّم اجْتِمَاعهم على الْكَذِب وَلَكِن تَلَقَّتْهُ الْعلمَاء بِالْقبُولِ وَالْعَمَل بِهِ فباعتبار الأَصْل هُوَ من الْآحَاد وَبِاعْتِبَار الْفَرْع هُوَ متواتر وَذَلِكَ نَحْو خبر الْمسْح على الْخُفَّيْنِ وَخبر تَحْرِيم الْمُتْعَة بعد الْإِبَاحَة وَخبر تَحْرِيم نِكَاح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وعَلى خَالَتهَا وَخبر حُرْمَة التَّفَاضُل فِي الْأَشْيَاء السِّتَّة وَمَا أشبه ذَلِك
أما أَبُو بكر الرَّازِيّ كَانَ يَقُول لما تَوَاتر نقل هَذَا الْخَبَر إِلَيْنَا من قوم لَا يتَوَهَّم اجْتِمَاعهم على الْكَذِب فقد أوجب لنا ذَلِك علم الْيَقِين وَانْقطع بِهِ توهم الِاتِّفَاق فِي الصَّدْر الأول لِأَن الَّذين تلقوهُ بِالْقبُولِ وَالْعَمَل بِهِ لَا يتَوَهَّم اتِّفَاقهم على الْقبُول إِلَّا بِجَامِع جمعهم على ذَلِك وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا تعين جَانب الصدْق فِي الَّذين كَانُوا أَهلا من رُوَاته وَلَكِن إِنَّمَا عرفنَا هَذَا بالاستدلال فَلهَذَا سمينا الْعلم الثَّابِت بِهِ مكتسبا وَإِن كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ بِمَنْزِلَة الْعلم بِمَعْرِِفَة الصَّانِع أَلا ترى أَن النّسخ يثبت بِمثل هَذِه الْأَخْبَار فَإِنَّهُ يثبت بهَا الزِّيَادَة على كتاب الله تَعَالَى وَالزِّيَادَة على النَّص نسخ وَلَا يثبت نسخ مَا يُوجب علم الْيَقِين إِلَّا بِمثل مَا يُوجب علم الْيَقِين
وَجه قَول عِيسَى أَن مَا يكون مُوجبا علم الْيَقِين فَإِنَّهُ يكفر جاحده كَمَا فِي الْمُتَوَاتر الَّذِي يُوجب الْعلم ضَرُورَة وبالاتفاق لَا يكفر جَاحد الْمَشْهُور من الْأَخْبَار فَعرفنَا أَن الثَّابِت بِهِ علم طمأنينة الْقلب لَا علم الْيَقِين وَهَذَا لِأَنَّهُ وَإِن تَوَاتر نَقله من الْفَرِيق الثَّانِي وَالثَّالِث فقد بَقِي فِيهِ شُبْهَة توهم الْكَذِب عَادَة بِاعْتِبَار الأَصْل فَإِن رُوَاته عدد يسير وَعلم الْيَقِين إِنَّمَا يثبت إِذا اتَّصل بِمن هُوَ مَعْصُوم عَن الْكَذِب على وَجه لَا يبْقى فِيهِ شُبْهَة الِانْفِصَال وَقد بَقِي هُنَا شُبْهَة الِانْفِصَال بِاعْتِبَار الأَصْل فَيمْنَع ثُبُوت علم الْيَقِين بِهِ يقرره أَن الْعلم الْوَاقِع لنا بِمثل هَذَا النَّقْل إِنَّمَا يكون قبل التَّأَمُّل فِي شُبْهَة الِانْفِصَال فَأَما عِنْد التَّأَمُّل فِي هَذِه الشُّبْهَة يتَمَكَّن نُقْصَان فِيهِ فَعرفنَا أَنه علم طمأنينة فَأَما الْعلم الْوَاقِع بِمَا هُوَ متواتر بِأَصْلِهِ وفرعه فَهُوَ يزْدَاد قُوَّة بِالتَّأَمُّلِ فِيهِ
(1/292)


ثمَّ قد بَينا أَن التَّفَاوُت يظْهر عِنْد الْمُقَابلَة فَإِذا لم يكن وَرَاء الْقسم الأول حد آخر عرفنَا أَن الثَّابِت بِهِ علم ضَرُورَة وَلما كَانَ وَرَاء الْقسم الثَّانِي حد آخر عرفنَا أَن الثَّابِت بِهِ علم طمأنينة
وَلَكِن مَعَ هَذَا تجوز الزِّيَادَة على النَّص بِهَذَا النَّوْع من الْأَخْبَار لِأَن الْعلمَاء لما تَلَقَّتْهُ بِالْقبُولِ وَالْعَمَل بِهِ كَانَ دَلِيلا مُوجبا فَإِن الْإِجْمَاع من الْعَصْر الثَّانِي وَالثَّالِث دَلِيل مُوجب شرعا فَلهَذَا جَوَّزنَا بِهِ الزِّيَادَة على النَّص وَلَكِن مَعَ هَذَا بَقِي فِيهِ شُبْهَة توهم الِانْفِصَال فَلَا يكفر جاحده وَمَا هَذَا إِلَّا نَظِير مَا تقدم بَيَانه فَإِن الْعلم بِكَوْن الْمَسِيح عَلَيْهِ السَّلَام مَبْعُوثًا إِلَى بني إِسْرَائِيل ثَابت بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر أصلا وفرعا على وَجه لم يبْق فِيهِ توهم الشُّبْهَة لأحد ثمَّ بنقلهم الْمُتَوَاتر أَنه قتل أَو صلب لَا يثبت الْعلم لِأَن ذَلِك آحَاد الأَصْل متواتر الْفَرْع كَمَا قَررنَا
فَإِن قيل (فَكَانَ يَنْبَغِي) أَن يثبت بِهِ طمأنينة الْقلب كَمَا أثبتم هُنَا
قُلْنَا إِنَّمَا لم نثبت لِأَنَّهُ اعْترض مَا هُوَ أقوى مِنْهُ فِيمَا يرجع إِلَى الْعلم وَهُوَ إِخْبَار علام الغيوب بِأَنَّهُم مَا قَتَلُوهُ يَقِينا والحجج الَّتِي تثبت بهَا طمأنينة الْقلب إِذا اعْترض عَلَيْهَا مَا هُوَ أقوى لم يبْق علم طمأنينة الْقلب بهَا
ثمَّ ذكر عِيسَى رَحمَه الله أَن هَذَا النَّوْع من الْأَخْبَار يَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام قسم يضلل جاحده وَلَا يكفر وَذَلِكَ نَحْو خبر الرَّجْم وَقسم لَا يضلل جاحده وَلَكِن يخطأ ويخشى عَلَيْهِ المأثم وَذَلِكَ نَحْو خبر الْمسْح بالخف وَخبر حُرْمَة التَّفَاضُل وَقسم لَا يخْشَى على جاحده المأثم وَلَكِن يخطأ فِي ذَلِك وَهُوَ الْأَخْبَار الَّتِي اخْتلف فِيهَا الْفُقَهَاء فِي بَاب الْأَحْكَام
وَهَذَا الَّذِي قَالَه صَحِيح بِنَاؤُه على تلقي الْعلمَاء إِيَّاه بِالْقبُولِ ثمَّ الْعَمَل بِمُوجبِه فَإِن خبر الرَّجْم اتّفق عَلَيْهِ الْعلمَاء من الصَّدْر الأول وَالثَّانِي وَإِنَّمَا خَالف فِيهِ الْخَوَارِج وخلافهم لَا يكون قدحا فِي الْإِجْمَاع وَلِهَذَا قَالَ يضلل جاحده
فَأَما خبر الْمسْح فَفِيهِ شُبْهَة الِاخْتِلَاف فِي الصَّدْر الأول فَإِن عَائِشَة وَابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُم كَانَا يَقُولَانِ سلوا هَؤُلَاءِ الَّذين يرَوْنَ الْمسْح هَل مسح رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد سُورَة الْمَائِدَة وَالله مَا مسح رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد سُورَة الْمَائِدَة وَقد
(1/293)


نقل رجوعهما عَن ذَلِك أَيْضا وَكَذَلِكَ خبر الصّرْف فقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه كَانَ يجوز التَّفَاضُل مستدلا بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا رَبًّا إِلَّا فِي النَّسِيئَة وَقد نقل رُجُوعه عَن ذَلِك فلشبهة الِاخْتِلَاف فِي الصَّدْر الأول قُلْنَا بِأَنَّهُ لَا يضلل جاحده وَلَكِن يخْشَى عَلَيْهِ المأثم وَلِأَن بِاعْتِبَار رجوعهم يثبت الْإِجْمَاع (وَقد ثَبت الْإِجْمَاع) على قبُوله من الصَّدْر الثَّانِي وَالثَّالِث وَلَا يسع مُخَالفَة الْإِجْمَاع فَلهَذَا يخْشَى على جاحده المأثم
وَأما النَّوْع الثَّالِث فقد ظهر فِيهِ الِاخْتِلَاف فِي كل قرن فَكل من ترجح عِنْده جَانب الصدْق فِيهِ بِدَلِيل عمل بِهِ وَكَانَ لَهُ أَن يخطىء صَاحبه وَلَكِن لَا يخْشَى عَلَيْهِ المأثم فِي ذَلِك لِأَنَّهُ صَار إِلَيْهِ عَن اجْتِهَاد وَالْإِثْم فِي الْخَطَأ مَوْضُوع عَن الْمُجْتَهد على مَا نبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما الْغَرِيب المستنكر فَإِنَّهُ يخْشَى المأثم على الْعَامِل بِهِ وَذَلِكَ نَحْو خبر الْقَتْل فِي الْقسَامَة وَخبر الْقَضَاء بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين لِأَنَّهُ مُخَالف لظَاهِر الْقُرْآن وَقد ترك الْعلمَاء فِي الْقرن الأول وَالثَّانِي الْعَمَل بِهِ فبه يقرب من الْكَذِب كَمَا أَن الْمَشْهُور يقرب من الصدْق بتلقيهم إِيَّاه بِالْقبُولِ وَالْعَمَل بِهِ فَكَمَا يخْشَى المأثم هُنَاكَ على ترك الْعَمَل بِهِ لقُرْبه من الصدْق فَكَذَلِك يخْشَى على من يعْمل بالغريب المستنكر لقُرْبه من الْكَذِب وَالثَّابِت بِمثلِهِ مُجَرّد الظَّن وَمن الظَّن مَا يَأْثَم الْمَرْء باتباعه قَالَ تَعَالَى {وظننتم ظن السوء} وَقَالَ تَعَالَى {إِن بعض الظَّن إِثْم} وَهُوَ نَظِير من يصير إِلَى التَّحَرِّي عِنْد اشْتِبَاه الْقبْلَة فَيعْمل بِهِ مَعَ وجود الدَّلِيل وَيتْرك الْعَمَل بِالدَّلِيلِ وَلَا شكّ فِي تأثيم من يدع الْعَمَل بِالدَّلِيلِ وَيعْمل بِالظَّنِّ فَهَذَا مثله وَالله أعلم
ذكر عِيسَى رَحمَه الله أَنه لَيْسَ لما ينْعَقد بِهِ التَّوَاتُر حد مَعْلُوم من حَيْثُ الْعدَد وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن خبر التَّوَاتُر يثبت علم الْيَقِين وَلَا يُوجد حد من حَيْثُ الْعدَد يثبت بِهِ علم الْيَقِين وَإِذا انْتقصَ مِنْهُ بفرد لَا يثبت علم الْيَقِين
وَلَكنَّا نعلم أَن بِالْعدَدِ الْيَسِير لَا يثبت ذَلِك لتوهم المواطأة بَينهم وبالجمع الْعَظِيم يثبت ذَلِك لِانْعِدَامِ توهم
(1/294)


المواطأة فَإِنَّمَا يَبْنِي على هَذَا أَنه مَتى كَانَ المخبرون بِحَيْثُ يُؤمن تواطؤهم عَادَة يكون خبرهم متواترا
وَالْحُدُود نَوْعَانِ مِنْهُ مَا يكون متميز الْأَطْرَاف وَالْوسط كالمقادير فِي الْحُدُود الشَّرْعِيَّة وَمِنْه مَا يكون متميز الْأَطْرَاف مُشكل الْوسط كالسير بالأميال وَالْأكل بالأرطال
فَهَذَا مِمَّا هُوَ متميز الْأَطْرَاف مُشكل الْوسط وَالطَّرِيق فِيهِ مَا بَينا
فصل فِي بَيَان أَن إِجْمَاع هَذِه الْأمة مُوجب للْعلم
قَالَ رَضِي الله عَنهُ اعْلَم أَن إِجْمَاع هَذِه الْأمة مُوجب للْعلم قطعا كَرَامَة لَهُم على الدّين لَا لانْقِطَاع توهم اجْتِمَاعهم على الضلال بِمَعْنى مَعْقُول فاليهود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس أَكثر منا عددا وَقد وجد مِنْهُم الْإِجْمَاع على الضَّلَالَة وَلِأَن الِاتِّفَاق قد يتَحَقَّق من الْخلف على وَجه الْمُتَابَعَة للآباء من غير حجَّة كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَن الْكَفَرَة بقوله تَعَالَى {إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة} وَقَالَ تَعَالَى {اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله} فَعرفنَا أَنه إِنَّمَا جعل اجْتِمَاع هَذِه الْأمة حجَّة شرعا كَرَامَة لَهُم على الدّين
فَهَذَا مَذْهَب الْفُقَهَاء وَأكْثر الْمُتَكَلِّمين
وَقَالَ النظام وَقوم من الإمامية لَا يكون الْإِجْمَاع حجَّة مُوجبَة للْعلم بِحَال لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا اجْتِمَاع الْأَفْرَاد وَإِذا كَانَ قَول كل فَرد غير مُوجب للْعلم لكَونه غير مَعْصُوم عَن الْخَطَأ فَكَذَلِك أقاويلهم بَعْدَمَا اجْتَمعُوا لِأَن توهم الْخَطَأ لَا يَنْعَدِم بالاجتماع أَلا ترى أَن كل وَاحِد مِنْهُم لما كَانَ إنْسَانا قبل الِاجْتِمَاع فَبعد الِاجْتِمَاع هم نَاس وكل وَاحِد من القادرين حَالَة الِانْفِرَاد لَا يصير عَاجِزا بعد الِاجْتِمَاع وكل وَاحِد من العميان عِنْد الِانْفِرَاد لَا يصير بَصيرًا بالاجتماع وَلَا تصير جُمْلَتهمْ أَيْضا بِهَذِهِ الصّفة بعد الِاجْتِمَاع
وَهَذَا الْكَلَام ظَاهر التَّنَاقُض وَالْفساد فقد ثَبت بالاجتماع مَا لَا يكون ثَابتا عِنْد الِانْفِرَاد فِي المحسوسات والمشروعات فَإِن الْأَفْرَاد لَا يقدرُونَ على حمل خَشَبَة ثَقيلَة وَإِذا اجْتَمعُوا قدرُوا على ذَلِك واللقمة الْوَاحِدَة من الطَّعَام والقطرة من المَاء لَا تكون مشبعة وَلَا مروية ثمَّ عِنْد الِاجْتِمَاع تصير مشبعة ومروية وَهَذَا لِأَن بالاجتماع يحدث مَا لم يكن عِنْد الِانْفِرَاد وَهُوَ الدَّلِيل الْجَامِع لَهُم على
(1/295)


مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ وَقد قَررنَا هَذَا فِي الْخَبَر الْمُتَوَاتر وَمن أنكر كَون الْإِجْمَاع حجَّة مُوجبَة للْعلم فقد أبطل أصل الدّين فَإِن مدَار أصُول الدّين ومرجع الْمُسلمين إِلَى إِجْمَاعهم فالمنكر لذَلِك يسْعَى فِي هدم أصل الدّين
وسنقرر هَذَا فِي آخر الْفَصْل
ثمَّ الدَّلِيل على أَن الْإِجْمَاع من هَذِه الْأمة حجَّة مُوجبَة شرعا وَأَنَّهُمْ إِذا اجْتَمعُوا على شَيْء فَالْحق فِيمَا اجْتَمعُوا عَلَيْهِ قطعا وَإِذا اخْتلفُوا فِي شَيْء فَالْحق لَا يعدوهم أصلا الْكتاب وَالسّنة
أما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى {كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر} وَكلمَة خير بِمَعْنى أفعل فَيدل على النِّهَايَة فِي الْخَيْرِيَّة وَذَلِكَ دَلِيل ظَاهر على أَن النِّهَايَة فِي الْخَيْرِيَّة فِيمَا يَجْتَمعُونَ عَلَيْهِ ثمَّ فسر ذَلِك بِأَنَّهُم يأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر وَإِنَّمَا جعلهم خير أمة بِهَذَا وَالْمَعْرُوف الْمُطلق مَا هُوَ حق عِنْد الله تَعَالَى فَأَما مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ اجْتِهَاد الْمُجْتَهدين فَإِنَّهُ غير مَعْرُوف مُطلقًا إِذْ الْمُجْتَهد يخطىء ويصيب وَلكنه مَعْرُوف فِي حَقه على معنى أَنه يلْزمه الْعَمَل بِهِ مَا لم يتَبَيَّن خَطؤُهُ فَفِي هَذَا بَيَان أَن الْمَعْرُوف الْمُطلق مَا يَجْتَمعُونَ عَلَيْهِ
فَإِن قيل هَذَا يَقْتَضِي كَون كل وَاحِد مِنْهُم آمرا بِالْمَعْرُوفِ كَمَا ذكرنَا فِي مُوجب الْجمع الْمُضَاف إِلَى جمَاعَة وبالإجماع اجْتِهَاد كل وَاحِد مِنْهُم بِانْفِرَادِهِ لَا يكون مُوجبا للْعلم قطعا
قُلْنَا لَا بل المُرَاد هُنَا أَن جَمِيع الْأمة أَو أَكْثَرهم بِهَذِهِ الصّفة وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى {وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لن نؤمن لَك}
{وَإِذ قتلتم نفسا فادارأتم فِيهَا} وَكَانَ ذَلِك من بَعضهم
وَيُقَال فِي بذلة الْكَلَام بَنو هَاشم حكماء وَأهل الْكُوفَة فُقَهَاء وَإِنَّمَا يُرَاد بَعضهم فيتبين بِهَذَا التَّحْقِيق أَن المُرَاد بَيَان أَن الْأَكْثَر من هَذِه الْأمة إِذا اجْتَمعُوا على شَيْء فَهُوَ الْمَعْرُوف مُطلقًا وَأَنَّهُمْ إِذا اخْتلفُوا فِي شَيْء فالمعروف الْمُطلق لَا يعدو أَقْوَالهم وَقَالَ تَعَالَى {وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} الْآيَة فقد جعل الله اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ بِمَنْزِلَة مشاقة الرَّسُول فِي استيجاب النَّار
ثمَّ قَول الرَّسُول مُوجب للْعلم قطعا فَكَذَلِك مَا اجْتمع عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ وَلَا يجوز أَن يُقَال المُرَاد اجْتِمَاع الخصلتين لِأَن فِي ذكرهمَا دَلِيلا على أَن تَأْثِير أَحدهمَا كتأثير الآخر بِمَنْزِلَة قَوْله تَعَالَى {وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر}
(1/296)


إِلَى قَوْله {وَمن يفعل ذَلِك يلق أثاما} وأيد هَذَا قَوْله تَعَالَى {وَلم يتخذوا من دون الله وَلَا رَسُوله وَلَا الْمُؤمنِينَ وليجة} فَفِي هَذَا تنصيص على أَن من اتخذ وليجة من دون الْمُؤمنِينَ فَهُوَ بِمَنْزِلَة من اتخذ وليجة من دون الرَّسُول
وَقَالَ تَعَالَى {وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم} وَفِيه تنصيص على أَن المرضي عِنْد الله مَا هم عَلَيْهِ حَقِيقَة وَمَعْلُوم أَن الارتضاء مُطلقًا لَا يكون بالْخَطَأ وَإِن كَانَ المخطىء مَعْذُورًا وَإِنَّمَا يكون بِمَا هُوَ الصَّوَاب فَعرفنَا أَن الْحق مُطلقًا فِيمَا اجْتَمعُوا عَلَيْهِ
وَقَالَ تَعَالَى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس} وَالْوسط الْعدْل المرضي قَالَ تَعَالَى {أوسطهم} أَي أعدلهم وأرضاهم قولا وَقَالَ الْقَائِل هم وسط يرضى الْأَنَام بحكمهم أَي عدل فَفِي الْوَصْف لَهُم بِالْعَدَالَةِ تنصيص على أَن الْحق مَا يَجْتَمعُونَ عَلَيْهِ ثمَّ جعلهم شُهَدَاء على النَّاس وَالشَّاهِد مُطلقًا من يكون قَوْله حجَّة فَفِي هَذَا بَيَان أَن إِجْمَاعهم حجَّة على النَّاس وَأَنه مُوجب للْعلم قطعا وَلَا معنى لقَوْل من يَقُول الشُّهُود فِي الْحُقُوق عِنْد القَاضِي وَإِن جعلت شَهَادَتهم حجَّة فَإِنَّهَا لَا تكون مُوجبَة للْعلم قطعا وَهَذَا لِأَن شَهَادَتهم حجَّة فِي حق القَاضِي بِاعْتِبَار أَنه مَأْمُور بِالْقضَاءِ بِالظَّاهِرِ فَإِن مَا وَرَاءه غيب عَنهُ وَلَا طَرِيق لَهُ إِلَى مَعْرفَته فَيكون حجَّة بِحَسب ذَلِك وَأما هُنَا فقد جعل الله تَعَالَى هَذِه الْأمة شُهَدَاء على النَّاس بِمَا هُوَ حق الله تَعَالَى (على النَّاس وَهُوَ علام الغيوب لَا تخفى عَلَيْهِ خافية فَإِن مَا يكون حجَّة لحق الله تَعَالَى) على النَّاس مَا يكون مَوْصُوفا بِأَنَّهُ حق قطعا كَيفَ وَقد جعل الله شَهَادَتهم على النَّاس كَشَهَادَة الرَّسُول عَلَيْهِم فَقَالَ تَعَالَى {وَيكون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا} وَشَهَادَة الرَّسُول حجَّة مُوجبَة للْعلم قطعا لِأَنَّهُ مَعْصُوم عَن القَوْل بِالْبَاطِلِ فَتبين بِهَذِهِ الْمُقَابلَة أَن شَهَادَة الْأمة فِي حق النَّاس بِهَذِهِ الصّفة وَلَا يجوز أَن يُقَال هَذَا فِي حكم الْآخِرَة لِأَنَّهُ لَا تَفْصِيل فِي الْآيَة وَلِأَن مَا فِي الْآخِرَة يكون أَدَاء الشَّهَادَة فِي مجْلِس الْقَضَاء وَالْقَاضِي علام الغيوب عَالم بحقائق الْأُمُور فَمَا لم يَكُونُوا عَالمين بِمَا هُوَ الْحق فِي الدُّنْيَا لَا يصلحون للْأَدَاء بِهَذِهِ الصّفة فِي الْآخِرَة فِي قَوْله تَعَالَى {فَكيف إِذا جِئْنَا من كل أمة بِشَهِيد وَجِئْنَا بك على هَؤُلَاءِ} مَعَ أَن الشَّهَادَة فِي الْآخِرَة مَذْكُورَة
(1/297)


فِي الْآيَتَيْنِ من كتاب الله تَعَالَى {شَهِيدا} وَفِي قَوْله تَعَالَى {وَيَوْم نبعث من كل أمة شَهِيدا} الْآيَة فَتبين أَن المُرَاد بِمَا تلونا الشَّهَادَة بِحُقُوق الله تَعَالَى على النَّاس فِي الدُّنْيَا
وَلَا يُقَال كَمَا وصف الله هَذِه الْأمة بِأَنَّهُم شُهَدَاء فقد وصف بِهِ أهل الْكتاب قَالَ تَعَالَى {يَا أهل الْكتاب لم تصدُّونَ عَن سَبِيل الله من آمن تَبْغُونَهَا عوجا وَأَنْتُم شُهَدَاء} وَقَالَ تَعَالَى {بِمَا استحفظوا من كتاب الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء} ثمَّ لم يدل ذَلِك على أَن إِجْمَاعهم مُوجب للْعلم وَهَذَا لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا جعلهم شُهَدَاء بِمَا أَخذ الْمِيثَاق بِهِ عَلَيْهِم وَهُوَ بَيَان نعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من كِتَابهمْ للنَّاس كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه} الْآيَة وَلَو بينوا كَانَ بيانهم حجَّة إِلَّا أَنهم لما تعنتوا وَاشْتَغلُوا بِالْحَسَدِ وَطلب الرياسة كفرُوا بذلك وَإِنَّمَا سماهم أهل الْكتاب بِاعْتِبَار مَا كَانُوا عَلَيْهِ من قبل وَلذَلِك جعلهم شُهَدَاء على حفظ الْكتاب فَمَا لم يبدلوا كَانَ قَوْلهم حجَّة وَلَكنهُمْ حرفوا وغيروا ذَلِك فَلهَذَا لَا يكون قَوْلهم حجَّة فَأَما هُنَا فقد جعل الله هَذِه الْأمة شُهَدَاء على النَّاس فَعرفنَا أَن قَوْلهم حجَّة فِي إِلْزَام حُقُوق الله على النَّاس إِلَى قيام السَّاعَة
وَلَا يُقَال فقد ثَبت حق الله بِمَا لَا يُوجب الْعلم قطعا نَحْو خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس وَهَذَا لِأَن خبر الْوَاحِد حجَّة بِاعْتِبَار أَنه كَلَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَوله حجَّة مُوجبَة للْعلم قطعا وَلَكِن امْتنع ثُبُوت الْعلم بِهِ لشُبْهَة فِي النَّقْل وَاحْتمل ذَلِك لضَرُورَة فَقدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْقِيَاس لَا يكون حجَّة لإِثْبَات الحكم ابْتِدَاء بل بتعدية الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ إِلَى مَحل لَا نَص فِيهِ وَاحْتمل ذَلِك لضَرُورَة حاجتنا إِلَى ذَلِك فَأَما هُنَا فقد جعل الله تَعَالَى الْأمة شُهَدَاء على النَّاس مُطلقًا وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا إِذا كَانَ الْحق مُطلقًا فِيمَا يشْهدُونَ بِهِ
فَإِن قيل وصف الله تَعَالَى إيَّاهُم بِهَذَا لَا يكون دَلِيلا على أَنه لَا يتَوَهَّم اجْتِمَاعهم على مَا هُوَ ضَلَالَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون} فَفِيهِ بَيَان أَنه خلقهمْ لِلْعِبَادَةِ ثمَّ لَا يمْنَع ذَلِك توهم اجْتِمَاعهم على ترك الْعِبَادَة
قُلْنَا اللَّام الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى {ليكونوا}
(1/298)


{ليكونوا} يدل على أَنه جعلهم بِهَذِهِ الصّفة كَرَامَة لَهُم ليَكُون قَوْلهم حجَّة على النَّاس فِي حق الله كَمَا يَقُول إِنَّه جعل النَّاس أحرارا ليكونوا أَهلا للْملك فَإِنَّمَا يفهم مِنْهُ أَن الْأَهْلِيَّة للْملك ثَابت لَهُم بِاعْتِبَار الْحُرِّيَّة فهاهنا أَيْضا يفهم من الْآيَة أَن قَوْلهم حجَّة على النَّاس بِاعْتِبَار صفة الوساطة لَهُم وَهَكَذَا كَانَ يَقْتَضِي ظَاهر قَوْله تَعَالَى {إِلَّا ليعبدون} غير أَنا لَو حملنَا على هَذَا الظَّاهِر خرجت الْعِبَادَة من أَن ينالها ثَوَاب أَو عِقَاب بِتَرْكِهَا لِأَن ذَلِك يثبت بِاخْتِيَار يكون من العَبْد عِنْد الْإِقْدَام عَلَيْهِ فَعرفنَا أَن المُرَاد من قَوْله {إِلَّا ليعبدون} إِلَّا وَعَلَيْهِم الْعِبَادَة لي
وَبِأَن بترك الظَّاهِر فِي مَوضِع لقِيَام الدَّلِيل لَا يمْنَع الْعَمَل بِالظَّاهِرِ فِيمَا سواهُ وَتبين أَن مَا نَحن فِيهِ نَظِير شَهَادَة الرَّسُول علينا كَمَا ذكره الله مَعْطُوفًا على هَذِه الصّفة لَا نَظِير مَا اسْتشْهدُوا بِهِ
وَأما السّنة فقد جَاءَت مستفيضة مَشْهُورَة فِي ذَلِك فَمِنْهَا حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من سره بحبوحة الْجنَّة فليلزم الْجَمَاعَة فَإِن الشَّيْطَان مَعَ الْوَاحِد وَهُوَ من الِاثْنَيْنِ أبعد وَمِنْهَا حَدِيث معَاذ رَضِي الله عَنهُ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاث لَا يغل عَلَيْهِنَّ قلب مُسلم إخلاص الْعَمَل لله تَعَالَى ومناصحة وُلَاة الْأَمر وَلُزُوم جمَاعَة المسلمينومنها قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَد الله مَعَ الْجَمَاعَة فَمن شَذَّ شَذَّ فِي النَّار وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام من خَالف الْجَمَاعَة قيد شبر فقد خلع ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام إِن الله لَا يجمع أمتِي على الضَّلَالَة وَلما سُئِلَ عَن الخميرة الَّتِي يتعاطاها النَّاس قَالَ مَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن وَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ قبيحا فَهُوَ عِنْد الله قَبِيح والْآثَار فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة تبلغ حد التَّوَاتُر لِأَن كل وَاحِد مِنْهُم إِذا رُوِيَ حَدِيثا فِي هَذَا الْبَاب سَمعه فِي جمع وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد من ذَلِك الْجمع فَذَلِك بِمَنْزِلَة الْمُتَوَاتر كالإنسان إِذا رأى الْقَافِلَة بعد انصرافها من مَكَّة وَسمع من كل فريق وَاحِدًا يَقُول قد حجَجنَا فَإِنَّهُ يثبت لَهُ علم الْيَقِين بِأَنَّهُم حجُّوا فِي تِلْكَ السّنة
(1/299)


وَشَيْء من الْمَعْقُول يشْهد بِهِ فَإِن الله تَعَالَى جعل الرَّسُول خَاتم النَّبِيين وَحكم بِبَقَاء شَرِيعَته إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأَنه لَا نَبِي بعده وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قَوْله لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي على الْحق ظَاهِرين لَا يضرهم من ناوأهم فَلَا بُد من أَن تكون شَرِيعَته ظَاهِرَة فِي النَّاس إِلَى قيام السَّاعَة وَقد انْقَطع الْوَحْي بوفاته فَعرفنَا ضَرُورَة أَن طَرِيق بَقَاء شَرِيعَته عصمَة الله أمته من أَن يجتمعوا على الضَّلَالَة فَإِن فِي الِاجْتِمَاع على الضَّلَالَة رفع الشَّرِيعَة وَذَلِكَ يضاد الْمَوْعُود من الْبَقَاء وَإِذا ثَبت عصمَة جَمِيع الْأمة من الِاجْتِمَاع على الضَّلَالَة ضاهى مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ المسموع من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذَلِكَ مُوجب للْعلم قطعا فَهَذَا مثله
وَهَذَا معنى مَا قُلْنَا إِن عِنْد الِاجْتِمَاع يحدث مَا لم يكن ثَابتا بالأفراد وَهُوَ نَظِير القَاضِي إِذا نفذ قَضَاء بِاجْتِهَاد فَإِنَّهُ يلْزم ذَلِك على وَجه لَا يحْتَمل النَّقْض وَإِن كَانَ ذَلِك فَوق الِاجْتِهَاد وَكَانَ ذَلِك لصيانة الْقَضَاء الَّذِي هُوَ من أَسبَاب الدّين فَلِأَن يثبت هُنَا مَا ادعينا صِيَانة لأصل الَّذين كَانَ أولى
فَإِن قيل كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا وَقد قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تقوم السَّاعَة إِلَّا على شرار النَّاس وَقَالَ لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى لَا يُقَال فِي الأَرْض الله قُلْنَا فِي صِحَة هَذَا الحَدِيث نظر هُوَ فِي الظَّاهِر مُخَالف لكتاب الله {الله ولي الَّذين آمنُوا يخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور} وَمن كَانَ الله وليه فَهُوَ ظَاهر أبدا وَمعنى قَوْله يخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور أَي من ظلمات الْكفْر وَالْبَاطِل إِلَى نور الْإِيمَان وَالْحق فَذَلِك دَلِيل على أَن الْحق مَا يتفقون عَلَيْهِ فِي كل وَقت وَقَالَ تَعَالَى {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُم وَمَلَائِكَته} الْآيَة وَلَو ثَبت الحَدِيث فَالْمُرَاد بَيَان أَن أهل الشَّرّ يغلبُونَ فِي آخر الزَّمَان مَعَ بَقَاء الصَّالِحين المتمسكين بِالْحَقِّ فيهم وَالْمرَاد بِالْحَدِيثِ الآخر بَيَان الْحَال بَين نفخة الْفَزع ونفخة الْبَعْث فَإِن قيام السَّاعَة عِنْد نفخة الْبَعْث وَعند ذَلِك لم يبْق فِي الأَرْض من بني آدم أحد حَيا
ثمَّ الْكَلَام بعد هَذَا فِي سَبَب الْإِجْمَاع وركنه وأهلية من ينْعَقد بِهِ الْإِجْمَاع وَشَرطه وَحكمه
من الْكتاب وَالسّنة
أما الْكتاب فنحو الْإِجْمَاع على حُرْمَة الْأُمَّهَات وَالْبَنَات سَببه قَوْله تَعَالَى {حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم وبناتكم} وَأما من حَيْثُ السّنة فنحو الْإِجْمَاع على 
فصل السَّبَب  

أصول السرخسي
فصل السَّبَب
قَالَ رَضِي الله عَنهُ اعْلَم بِأَن سَبَب الْإِجْمَاع قد يكون توقيفا أَن فِي الْيَدَيْنِ الدِّيَة وَفِي إِحْدَاهمَا نصف الدِّيَة وَالْإِجْمَاع على أَنه لَا يجوز بيع الطَّعَام المُشْتَرِي قبل الْقَبْض وَمَا أشبه ذَلِك فَإِن سَببه السّنة المروية فِي الْبَاب
وَمن ذَلِك مَا يكون مستنبطا بِالِاجْتِهَادِ على مَا هُوَ الْمَنْصُوص عَلَيْهِ من الْكتاب أَو السّنة وَذَلِكَ نَحْو إِجْمَاعهم على توظيف الْخراج على أهل السوَاد فَإِن عمر رَضِي الله عَنهُ حِين أَرَادَ ذَلِك خَالفه بِلَال مَعَ جمَاعَة من أَصْحَابه حَتَّى تَلا عَلَيْهِم قَوْله تَعَالَى {وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ} قَالَ أرى لمن بعدكم فِي هَذَا الْفَيْء نَصِيبا فَلَو قسمتهَا بَيْنكُم لم يبْق لمن بعدكم فِيهَا نصيب
فَأَجْمعُوا على قَوْله وَسبب إِجْمَاعهم هَذَا الاستنباط
وَلما اخْتلفُوا فِي الْخَلِيفَة بعد رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ عمر إِن رَسُول الله اخْتَار أَبَا بكر لأمر دينكُمْ فَيكون أرضني بِهِ لأمر دنياكم
فَأَجْمعُوا على خِلَافَته وَسبب إِجْمَاعهم هَذَا الاستنباط
وَمِنْهَا مَا يكون عَن رَأْي نَحْو إِجْمَاعهم على أجل الْعنين وإجماعهم على الْحَد على شَارِب الْخمر على مَا رُوِيَ أَن عمر رَضِي الله عَنهُ لما شاورهم فِي ذَلِك قَالَ عَليّ إِنَّه إِذا شرب هذي وَإِذا هذي افترى وحد المفترين فِي كتاب الله ثَمَانُون جلدَة
وَهَكَذَا قَالَه ابْن عَوْف
وَكَانَ عَليّ يَقُول مَا من أحد أقيم عَلَيْهِ حدا فَيَمُوت فأجد من ذَلِك فِي نَفسِي شَيْئا إِلَّا حد الْخمر فَإِنَّهُ ثَبت بآرائنا
فَإِن قيل كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا وَإِثْبَات الْحَد بِالرَّأْيِ لَا يكون قُلْنَا لَا نقُول إِثْبَات أصل الْحَد كَانَ بِالرَّأْيِ بل بِالسنةِ وَهُوَ مَا ثَبت أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر بِالضَّرْبِ بِالْجَرِيدِ وَالنعال فِي شرب الْخمر إِلَّا أَنهم بالتفحص عرفُوا مِقْدَار مَا ضرب فِيهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ أَن الَّذين كَانُوا عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمئِذٍ أَرْبَعُونَ نَفرا وَضرب كل وَاحِد بنعليه فنقلوا بِالرَّأْيِ من النِّعَال إِلَى الجلدات اسْتِدْلَالا بِحَدّ الْقَذْف وأثبتوا الْمِقْدَار بِالنَّصِّ فَأَجْمعُوا أَن حد الْخمر ثَمَانُون جلدَة
(1/301)


وَكَانَ ابْن جرير رَحمَه الله يَقُول الْإِجْمَاع الْمُوجب للْعلم قطعا لَا يصدر عَن خبر الْوَاحِد وَلَا عَن قِيَاس لِأَن خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس لَا يُوجب الْعلم قطعا فَمَا يصدر عَنهُ كَيفَ يكون مُوجبا لذَلِك وَلِأَن النَّاس يَخْتَلِفُونَ فِي الْقيَاس هَل هُوَ حجَّة أم لَا فَكيف يصدر الْإِجْمَاع عَن نفس الْخلاف وَهَذَا غلط بَين فقد بَينا أَن إِجْمَاع هَذِه الْأمة حجَّة شرعا بِاعْتِبَار عينه لَا بِاعْتِبَار دَلِيله فَمن يَقُول بِأَنَّهُ لَا يكون إِلَّا صادرا عَن دَلِيل مُوجب للْعلم فَإِنَّهُ يَجْعَل الْإِجْمَاع لَغوا وَإِنَّمَا يثبت الْعلم بذلك الدَّلِيل فَهُوَ وَمن يُنكر كَون الْإِجْمَاع حجَّة أصلا سَوَاء وَخبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس وَإِن لم يكن مُوجبا للْعلم بِنَفسِهِ فَإِذا تأيد بِالْإِجْمَاع فَذَلِك يضاهي مَا لَو تأيد بِآيَة من كتاب الله أَو بِالْعرضِ على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والتقرير مِنْهُ على ذَلِك فَيصير مُوجبا للْعلم من هَذَا الطَّرِيق قطعا وَقد كَانَ فِي الصَّدْر الأول اتِّفَاق على اسْتِعْمَال الْقيَاس وَكَونه حجَّة على مَا نبينه وَإِنَّمَا أظهر الْخلاف بعض أهل الْكَلَام مِمَّن لَا نظر لَهُ فِي الْفِقْه وَبَعض الْمُتَأَخِّرين مِمَّن لَا علم لَهُ بِحَقِيقَة الْأَحْكَام وَأُولَئِكَ لَا يعْتد بخلافهم وَلَا يؤنس بوفاقهم
ثمَّ الْإِجْمَاع الثَّابِت بِهَذِهِ الْأَسْبَاب يثبت انْتِقَاله إِلَيْنَا بِالطَّرِيقِ الَّذِي يثبت بِهِ انْتِقَال السّنة المروية عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذَلِكَ (تَارَة) يكون بالتواتر وَتارَة بالاشتهار وَتارَة بالآحاد وَذَلِكَ نَحْو مَا يرْوى عَن عُبَيْدَة السَّلمَانِي قَالَ مَا اجْتمع أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على شَيْء كاجتماعهم على الْمُحَافظَة على الْأَرْبَع قبل الظّهْر وعَلى الْإِسْفَار بِالْفَجْرِ وعَلى تَحْرِيم نِكَاح الْأُخْت فِي عدَّة الْأُخْت
وَقَالَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ فِي تَكْبِيرَات الْجِنَازَة كل ذَلِك قد كَانَ وَقد رَأَيْت أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يكبرُونَ عَلَيْهَا أَرْبعا
وَمن النَّاس من أنكر ثُبُوت الْإِجْمَاع بِخَبَر الْوَاحِد لِأَن الْإِجْمَاع يُوجب الْعلم قطعا وَخبر الْوَاحِد لَا يُوجب ذَلِك وَهَذَا خطأ بَين فَإِن قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُوجب للْعلم أَيْضا ثمَّ يجوز أَن يثبت ذَلِك بِالنَّقْلِ
(1/302)


بطرِيق الْآحَاد على أَن يكون مُوجبا للْعَمَل دون الْعلم فَكَذَلِك الْإِجْمَاع يجوز أَن يثبت بِالنَّقْلِ بطرِيق الْآحَاد على أَن يكون مُوجبا الْعَمَل
وسنقرر هَذَا فِي بَيَان الحكم إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فصل الرُّكْن
ركن الْإِجْمَاع نَوْعَانِ الْعَزِيمَة والرخصة فالعزيمة هُوَ اتِّفَاق الْكل على الحكم بقول سمع مِنْهُم أَو مُبَاشرَة الْفِعْل فِيمَا يكون من بَابه على وَجه يكون ذَلِك مَوْجُودا من الْعَام وَالْخَاص فِيمَا يَسْتَوِي الْكل فِي الْحَاجة إِلَى مَعْرفَته لعُمُوم الْبلوى فِيهِ كتحريم الزِّنَا والربا وَتَحْرِيم الْأُمَّهَات وَأَشْبَاه ذَلِك ويشترك فِيهِ جَمِيع عُلَمَاء الْعَصْر وَفِيمَا لَا يحْتَاج الْعَام إِلَى مَعْرفَته لعدم الْبلوى الْعَام بهم فِيهِ كَحُرْمَةِ الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وخالتها وفرائض الصَّدقَات وَمَا يجب فِي الزروع وَالثِّمَار وَمَا أشبه ذَلِك وَهَذَا لِأَن ركن الشَّيْء مَا يقوم بِهِ أَصله فَإِنَّمَا يقوم أصل الْإِجْمَاع فِي النَّوْعَيْنِ بِهَذَا
وَأما الرُّخْصَة وَهُوَ أَن ينتشر القَوْل من بعض عُلَمَاء أهل الْعَصْر ويسكت الْبَاقُونَ عَن إِظْهَار الْخلاف وَعَن الرَّد على الْقَائِلين بعد عرض الْفَتْوَى عَلَيْهِم أَو صَيْرُورَته مَعْلُوما لَهُم بالانتشار والظهور فالإجماع يثبت بِهِ عندنَا
وَمن الْعلمَاء من يَقُول بِهَذَا الطَّرِيق لَا يثبت الْإِجْمَاع
ويحكى عَن الشَّافِعِي رَحمَه الله أَنه كَانَ يَقُول إِن ظهر القَوْل من أَكثر الْعلمَاء والساكتون نفر يسير مِنْهُم يثبت بِهِ الْإِجْمَاع وَإِن انْتَشَر القَوْل من وَاحِد أَو اثْنَيْنِ والساكتون أَكثر عُلَمَاء الْعَصْر لَا يثبت بِهِ الْإِجْمَاع
وَجه قَوْلهم إِن السُّكُوت مُحْتَمل قد يكون للموافقة وَقد يكون للمهابة والتقية مَعَ إِضْمَار الْخلاف والمحتمل لَا يكون حجَّة خُصُوصا فِيمَا يُوجب الْعلم قطعا أَلا ترى أَن فِيمَا هُوَ مُخْتَلف فِيهِ السُّكُوت لَا يكون دَلِيلا على شَيْء لكَونه مُحْتملا
ويستدلون على صِحَة هَذِه الْقَاعِدَة بِمَا رُوِيَ أَن عمر رَضِي الله عَنهُ لما شاور الصَّحَابَة فِي مَال فضل
(1/303)


عِنْده للْمُسلمين فأشاروا عَلَيْهِ بِتَأْخِير الْقِسْمَة والإمساك إِلَى وَقت الْحَاجة وَعلي رَضِي الله عَنهُ فِي الْقَوْم سَاكِت فَقَالَ لَهُ مَا تَقول يَا أَبَا الْحسن فَقَالَ لم تجْعَل يقينك شكا وعلمك جهلا أرى أَن تقسم ذَلِك بَين الْمُسلمين وروى فِيهِ حَدِيثا فَهُوَ لم يَجْعَل سُكُوته دَلِيل الْمُوَافقَة لَهُم حَتَّى سَأَلَهُ واستخار عَليّ رَضِي الله عَنهُ السُّكُوت مَعَ كَون الْحق عِنْده فِي خلافهم
وَلما شاور عمر الصَّحَابَة فِي إملاص المغيبة الَّتِي بعث بهَا فَفَزِعت فَقَالُوا إِنَّمَا أَنْت مؤدب وَمَا أردْت إِلَّا الْخَيْر فَلَا شَيْء عَلَيْك وَعلي رَضِي الله عَنهُ فِي الْقَوْم سَاكِت فَقَالَ مَا تَقول يَا أَبَا الْحسن فَقَالَ إِن كَانَ هَذَا جهد رَأْيهمْ فقد أخطؤوا وَإِن قاربوك فقد غشوك أرى عَلَيْك الْغرَّة
فَقَالَ أَنْت صدقتني
فقد استخار السُّكُوت مَعَ إِضْمَار الْخلاف وَلم يَجْعَل عمر سُكُوته دَلِيل الْمُوَافقَة حَتَّى استنطقه
وَلما بَين ابْن عَبَّاس حجَّته فِي مَسْأَلَة الْعَوْل للصحابة قَالُوا لَهُ هلا قلت هَذَا لعمر فَقَالَ كَانَ رجلا مهيبا فهبته وَفِي رِوَايَة مَنَعَنِي درته من ذَلِك
وَكَانَ عِيسَى بن أبان يَقُول ترك النكير لَا يكون دَلِيل الْمُوَافقَة بِدَلِيل حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ فَإِنَّهُ حِين قَالَ أقصرت الصَّلَاة أم نسيتهَا يَا رَسُول الله فَنظر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى أبي بكر وَعمر وَقَالَ أَحَق مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ وَلَو كَانَ
(1/304)


ترك النكير دَلِيل الْمُوَافقَة لاكتفى بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْهُم وَلما استنطقهم فِي الصَّلَاة من غير حَاجَة
وَكَانَ الْكَرْخِي رَحمَه الله يَقُول السُّكُوت على النكير فِيمَا يكون مُجْتَهدا فِيهِ لَا يكون دَلِيل الْمُوَافقَة لِأَنَّهُ لَيْسَ لأحد الْمُجْتَهدين أَن يُنكر على صَاحبه بِاجْتِهَادِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن يبين لَهُ مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده فالسكوت فِي مثله لَا يكون دَلِيل الْمُوَافقَة
وَجه قَوْلنَا إِنَّه لَو شَرط لانعقاد الْإِجْمَاع التَّنْصِيص من كل وَاحِد مِنْهُم على قَوْله وَإِظْهَار الْمُوَافقَة مَعَ الآخرين قولا أدّى إِلَى أَن لَا ينْعَقد الْإِجْمَاع أبدا لِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر اجْتِمَاع أهل الْعَصْر كلهم على قَول يسمع ذَلِك مِنْهُم إِلَّا نَادرا وَفِي الْعَادة إِنَّمَا يكون ذَلِك بانتشار الْفَتْوَى من الْبَعْض وسكوت البَاقِينَ وَفِي اتفاقنا على كَون الْإِجْمَاع حجَّة وطريقا لمعْرِفَة الحكم دَلِيل على بطلَان قَول هَذَا الْقَائِل وَهَذَا لِأَن المتعذر كالممتنع ثمَّ تَعْلِيق الشَّيْء بِشَرْط هُوَ مُمْتَنع يكون نفيا لَا صلَة فَكَذَا تَعْلِيقه بِشَرْط هُوَ مُتَعَذر وَهَذَا لِأَن الله تَعَالَى رفع عَنَّا الْحَرج كَمَا لم يكلفنا مَا لَيْسَ فِي وسعنا وَلَيْسَ فِي وسع عُلَمَاء الْعَصْر السماع من الَّذين كَانُوا قبلهم يقرونَ فَكَانَ ذَلِك سَاقِطا عَنْهُم فَكَذَلِك يتَعَذَّر السماع من جَمِيع عُلَمَاء الْعَصْر وَالْوُقُوف على قَول كل وَاحِد مِنْهُم فِي حكم حَادِثَة حَقِيقَة لما فِيهِ من الْحَرج الْبَين فَيَنْبَغِي أَن يَجْعَل اشتهار الْفَتْوَى من الْبَعْض وَالسُّكُوت من البَاقِينَ كَافِيا فِي انْعِقَاد الْإِجْمَاع لِأَن السامعين من الْعلمَاء الْمُجْتَهدين لَا يحل لَهُم السُّكُوت عَن إِظْهَار الْخلاف إِذا كَانَ الحكم عِنْدهم خلاف مَا ظهر وسكوتهم مَحْمُول على الْوَجْه الَّذِي يحل فَبِهَذَا الطَّرِيق يَنْقَطِع معنى التَّسَاوِي فِي الِاحْتِمَال ويترجح جَانب إِظْهَار الْمُوَافقَة وَمثل هَذَا السُّكُوت لَا يرجح أحد الْجَانِبَيْنِ فِيمَا يكون مُخْتَلفا فِيهِ فَيبقى مُحْتملا على ظَاهره وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله إِنَّمَا يثبت الْإِجْمَاع إِذا اشْتهر القَوْل من أَكْثَرهم لِأَن هَذَا الْقدر مِمَّا يَتَأَتَّى وَإِقَامَة السُّكُوت مقَام إِظْهَار الْمُوَافقَة لدفع الْحَرج فيتقدر بِقَدرِهِ وَلَا حرج فِي اعْتِبَار ظُهُور القَوْل من الْأَكْثَر وَلِأَن الْأَقَل يَجْعَل تبعا للْأَكْثَر فَإِذا كَانَ الْأَكْثَر سكُوتًا يَجْعَل ذَلِك كسكوت الْكل وَإِذا ظهر القَوْل من الْأَكْثَر يَجْعَل كظهوره من الْكل
وَلَكنَّا نقُول الْمَعْنى الَّذِي لأَجله
(1/305)


جعل سكُوت الْأَقَل بِمَنْزِلَة إِظْهَار الْمُوَافقَة أَنه لَا يحل لَهُم ترك إِظْهَار الْخلاف إِذا كَانَ الحكم عِنْدهم خلاف ذَلِك وَهَذَا الْمَعْنى فِيمَا يشْتَهر من وَاحِد أَو اثْنَيْنِ أظهر لِأَن تمكن الْأَكْثَر من إِظْهَار الْخلاف يكون أبين فَلِأَن يَجْعَل سكوتهم عَن إِظْهَار الْخلاف بعد مَا اشْتهر القَوْل دَلِيل الْمُوَافقَة كَانَ أولى
وَأما حَدِيث الْقِسْمَة فَإِنَّمَا سكت عَليّ رَضِي الله عَنهُ لِأَن مَا أشاروا بِهِ على عمر كَانَ حسنا فَإِن للْإِمَام أَن يُؤَخر الْقِسْمَة فِيمَا يفضل عِنْده من المَال ليَكُون معدا لنائبة تنوب الْمُسلمين وَلَكِن كَانَ الْقِسْمَة أحسن عِنْد عَليّ لِأَنَّهُ أقرب إِلَى أَدَاء الْأَمَانَة وَالْخُرُوج عَمَّا يحمل من الْعهْدَة وَفِي مثل هَذَا الْموضع لَا يجب إِظْهَار الْخلاف وَلَكِن إِذا سُئِلَ يجب بَيَان الْأَحْسَن فَلهَذَا سكت عَليّ فِي الِابْتِدَاء وَحين سَأَلَهُ بَين الْوَجْه الْأَحْسَن عِنْده
وَكَذَا حَدِيث الإملاص فَإِن مَا أشاروا بِهِ من الحكم كَانَ صَوَابا لِأَنَّهُ لم يُوجد من عمر رَضِي الله عَنهُ مُبَاشرَة صنع بهَا وَلَا تسبب هُوَ جِنَايَة وَلَكِن إِلْزَام الْغرَّة مَعَ هَذَا يكون أبعد من القيل والقال وَيكون أقرب إِلَى بسط الْعدْل وَحسن الرِّعَايَة فَلهَذَا سكت فِي الِابْتِدَاء وَلما استنطقه بَين أولى الْوَجْهَيْنِ عِنْده يُوضحهُ أَن مُجَرّد السُّكُوت عَن إِظْهَار الْخلاف لَا يكون دَلِيل الْمُوَافقَة عندنَا مَا بَقِي مجْلِس الْمُشَاورَة وَلم يفصل الحكم بعد فَإِنَّمَا يكون هَذَا حجَّة أَن لَو فصل عمر الحكم بقَوْلهمْ أَو ظهر مِنْهُ توقف فِي الْجَواب وَيكون عَليّ رَضِي الله عَنهُ ساكتا بعد ذَلِك وَلم ينْقل هَذَا فَإِنَّمَا يحمل سُكُوته فِي الِابْتِدَاء على أَنه لتجربة أفهامهم أَو لتعظيم الْفَتْوَى الَّذِي يُرِيد إِظْهَاره بِاجْتِهَادِهِ حَتَّى لَا يزدري بِهِ أحد من السامعين أَو ليروي النّظر فِي الْحَادِثَة ويميزه من الْأَشْبَاه حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ مَا هُوَ الصَّوَاب فيظهره وَالظَّاهِر أَنه لَو لم يستنطقه عمر رَضِي الله عَنهُ لَكَانَ هُوَ بَين مَا يسْتَقرّ عَلَيْهِ رَأْيه من الْجَواب قبل إبرام الحكم وانقضاء مجْلِس الْمُشَاورَة
فَأَما حَدِيث ابْن عَبَّاس فقد قيل إِنَّه لَا يكَاد يَصح لِأَن عمر رَضِي الله عَنهُ كَانَ يقدم ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا وَكَانَ يَدعُوهُ فِي مجْلِس الشورى مَعَ الْكِبَار من
(1/306)


الصَّحَابَة لما عرف من فطنته وَحسن ذهنه وبصيرته وَقد أَشَارَ عَلَيْهِ بأَشْيَاء فَقبل ذَلِك وَاسْتَحْسنهُ وَكَانَ يَقُول لَهُ غص يَا غواص شنشنة أعرفهَا من أخزم يَعْنِي أَنه شبه الْعَبَّاس فِي رَأْيه ودهائه فَكيف يَسْتَقِيم مَعَ هَذَا أَن يُقَال إِنَّه امْتنع من بَيَان قَوْله وحجته لعمر مهابة لَهُ وَإِن صَحَّ فَهَذِهِ المهابة إِنَّمَا كَانَ بِاعْتِبَار مَا عرف من فضل رَأْي عمر وفقهه فَمَنعه ذَلِك من الِاسْتِقْصَاء فِي المحاجة مَعَه كَمَا يكون من حَال الشبَّان مَعَ ذَوي الْأَسْنَان من الْمُجْتَهدين فِي كل عصر فَإِنَّهُم يهابون الْكِبَار فَلَا يستقصون فِي المحاجة مَعَهم حسب مَا يَفْعَلُونَ مَعَ الأقران وَمَتى كَانَ (النَّاس) فِي تقية من عمر فِي إِظْهَار الْحق مَعَ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَيْنَمَا دَار الْحق فعمر مَعَه وَكَانَ أَلين وأسرع قبولا للحق من غَيره حَتَّى كَانَ يشاورهم وَيَقُول لَهُم لَا خير فِيكُم إِذا لم تَقولُوا لنا وَلَا خير فِينَا إِذا لم نسْمع مِنْكُم رحم الله امْرأ أهْدى إِلَى أَخِيه عيوبه
فَمَعَ طلب الْبَيَان مِنْهُ بِهَذِهِ الصّفة لَا يتَوَهَّم أَن يهابه أحد فَلَا يظْهر عِنْده حكم الشَّرْع مهابة لَهُ
وَحَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ رَضِي الله عَنهُ قُلْنَا مُجَرّد السُّكُوت عَن النكير لَا يكون دَلِيل الْمُوَافقَة عندنَا وَلَكِن مَعَ ترك إِظْهَار مَا هُوَ الْحق عِنْده بعد مُضِيّ مُدَّة المهلة وَلم تُوجد هَذِه الصّفة فِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ فَإِنَّهُ كَمَا أظهر مقَالَته سَأَلَ رَسُول الله أَبَا بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا وَكَانَ الْكَلَام فِي الصَّلَاة يَوْمئِذٍ مُبَاحا فَمَا كَانَ هُنَاكَ مَا يمنعهُم من الْكَلَام وَأحب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يتعرف مَا عِنْدهم من خلاف لَهُ أَو وفَاق وَذَلِكَ مُسْتَقِيم قبل أَن يحصل الْمَقْصُود بِالسُّكُوتِ وَإِن كَانَ يحصل ذَلِك بسكوتهم عَن إِظْهَار الْخلاف أَن لَو قَامَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لإتمام الصَّلَاة وَلم يستنطقهم
(1/307)


وَكَذَلِكَ مَا قَالَه الْكَرْخِي رَحمَه الله فَهُوَ خَارج على هَذَا الْحَرْف لأَنا لَا نجْعَل مُجَرّد السُّكُوت عَن النكير دَلِيل الْمُوَافقَة بل ترك إِظْهَار مَا عِنْده مِمَّا هُوَ مُخَالف لما انْتَشَر وَهَذَا وَاجِب على كل مُجْتَهد من عُلَمَاء الْعَصْر لَا يُبَاح لَهُ السُّكُوت عَنهُ بعد مَا انْتَشَر قَول بِخِلَاف قَوْله وبلغه ذَلِك فَإِنَّمَا يحمل السُّكُوت على الْوَجْه الَّذِي يحل لَهُ شرعا وَلِهَذَا اعْتبرنَا فِي ثُبُوت الْإِجْمَاع بِهَذَا الطَّرِيق أَن يسكت بعد عرض الْفَتْوَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَا لم يبلغهُ قَول هُوَ مُخَالف لما عِنْده وَمَا لم يسْأَل عَنهُ لَا يلْزمه الْبَيَان وَإِنَّمَا يكون ذَلِك بعد عرض الْفَتْوَى عَلَيْهِ وَبعد مُضِيّ مُدَّة المهلة أَيْضا لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى التروي وَإِلَى رد الْحَادِثَة إِلَى الْأَشْبَاه ليميز الْأَشْبَه بالحادثة من بَين الْأَشْبَاه بِرَأْيهِ وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِك إِلَّا بِمدَّة فَإِذا مَضَت الْمدَّة وَلم يظْهر خلاف مَا بلغه كَانَ ذَلِك دَلِيلا على الْوِفَاق بِاعْتِبَار الْعَادة
فَإِن قيل كَانَ يَنْبَغِي أَن لَا تَنْتَهِي هَذِه الْمدَّة إِلَّا بِمَوْتِهِ لِأَن الْإِنْسَان قد يكون متفكرا فِي شَيْء مُدَّة عمره فَلَا يسْتَقرّ فِيهِ رَأْيه على شَيْء وَقد يرى رَأيا فِي شَيْء ثمَّ يظْهر لَهُ رَأْي آخر فَيرجع عَن الأول فعلى هَذَا مُدَّة التروي لَا تَنْتَهِي إِلَّا بِمَوْتِهِ
قُلْنَا لَا كَذَلِك بل إِذا مضى من الْمدَّة مَا يتَمَكَّن فِيهِ من النّظر وَالِاجْتِهَاد فَعَلَيهِ إِظْهَار مَا تبين لَهُ بِاجْتِهَادِهِ من توقف فِي الْجَواب أَو خلاف أَو وفَاق لَا يحل لَهُ السُّكُوت عَن الْإِظْهَار إِلَّا عِنْد الْمُوَافقَة وَبَعْدَمَا ثَبت الْإِجْمَاع بِهَذَا الطَّرِيق فَلَيْسَ لَهُ أَن يرجع عَنهُ بِرَأْي يعرض لَهُ لِأَن الْإِجْمَاع مُوجب للْعلم قطعا بِمَنْزِلَة النَّص فَكَمَا لَا يجوز ترك الْعَمَل بِالنَّصِّ بِاعْتِبَار رَأْي يعْتَرض لَهُ لَا يجوز مُخَالفَة الْإِجْمَاع بِرَأْي يعْتَرض لَهُ بَعْدَمَا انْعَقَد الْإِجْمَاع بدليله
وَكَذَلِكَ إِن لم يعرض عَلَيْهِ الْفَتْوَى وَلَكِن اشْتهر الْفَتْوَى فِي النَّاس على وَجه يعلم أَنه بلغ ذَلِك الساكتين من عُلَمَاء الْعَصْر فَإِن ذَلِك يقوم مقَام الْعرض عَلَيْهِم لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِم إِظْهَار الْخلاف الَّذِي عِنْدهم إِن كَانُوا يَعْتَقِدُونَ خلاف ذَلِك على وَجه ينتشر هَذَا الْخلاف مِنْهُم كَمَا انْتَشَر القَوْل الأول ليَكُون الثَّانِي مُعَارضا للْأولِ وَلَو أظهرُوا ذَلِك لانتشر فسكوتهم عَن الْإِظْهَار الثَّابِت بِدَلِيل عدم الانتشار
(1/308)


دَلِيل على الْمُوَافقَة
بِهَذَا الطَّرِيق أثبتنا كَون الْقُرْآن معجزا لِأَن الْعَرَب مَا عارضوا بِمثلِهِ وَلَو فعلوا لانتشر ذَلِك وعجزهم عَن الْمُعَارضَة بعد التحدي دَلِيل على أَنه معجز
فَإِن قيل فقد اشْتهر فَتْوَى النَّاس بِجَوَاز الْمُزَارعَة بعد أبي حنيفَة قولا وفعلا مَعَ سكُوت أَصْحَاب أبي حنيفَة عَن النكير وَلم يكن ذَلِك دَلِيل الْمُوَافقَة
قُلْنَا كَمَا انْتَشَر ذَلِك فقد انْتَشَر أَيْضا الْخلاف من أَصْحَاب أبي حنيفَة لمن أجَاز الْمُزَارعَة مُحَاجَّة ومناظرة وَإِنَّمَا تركُوا التشنيع على من يُبَاشر ذَلِك لِأَنَّهُ ظهر عِنْد النَّاس نوع رُجْحَان لقَوْل من أجازها فَأخذُوا بذلك وَذَلِكَ يمْنَع الْقَائِلين بفسادها من أَن يظهروا منع النَّاس من ذَلِك لعلمهم أَن النَّاس لَا يمتنعون بِاعْتِبَار مَا ظهر لَهُم بِمَنْزِلَة القَاضِي إِذا قضى فِي فصل مُجْتَهد فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يجب على الْمُجْتَهد الَّذِي يعْتَقد خِلَافه أَن يظْهر للنَّاس خطأ القَاضِي لعلمه أَن النَّاس لَا يَأْخُذُونَ بقوله ولاعتقاده أَن قَضَاء القَاضِي بِمَا قضى بِهِ نَافِذ وَأَن ذَلِك الْجَانِب ترجح بِالْقضَاءِ فَترك النكير على من يُبَاشر الْمُزَارعَة بِهَذِهِ المثابة
يُحَقّق مَا قُلْنَا إِن من عَادَة المتشاورين من الْعَوام فِي شَيْء يهمهم من أَمر الدُّنْيَا وَيتَعَلَّق بِهِ بعض مصالحهم أَن الْبَعْض إِذا أظهر فِيهِ رَأيا وَعند الْبَعْض خلاف ذَلِك فَإِنَّهُم لَا يمتنعون من إِظْهَار مَا عِنْدهم إِلَّا نَادرا وَلَا يبْنى الحكم على النَّادِر فَإِذا كَانَ هَذَا فِي أَمر الدُّنْيَا مَعَ أَن السُّكُوت عَن الْإِظْهَار يحل فِيهِ شرعا فَلِأَن يكون أَمر الدّين وَمَا يرجع إِلَى إِظْهَار حكم الله تَعَالَى بِهَذِهِ الصّفة حَتَّى يكون السُّكُوت فِيهِ دَلِيل الْوِفَاق كَانَ أولى فَكَذَلِك الْعَادة من حَال من يسمع مَا هُوَ مستبعد عَنهُ أَن لَا يمْتَنع من إِظْهَار النكير عِنْده بل يكون ذَلِك جلّ همه أَلا ترى أَنه لَو أخبر مخبر أَن الْخَطِيب يَوْم الْجُمُعَة لما صعد الْمِنْبَر رَمَاه إِنْسَان بِسَهْم فَقتله وَسمع ذَلِك مِنْهُ قوم شهدُوا الْجُمُعَة وَلم يعرفوا من ذَلِك شَيْئا فَإِنَّهُ لَا يكون فِي همتهم شَيْء أسبق من إِظْهَار الْإِنْكَار عَلَيْهِ وَقد بَينا أَن مَا عَلَيْهِ الْعَادة الظَّاهِرَة لَا يجوز تَركه فِي الْأَحْكَام فَتبين بِاعْتِبَار هَذِه الْعَادة أَن السُّكُوت دَلِيل الْمُوَافقَة وَنحن نعلم أَنه قد كَانَ عِنْد الصَّحَابَة أَن إِجْمَاعهم
(1/309)


حجَّة مُوجبَة للْعلم قطعا فَإِذا علم السَّاكِت هَذَا يفترض عَلَيْهِ بَيَان مَا عِنْده ليتَحَقَّق الْخلاف وَيخرج مَا اشْتهر من أَن يكون حكم الْحَادِثَة قطعا وَالسُّكُوت إِن لم يدل على الْمُوَافقَة فَلَا إِشْكَال أَنه لَا يدل على الْخلاف
وَمن هَذَا الْجِنْس مَا إِذا اخْتلفُوا فِي حَادِثَة على أقاويل محصورة فَإِن الْمَذْهَب عندنَا أَن هَذَا يكون دَلِيل الْإِجْمَاع مِنْهُم على أَنه لَا قَول فِي هَذِه الْحَادِثَة سوى هَذِه الْأَقَاوِيل حَتَّى لَيْسَ لأحد أَن يحدث فِيهِ قولا آخر بِرَأْيهِ
وَعند بَعضهم هَذَا من بَاب السُّكُوت الَّذِي هُوَ مُحْتَمل أَيْضا فَكَمَا لَا يدل على نفي الْخلاف لَا يدل على نفي قَول آخر فِي الْحَادِثَة فَإِن ذَلِك نوع تعْيين وَلَا يثبت بالمحتمل
وَلَكنَّا نقُول قد بَينا أَنهم إِذا اخْتلفُوا على أقاويل فَنحْن نعلم أَن الْحق لَا يعدو أقاويلهم وَهَذَا بِمَنْزِلَة التَّنْصِيص مِنْهُم على أَن مَا هُوَ الْحق حَقِيقَة فِي هَذِه الْأَقَاوِيل وماذا بعد الْحق إِلَّا الضلال
وَكَذَلِكَ هَذَا الحكم فِي اخْتِلَاف بَين أهل كل عصر إِلَّا على قَول بعض مَشَايِخنَا فَإِنَّهُم يَقُولُونَ هَذَا فِي أقاويل الصَّحَابَة خَاصَّة لما لَهُم من الْفضل والسابقة وَلَكِن الْمَعْنى الَّذِي أَشَرنَا إِلَيْهِ يُوجب الْمُسَاوَاة وعَلى هَذَا قَالُوا فِيمَا ظهر من بعض الْخُلَفَاء عَن الصَّحَابَة أَنه قَالَ فِي خطبَته على الْمِنْبَر وَلم يظْهر من أحد مِنْهُم خلاف لذَلِك فَإِن ذَلِك إِجْمَاع مِنْهُم بِهَذَا الطَّرِيق
وَقد قَالَ بعض من لَا يعبأ بقوله الْإِجْمَاع الْمُوجب للْعلم قطعا لَا يكون إِلَّا فِي مثل مَا اتّفق عَلَيْهِ النَّاس من مَوضِع الْكَعْبَة وَمَوْضِع الصَّفَا والمروة وَمَا أشبه ذَلِك وَهَذَا ضَعِيف جدا فَإِنَّهُ يُقَال لهَذَا الْقَائِل بِأَيّ طَرِيق عرفت إِجْمَاع الْمُسلمين على هَذَا بطرِيق سماعك نصا من كل وَاحِد من آحادهم فَإِن قَالَ نعم ظهر للنَّاس كذبه وَإِن قَالَ لَا وَلَكِن بتنصيص الْبَعْض وسكوت البَاقِينَ عَن إِظْهَار الْخلاف فَنَقُول كَمَا ثَبت بِهَذَا الطَّرِيق الْإِجْمَاع مِنْهُم على هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي لَا يشك فِيهَا أحد فَكَذَلِك ثَبت الْإِجْمَاع مِنْهُم بِهَذَا الطَّرِيق فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة
أصول السرخسي
فصل الْأَهْلِيَّة
زعم بعض النَّاس أَن الْإِجْمَاع الْمُوجب للْعلم لَا يكون إِلَّا بِاتِّفَاق فرق الْأمة أهل الْحق وَأهل الضَّلَالَة جَمِيعًا لِأَن الْحجَّة إِجْمَاع الْأمة وَمُطلق اسْم الْأمة يتَنَاوَل الْكل
(1/310)


فَأَما الْمَذْهَب عندنَا أَن الْحجَّة اتِّفَاق كل عَالم مُجْتَهد مِمَّن هُوَ غير مَنْسُوب إِلَى هوى وَلَا معلن بفسق فِي كل عصر لِأَن حكم الْإِجْمَاع إِنَّمَا يثبت بِاعْتِبَار وصف لَا يثبت إِلَّا بِهَذِهِ الْمعَانِي وَذَلِكَ صفة الوساطة كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا} وَهُوَ عبارَة عَن الْخِيَار الْعُدُول المرضيين وَصفَة الشَّهَادَة بقوله {لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس} فَلَا بُد من اعْتِبَار الْأَهْلِيَّة لأَدَاء الشَّهَادَة وَصفَة الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَذَلِكَ يُشِير إِلَى فَرضِيَّة الِاتِّبَاع فِيمَا يأمرون بِهِ وَينْهَوْنَ عَنهُ وَإِنَّمَا يفترض اتِّبَاع الْعدْل المرضي فِيمَا يَأْمر بِهِ وثبوته بطرِيق الْكَرَامَة على الدّين والمستحق للكرامات مُطلقًا من كَانَ بِهَذِهِ الصّفة
فَأَما أهل الْأَهْوَاء فَمن يكفر فِي هَوَاهُ فاسم الْأمة لَا يتَنَاوَلهُ مُطلقًا وَلَا هُوَ مُسْتَحقّ للكرامة الثَّابِتَة للْمُؤْمِنين وَمن يضلل فِي هَوَاهُ إِذا كَانَ يَدْعُو النَّاس إِلَى مَا يَعْتَقِدهُ فَهُوَ يتعصب لذَلِك على وَجه يخرج بِهِ إِلَى صفة السَّفه والمجون فَيكون مُتَّهمًا فِي أَمر الدّين لَا مُعْتَبر بقوله فِي إِجْمَاع الْأمة وَلِهَذَا لم يعْتَبر خلاف الروافض فِي إِمَامَة أبي بكر وَلَا خلاف الْخَوَارِج فِي خلَافَة عَليّ
فَإِن كَانَ لَا يَدْعُو النَّاس إِلَى هَوَاهُ وَلكنه مَشْهُور بِهِ فقد قَالَ بعض مَشَايِخنَا فِيمَا يضلل هُوَ فِيهِ لَا مُعْتَبر بقوله لِأَنَّهُ إِنَّمَا يضلل لمُخَالفَته نصا مُوجبا للْعلم فَكل قَول كَانَ بِخِلَاف النَّص فَهُوَ بَاطِل وَفِيمَا سوى ذَلِك يعْتَبر قَوْله وَلَا يثبت الْإِجْمَاع مَعَ مُخَالفَته لِأَنَّهُ من أهل الشَّهَادَة وَلِهَذَا كَانَ مَقْبُول الشَّهَادَة فِي الْأَحْكَام
قَالَ رَضِي الله عَنهُ وَالأَصَح عِنْدِي أَنه إِن كَانَ مُتَّهمًا بالهوى وَلكنه غير مظهر لَهُ فَالْجَوَاب هَكَذَا فَأَما إِذا كَانَ مظْهرا لهواه فَإِنَّهُ لَا يعْتد بقوله فِي الْإِجْمَاع لِأَن الْمَعْنى الَّذِي لأَجله قبلت شَهَادَته لَا يُوجد هُنَا فَإِنَّهَا تقبل لانْتِفَاء تُهْمَة الْكَذِب على مَا قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله قوم عظموا الذُّنُوب حَتَّى جعلوها كفرا لَا يتهمون بِالْكَذِبِ فِي الشَّهَادَة
وَهَذَا يدل على أَنهم لَا يؤتمنون فِي أَحْكَام الشَّرْع وَلَا يعْتَبر قَوْلهم فِيهِ فَإِن الْخَوَارِج هم الَّذين يَقُولُونَ إِن الذَّنب نَفسه كفر وَقد أكفروا أَكثر الصَّحَابَة الَّذين عَلَيْهِم مدَار أَحْكَام الشَّرْع وَإِنَّمَا عرفناها بنقلهم فَكيف يعْتَمد قَول هَؤُلَاءِ فِي أَحْكَام الشَّرْع وَأدنى مَا فِيهِ أَنهم لَا يتعلمون ذَلِك إِذا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ كفر الناقلين
وَلَا مُعْتَبر بقول الْجُهَّال فِي الْأَحْكَام فَأَما من كَانَ محقا فِي اعْتِقَاده
(1/311)


وَلكنه فَاسق فِي تعاطيه فالعراقيون يَقُولُونَ لَا يعْتد بقوله فِي الْإِجْمَاع أَيْضا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْل لأَدَاء الشَّهَادَة وَلِأَن التَّوَقُّف فِي قَوْله وَاجِب بِالنَّصِّ وَذَلِكَ يَنْفِي وجوب الِاتِّبَاع
قَالَ رَضِي الله عَنهُ وَالأَصَح عِنْدِي أَنه إِذا كَانَ مُعْلنا لفسقه فَكَذَلِك الْجَواب لِأَنَّهُ لما لم يتحرز من إعلان مَا يَعْتَقِدهُ بَاطِلا فَكَذَلِك لَا يتحرز من إعلان قَول يعْتَقد بُطْلَانه بَاطِنا فَأَما إِذا لم يكن مظْهرا للفسق فَإِنَّهُ يعْتد بقوله فِي الْإِجْمَاع وَإِن علم فسقه حَتَّى ترد شَهَادَته لِأَنَّهُ لَا يخرج بِهَذَا من الْأَهْلِيَّة للشَّهَادَة أصلا وَلَا من الْأَهْلِيَّة للكرامة بِسَبَب الدّين أَلا ترى أَنا نقطع القَوْل لمن يَمُوت مُؤمنا مصرا على فسقه أَنه لَا يخلد فِي النَّار فَإِذا كَانَ هُوَ أَهلا للكرامة بِالْجنَّةِ فِي الْآخِرَة فَكَذَلِك فِي الدُّنْيَا بِاعْتِبَار قَوْله فِي الْإِجْمَاع
فَأَما كَونه عَالما مُجْتَهدا فَهُوَ مُعْتَبر فِي الحكم الَّذِي يخْتَص بمعرفته وَالْحَاجة إِلَيْهِ الْعلمَاء وعَلى هَذَا قُلْنَا من يكون متكلما غير عَالم بأصول الْفِقْه والأدلة الشَّرْعِيَّة فِي الْأَحْكَام لَا يعْتد بقوله فِي الْإِجْمَاع
هَكَذَا نقل عَن الْكَرْخِي
وَكَذَلِكَ من يكون مُحدثا لَا بصر لَهُ فِي وُجُوه الرَّأْي وطرق المقاييس الشَّرْعِيَّة لَا يعْتد بقوله فِي الْإِجْمَاع لِأَن هَذَا فِيمَا يَبْنِي عَلَيْهِ حكم الشَّرْع بِمَنْزِلَة الْعَاميّ وَلَا يعْتد بقول الْعَاميّ فِي إِجْمَاع عُلَمَاء الْعَصْر لِأَنَّهُ لَا هِدَايَة لَهُ فِي الحكم الْمُحْتَاج إِلَى مَعْرفَته فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْمَجْنُون حَتَّى لَا يعْتد بمخالفته
ثمَّ قَالَ بعض الْعلمَاء الَّذين هم بِالصّفةِ الَّتِي قُلْنَا من أهل الْعَصْر مَا لم يبلغُوا حدا لَا يتَوَهَّم عَلَيْهِم التواطؤ على الْبَاطِل لَا يثبت الْإِجْمَاع الْمُوجب للْعلم باتفاقهم أَلا ترى أَن حكم التَّوَاتُر لَا يثبت بخبرهم مَا لم يبلغُوا هَذَا الْحَد فَكَذَلِك حكم الْإِجْمَاع بقَوْلهمْ لِأَن بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا يثبت علم الْيَقِين
وَالأَصَح عندنَا أَنهم إِذا كَانُوا جمَاعَة وَاتَّفَقُوا قولا أَو فَتْوَى من الْبَعْض مَعَ سكُوت البَاقِينَ فَإِنَّهُ ينْعَقد الْإِجْمَاع بِهِ وَإِن لم يبلغُوا حد التَّوَاتُر بِخِلَاف الْخَبَر فَإِن ذَلِك مُحْتَمل للصدق وَالْكذب فَلَا بُد من مُرَاعَاة معنى يَنْتَفِي بِهِ تُهْمَة الْكَذِب بكثرتهم أَلا ترى أَن صفة الْعَدَالَة لَا تعْتَبر هُنَاكَ وَهَذَا إِظْهَار حكم ابْتِدَاء لَيْسَ فِيهِ من معنى احْتِمَال تُهْمَة الْكَذِب شَيْء إِنَّمَا فِيهِ توهم الْخَطَأ فَإِذا كَانُوا جمَاعَة فالأمن عَن ذَلِك ثَابت شرعا كَرَامَة لَهُم بِسَبَب الدّين وَصفَة الْعَدَالَة على مَا قَررنَا
(1/312)


فَإِن قيل لَا يُؤمن على هَؤُلَاءِ إعلان الْفسق أَو الضَّلَالَة أَو الرِّدَّة مثلا بَعْدَمَا انْعَقَد الْإِجْمَاع مِنْهُم فَكيف يُؤمن الْخَطَأ بِاعْتِبَار اجْتِمَاعهم وَعَن هَذَا الْكَلَام جوابان لمشايخنا رَحِمهم الله أَحدهمَا أَنا لَا نجوز هَذَا على جَمَاعَتهمْ بَعْدَمَا كَانَ إِجْمَاعهم مُوجبا للْعلم فِي حكم الشَّرْع فَإِن الله تَعَالَى يعصمهم من ذَلِك لِأَن إِجْمَاعهم صَار بِمَنْزِلَة النَّص عَن صَاحب الشَّرِيعَة فَكَمَا أَن الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ مَعْصُوما عَن هَذَا نقطع القَوْل بِهِ لِأَن قَوْله مُوجب للْعلم فَكَذَلِك جمَاعَة الْعلمَاء إِذا ثَبت لَهُم هَذِه الدرجَة وَهُوَ أَن قَوْلهم مُوجب للْعلم كَرَامَة بِسَبَب الدّين
وَالثَّانِي أَنه وَإِن تحقق هَذَا مِنْهُم فَإِن الله تَعَالَى يُقيم آخَرين مقامهم ليَكُون الحكم ثَابتا بإجماعهم لِأَن الدّين مَحْفُوظ إِلَى قيام السَّاعَة على مَا قَالَ رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين على الْحق حَتَّى يَأْتِي أَمر الله فَمَا يعْتَرض على الْأَوَّلين لَا يُؤثر فِي حكم الْإِجْمَاع لقِيَام أمثالهم مقامهم بِمَنْزِلَة مَوْتهمْ
وَقَالَ بعض الْعلمَاء الْإِجْمَاع الْمُوجب للْعلم لَا يكون إِلَّا بِإِجْمَاع الصَّحَابَة الَّذين كَانُوا خير النَّاس بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأَنهم صحبوه وسمعوا مِنْهُ علم التَّنْزِيل والتأويل وَأثْنى عَلَيْهِم فِي آثَار مَعْرُوفَة فهم المختصون بِهَذِهِ الْكَرَامَة
وَهَذَا ضَعِيف عندنَا فَإِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا أثنى عَلَيْهِم فقد أثنى على من بعدهمْ فَقَالَ خير النَّاس قَرْني الَّذين أَنا فيهم ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ فَفِي هَذَا بَيَان أَن أهل كل عصر يقومُونَ مقامهم فِي صفة الْخَيْرِيَّة إِذا كَانُوا على مثل اعْتِقَادهم والمعاني الَّتِي بيناها لإِثْبَات هَذَا الحكم بهَا من صفة الوساطة وَالشَّهَادَة وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ لَا يخْتَص بِزَمَان وَلَا بِقوم وَثُبُوت هَذَا الحكم بِالْإِجْمَاع لتحقيق بَقَاء حكم الشَّرْع إِلَى قيام السَّاعَة وَذَلِكَ لَا يتم مَا لم يَجْعَل إِجْمَاع أهل كل عصر حجَّة كإجماع الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم
فَإِن قيل ف أَبُو حنيفَة رَحمَه الله قَالَ بِخِلَاف هَذَا لِأَنَّهُ قَالَ مَا جَاءَنَا عَن الصَّحَابَة اتبعناهم وَمَا جَاءَنَا عَن التَّابِعين زاحمناهم
قُلْنَا إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ من جملَة التَّابِعين
(1/313)


فَإِنَّهُ رأى أَرْبَعَة من الصَّحَابَة أنس بن مَالك وَعبد الله بن أبي أوفى وَأَبُو الطُّفَيْل وَعبد الله بن حَارِث بن جُزْء الزبيدِيّ رَضِي الله عَنْهُم وَقد كَانَ مِمَّن يجْتَهد فِي عهد التَّابِعين وَيعلم النَّاس حَتَّى نَاظر الشّعبِيّ فِي مَسْأَلَة النّذر بالمعصية فَمَا كَانَ ينْعَقد إِجْمَاعهم بِدُونِ قَوْله فَلهَذَا قَالَ ذَلِك لَا لِأَنَّهُ كَانَ لَا يرى إِجْمَاع من بعد الصَّحَابَة حجَّة
وَمن النَّاس من يَقُول الْإِجْمَاع الَّذِي هُوَ حجَّة إِجْمَاع أهل الْمَدِينَة خَاصَّة لأَنهم أهل حَضْرَة الرَّسُول وَقد بَين رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام خُصُوصِيَّة تِلْكَ الْبقْعَة فِي آثَار فَقَالَ إِن الْإِسْلَام ليأرز إِلَى الْمَدِينَة كَمَا تأرز الْحَيَّة إِلَى جحرها وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام إِن الدَّجَّال لَا يدخلهَا وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام من أَرَادَ أَهلهَا بِسوء أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام إِن الْمَدِينَة تَنْفِي الْخبث كَمَا يَنْفِي الْكِير خبث الْحَدِيد وَلَكِن مَا قَررنَا من الْمعَانِي لَا يخْتَص بمَكَان دون مَكَان
ثمَّ إِن كَانَ مُرَاد الْقَائِل أَهلهَا الَّذين كَانُوا فِي عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَهَذَا لَا يُنَازع فِيهِ أحد وَإِن كَانَ المُرَاد أَهلهَا فِي كل عصر فَهُوَ قَول بَاطِل لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي بقْعَة من الْبِقَاع الْيَوْم فِي دَار الْإِسْلَام قوم هم أقل علما وَأظْهر جهلا وَأبْعد عَن أَسبَاب الْخَيْر من الَّذين هم بِالْمَدِينَةِ فَكيف يستجاز القَوْل بِأَنَّهُ لَا إِجْمَاع فِي أَحْكَام الدّين إِلَّا إِجْمَاعهم وَالْمرَاد بالآثار حَال الْمَدِينَة فِي عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين كَانَت الْهِجْرَة فَرِيضَة كَانَ الْمُسلمُونَ يَجْتَمعُونَ فِيهَا وَأهل الْخبث وَالرِّدَّة لَا يقرونَ فِيهَا وَقد تكون الْبقْعَة محروسة وَإِن كَانَ من يسكنهَا على غير الْحق أَلا ترى أَن مَكَّة كَانَت محروسة عَام الْفِيل مَعَ أَن أَهلهَا كَانُوا مُشْرِكين يَوْمئِذٍ
وَمن النَّاس من يَقُول لَا إِجْمَاع إِلَّا لعترة الرَّسُول لأَنهم المخصوصون بِقرَابَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَسْبَاب الْعِزّ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام إِنِّي تَارِك فِيكُم الثقلَيْن كتاب الله وعترتي إِن تمسكتم بهما لم تضلوا بعدِي وَقَالَ تَعَالَى {إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا}
الْمُوجب للْعلم بِاعْتِبَار نُصُوص ومعاني لَا يخْتَص ذَلِك بِأَهْل الْبَيْت وَالنّسب لَيْسَ من ذَلِك فِي شَيْء فالتخصيص بِهِ يكون زِيَادَة كَيفَ وَقد قَالَ تَعَالَى {وَاتبع}
(1/314)


وَلَكنَّا نقُول أَنْوَاع الْكَرَامَة لأهل الْبَيْت مُتَّفق عَلَيْهِ وَلَكِن حكم الْإِجْمَاع سَبِيل من أناب إِلَيّ فَكل من كَانَ منيبا إِلَى ربه فَهُوَ دَاخل فِي هَذِه الْآيَة وَهُوَ مُرَاد بقوله تَعَالَى {وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ} كَمَا ذكرنَا من الِاسْتِدْلَال بِهِ
فصل الشَّرْط
زعم بعض النَّاس أَن انْقِرَاض الْعَصْر شَرط لثُبُوت حكم الْإِجْمَاع
وَهُوَ قَول الشَّافِعِي رَحمَه الله أَيْضا لِأَن قبل انْقِرَاض الْعَصْر إِذا بدا لبَعْضهِم رَأْي خلاف رَأْي الْجَمَاعَة فَإِن مَا ظهر لَهُ فِي الِانْتِهَاء بِمَنْزِلَة الْمَوْجُود فِي الِابْتِدَاء وَلَو كَانَ مَوْجُودا لم ينْعَقد إِجْمَاعهم بِدُونِ قَوْله فَكَذَلِك إِذا اعْترض لَهُ ذَلِك وَلَا يَقع الْأَمْن عَن هَذَا إِلَّا بانقراض الْعَصْر على ذَلِك الْإِجْمَاع أَلا ترى أَن أَبَا بكر رَضِي الله عَنهُ كَانَ يُسَوِّي بَين النَّاس فِي العطايا وَكَانُوا لَا يخالفونه فِي ذَلِك ثمَّ فضل عَليّ رَضِي الله عَنهُ فِي العطايا فِي خِلَافَته وَلَا يظنّ بِهِ مُخَالفَة الْجَمَاعَة فَعرفنَا أَن بِدُونِ انْقِرَاض الْعَصْر لَا يثبت حكم الْإِجْمَاع وَقَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ اتّفق رَأْيِي ورأي عمر على أَن أُمَّهَات الْأَوْلَاد لَا يبعن وأنهن أَحْرَار عَن دبر من الموَالِي ثمَّ رَأَيْت أَن أرقهن
فَلَو ثَبت الْإِجْمَاع قبل انْقِرَاض الْعَصْر لما استجاز خلاف الْإِجْمَاع بِرَأْيهِ
وَأما عندنَا انْقِرَاض الْعَصْر لَيْسَ بِشَرْط لِأَن الْإِجْمَاع لما انْعَقَد بِاعْتِبَار اجْتِمَاع مَعَاني الَّذِي قُلْنَا كَانَ الثَّابِت بِهِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ وكما أَن الثَّابِت بِالنَّصِّ لَا يخْتَص بِوَقْت دون وَقت فَكَذَلِك الثَّابِت بِالْإِجْمَاع وَلَو شرطنا انْقِرَاض الْعَصْر لم يثبت الْإِجْمَاع أبدا لِأَن بعض التَّابِعين فِي عصر الصَّحَابَة كَانَ يزاحمهم فِي الْفَتْوَى فيتوهم أَن يَبْدُو لَهُ رَأْي بعد أَن لم يبْق أحد من الصَّحَابَة وَهَكَذَا فِي الْقرن الثَّانِي وَالثَّالِث فَيُؤَدِّي إِلَى سد بَاب حكم الْإِجْمَاع (أصلا) وَهَذَا بَاطِل
وَلَكنَّا نقُول بعد مَا ثَبت الْإِجْمَاع مُوجبا للْعلم باتفاقهم فَلَيْسَ لأحد أَن يظْهر خلاف ذَلِك بِرَأْيهِ لَا من
(1/315)


أهل ذَلِك الْعَصْر وَلَا من غَيرهم كَمَا لَا يكون لَهُ أَن يُخَالف النَّص بِرَأْيهِ وَهَذَا بِخِلَاف رَأْيه قبل انْعِقَاد الْإِجْمَاع لِأَن الدَّلِيل الْمُوجب للْعلم لم يَتَقَرَّر هُنَاكَ فَكَانَ قَوْله مُعْتَبرا فِي منع انْعِقَاد الْإِجْمَاع
وَأما حَدِيث التَّسْوِيَة فِي الْعَطاء فقد كَانَ مُخْتَلفا فِي الِابْتِدَاء على مَا رُوِيَ عَن عمر رَضِي الله عَنهُ قَالَ لأبي بكر لَا تجْعَل من لَا سَابِقَة لَهُ فِي الْإِسْلَام كمن لَهُ سَابِقَة
فَقَالَ أَبُو بكر هم إِنَّمَا عمِلُوا لله فأجرهم على الله
فَتبين أَن هَذَا الْفَصْل كَانَ مُخْتَلفا فِي الِابْتِدَاء فَلهَذَا مَال عَليّ رَضِي الله عَنهُ إِلَى التَّفْضِيل
وَحَدِيث أُمَّهَات الْأَوْلَاد فالمروي أَن عليا رَضِي الله عَنهُ قَالَ ثمَّ رَأَيْت أَن أرقهن
يَعْنِي أَن لَا أعتقهن بِمَوْت الْمولى حَتَّى يكون الْوَارِث أَو الْوَصِيّ هُوَ الْمُعْتق لَهَا كَمَا دلّ عَلَيْهِ ظَاهر بعض الْآثَار المروية عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَيْسَ المُرَاد جَوَاز بيعهنَّ إِذْ لَيْسَ من ضَرُورَة الرّقّ جَوَاز البيع لَا محَالة
وَكَانَ الْكَرْخِي رَحمَه الله يَقُول شَرط الْإِجْمَاع أَن يجْتَمع عُلَمَاء الْعَصْر كلهم على حكم وَاحِد فَأَما إِذا اجْتمع أَكْثَرهم على شَيْء وَخَالفهُم وَاحِد أَو اثْنَان لم يثبت حكم الْإِجْمَاع
وَهَذَا قَول الشَّافِعِي رَحمَه الله أَيْضا لِأَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَلِأَنَّهُ لَا مُعْتَبر بالقلة وَالْكَثْرَة فِي الْمَعْنى الَّذِي يبتنى عَلَيْهِ حكم الْإِجْمَاع وبالاتفاق لَو كَانَ فريق مِنْهُم على قَول وفريق مثلهم على قَول آخر فَإِنَّهُ لَا يثبت حكم الْإِجْمَاع فَكَذَلِك إِذا كَانَ أَكْثَرهم على قَول وَنَفر يسير مِنْهُم على خلاف ذَلِك لَا يثبت حكم الْإِجْمَاع
قَالَ رَضِي الله عَنهُ وَالأَصَح عِنْدِي مَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو بكر الرَّازِيّ رَحمَه الله أَن الْوَاحِد إِذا خَالف الْجَمَاعَة فَإِن سوغوا لَهُ ذَلِك الِاجْتِهَاد لَا يثبت حكم الْإِجْمَاع بِدُونِ قَوْله بِمَنْزِلَة خلاف ابْن عَبَّاس للصحابة فِي زوج وأبوين وَامْرَأَة وأبوين أَن للْأُم ثلث جَمِيع المَال وَإِن لم يسوغوا لَهُ الِاجْتِهَاد وأنكروا (عَلَيْهِ) قَوْله فَإِنَّهُ يثبت حكم الْإِجْمَاع بِدُونِ قَوْله بِمَنْزِلَة قَول ابْن عَبَّاس فِي حل التَّفَاضُل فِي أَمْوَال الرِّبَا فَإِن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم لم يسوغوا لَهُ هَذَا الِاجْتِهَاد حَتَّى رُوِيَ أَنه رَجَعَ إِلَى قَوْلهم فَكَانَ الْإِجْمَاع ثَابتا بِدُونِ قَوْله وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله فِي الْإِمْلَاء لَو قضى القَاضِي
(1/316)


بِجَوَاز بيع الدِّرْهَم بِالدِّرْهَمَيْنِ لم ينفذ قَضَاؤُهُ لِأَنَّهُ مُخَالف للْإِجْمَاع
وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا القَوْل قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام يَد الله مَعَ الْجَمَاعَة فَمن شَذَّ شَذَّ فِي النَّار
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّ